القسم الثاني
تحت القصر____________________________________________
لم تعد "أستاريا" كما كانت قبل أيام قليلة، لكن التغيير لم يظهر في جدرانها أو أبراجها، بل في الإحساس الذي يسري داخلها. لم يكن أحد من سكان العاصمة يستطيع أن يصف هذا التغيير بدقة. بعضهم سماه قلقًا، وبعضهم اعتبره مجرد أثر للأحداث الأخيرة، لكن الحقيقة كانت أعمق من ذلك بكثير. كان هناك شعور غامض ينتشر بين الناس كما ينتشر الضباب قبل الفجر؛ لا يُرى بوضوح، لكنه يغيّر كل شيء يمر فوقه. حتى الأطفال الذين اعتادوا اللعب في الساحات أصبحوا يعودون إلى منازلهم قبل غروب الشمس، وكأن المدينة كلها بدأت تستمع إلى خوف لا يسمعه الغرباء. المدينة التي كانت تتنفس كجسد واحد، بدأت الآن تتنفس بأنفاس متقطعة، وكأن كل جزء منها يفكر في اتجاه مختلف. لم تعد الأسواق تضج بالضحكات نفسها، ولم تعد المقاهي تمتلئ بالأحاديث الطويلة التي كانت تمتد حتى ساعات الليل. صار الناس يتحدثون بصوت منخفض، ويتوقفون فجأة عندما يقترب منهم شخص لا يعرفونه. حتى الباعة الذين اعتادوا مناداة المارة بأعلى أصواتهم، أصبحوا ينظرون حولهم أكثر مما ينظرون إلى بضاعتهم. كانت "أستاريا" تبدو كما لو أنها تنتظر شيئًا مجهولًا، شيئًا لم يصل بعد، لكنه أصبح قريبًا بما يكفي ليشعر به الجميع. في القصر الملكي، وقفت الملكة "سيرافينا" أمام النافذة العالية، تطل على الساحة التي كانت تضج بالحياة يومًا ما. الآن، الحركة ما زالت موجودة... لكن فيها شيء ناقص، شيء خفي لا يُرى بسهولة. الجنود يتحركون، الحراس يقفون، الناس يمرون، لكن الثقة التي كانت تربط كل ذلك... بدأت تتآكل. راقبت "سيرافينا" الساحة طويلًا. كانت تحفظ تفاصيلها منذ سنوات؛ تعرف أماكن تبديل الحراس، وساعات تبدل المناوبات، وحتى الوجوه التي تمر كل صباح. لكنها اليوم شعرت بأنها تنظر إلى مدينة تعرفها بعينيها فقط، أما قلبها فلم يعد يتعرف إليها. كان الهدوء الذي يلف المكان هدوءًا مصطنعًا، يشبه ابتسامة شخص يخفي خلفها خبرًا سيئًا. داخل القاعة الملكية لم يكن الوضع مختلفًا كثيرًا. الخدم يتحركون بصمت، والوزراء يأتون ويغادرون بخطوات سريعة، وكأن الجميع يخشون البقاء طويلًا في مكان واحد. حتى المشاعل المعلقة على الجدران بدت أقل دفئًا من المعتاد، بينما امتدت ظلال الأعمدة الحجرية فوق أرضية القاعة كأنها أصابع طويلة تزحف ببطء نحو العرش. خلفها، وقف "فايرُن" بهدوء، من يعرف "فايرُن" للمرة الأولى قد يظنه رجلًا لا يهتم بما يجري حوله، لكن "سيرافينا" كانت تعرفه منذ سنوات. كانت تعلم أن أكثر لحظات صمته هي تلك التي يكون فيها عقله يعمل بأقصى سرعة. لم يكن ينظر إلى المدينة كما ينظر إليها الآخرون، بل كان يحاول أن يرى ما وراء الحركة اليومية، وما وراء القرارات السياسية، وما وراء الخوف الذي بدأ يكبر في صدور الناس دون أن يجدوا له اسمًا. كما لو أن هذا المشهد لا يفاجئه، بل يؤكد ما كان يعرفه مسبقًا. لم يتكلم مباشرة، وكأنه يعطي للصمت وقتًا ليقول ما لا تستطيع الكلمات قوله: "لقد بدأوا يشعرون به." قال أخيرًا. ظل صدى الجملة يتردد داخل القاعة للحظات. لم يكن "فايرُن" يقصد الجنود وحدهم، ولا الوزراء، ولا سكان العاصمة فحسب، بل المملكة بأكملها. كان يتحدث عن إحساس جماعي يولد بصمت، إحساس يسبق انهيار الثقة دائمًا. وحين يبدأ الناس بالشعور بأن شيئًا ما انكسر، فإن إصلاح ذلك يصبح أصعب من إعادة بناء القلاع نفسها. لم تلتفت الملكة، لكنها فهمت. "الانقسام؟" التفتت إليه أخيرًا، لكن نظرتها لم تكن تبحث عن جواب بقدر ما كانت تبحث عن بصيص أمل ينفي مخاوفها. إلا أن ملامح "فايرُن" بقيت هادئة كما هي، وذلك الهدوء وحده كان كافيًا ليخبرها أن القادم لن يكون أخف وطأة مما مضى. _"أكثر من ذلك." أجاب بهدوء: "الشعور بأن شيئًا ما... ليس كما يجب أن يكون." سكت لحظة، ثم أضاف: "وهذا أخطر من أي عدو." أدركت "سيرافينا" ما يقصده. فالعدو القادم من خارج الأسوار يمكن مواجهته بالسيوف والجنود والتحالفات، أما العدو الذي يولد داخل القلوب، داخل الشكوك الصغيرة التي تكبر يومًا بعد يوم، فهو قادر على إسقاط مملكة كاملة دون أن يحطم بابًا واحدًا من أبوابها. أغمضت "سيرافينا" عينيها للحظة قصيرة، كأنها تستدعي شيئًا من الماضي: "إيراث شعر بهذا، أليس كذلك؟" لم يكن اسم "إيراث" يُذكر كثيرًا داخل القصر منذ تنازله عن العرش. ومع ذلك، بقي حضوره خفيًا في كل زاوية من زواياه، في القرارات التي اتخذها، وفي الأسرار التي دفنها معه، وفي الأسئلة التي لم يجرؤ أحد على طرحها علنًا. وكلما اقترب الحديث منه، شعر "فايرُن" أن الماضي لم يعد ماضيًا، بل بابًا بدأ ينفتح من جديد. لم يجب "فايرُن" فورًا، لكنه اقترب خطوة، ونظر إلى انعكاسها في الزجاج. "إيراث لم يشعر فقط... بل رأى." _"ومع ذلك، لم يخبر أحدًا." _"أخبر من يجب أن يعرف." هنا التفتت إليه ببطء. "وأنت كنت أحدهم." لم ينكر. لكن عينيه لم تحمل اعترافًا كاملًا... ولا إنكارًا واضحًا: "كنت... شاهدًا." قال فقط. في مكان آخر من القصر، بعيدًا عن الأضواء، كانت "ليورا" — فارسة الظل تقف في ممر حجري ضيق، أمام باب قديم نصف مفتوح. خلف الباب، كانت السلالم تنزل إلى الأعماق، إلى المكان الذي لم يعد مجرد سر... بل أصبح خطرًا حيًا. وقفت "أوريانا" خلفها، يدها على سيفها، لكنها لم تهاجم. لم تكن هذه مواجهة، بل شيء أقرب إلى اختبار صامت: "كنتِ أقرب إلى العرش مني." قالت "أوريانا" أخيرًا. لم تنظر "ليور"ا إليها. "كنتِ أقرب إلى الحاضر." _"وأنتِ اخترتِ الاختفاء." _"لم يكن اختيارًا." _"الخيانة ليست اختيارًا أيضًا؟" هنا التفتت "ليورا" ببطء. نظرتها لم تكن غاضبة... بل متعبة، كأنها تحمل سنوات من الصمت: "لو خنت، لما عدت." ساد صمت قصير، ثقيل. ثم قالت "ليورا"، بصوت منخفض: "إيراث لم يهرب من العرش... بل هرب من القرار الذي كان عليه أن يتخذه." _"أي قرار؟" لم تجب مباشرة. فقط أشارت إلى الأسفل... إلى الظلام: "إما أن يدمر ما تحت القصر... أو يسمح له أن يبقى." تجمدت "أوريانا" قليلًا. "وهو اختار؟" _"أن يتركه... وينتظر." _"ينتظر ماذا؟" نظرت "ليورا" إليها ببطء. "...أن يأتي من يجرؤ." في الجانب الآخر من المدينة، في مكان لا يعرفه إلا القليل، كان "نيريون" يجلس أمام نار خافتة، بينما كانت الظلال تتحرك على الجدران كأنها تستمع لما يُقال. إلى جانبه، جلست "دافني"، صامتة، لكن عينيها لم تكونا هادئتين. أما "إيليثرا"، فقد كانت واقفة، تنظر إلى اللهب كأنها ترى فيه شيئًا أبعد من مجرد نار. بينهم، كانت "سولو" تتحرك بلا هدف واضح، لكن حضورها وحده كان كافيًا ليجعل المكان غير مستقر. ابتسامتها لم تكن طبيعية، ونظراتها لم تكن ثابتة... كأنها تعيش في أكثر من فكرة في نفس اللحظة: "بدأوا يشكون." قالت سولو فجأة، وكأنها تقرأ أفكارًا غير منطوقة. _"هذا جيد." رد نيريون بهدوء. "الشك... أول خطوة نحو السقوط." رفعت "دافني" نظرها إليه. "لكنهم ما زالوا متماسكين." هنا تدخلت "إيليثرا"، بصوت هادئ لكنه حاسم: "لأنهم لم يعرفوا الحقيقة بعد." التفتت "سولو" إليها، وعيناها لمعتا. "وأي حقيقة تقصدين؟" صمتت الكاهنة لحظة، ثم قالت: "أن ما يحاولون حمايته... هو نفسه ما سيقضي عليهم." ساد صمت. ثم ضحكت "سولو" بخفة. "أحب هذا النوع من النهايات." في تلك اللحظة، في أعماق القصر، تحت الحجر القديم، تحت الأساسات التي بُنيت فوق قرون من الأسرار...تحرك شيء. لم يكن صوتًا، ولا اهتزازًا واضحًا... بل إحساسًا خفيًا، كأن الأرض نفسها أخذت نفسًا طويلًا بعد صمت دام طويلًا.في نفس اللحظة، رفع "نيريون" رأسه فجأة. ثم ابتسم: "...لقد اقترب." وفي القصر، فتحت الملكة "سيرافينا" عينيها فجأة، وكأنها شعرت بنفس الشيء. أما "فايرُن"... فلم يتحرك. لكنه قال بهدوء: "...الآن... سنرى من كان يفهم اللعبة... ومن كان جزءًا منها."