القسم الثالث
ممالك تتحرك___________________________________________
لم تكن الرسائل الثلاث التي وصلت إلى "أستاريا" مجرد أخبار متفرقة جاءت بها الطيور الزاجلة أو حملتها الرياح السحرية من أطراف الممالك، بل كانت أشبه بقطع صغيرة من خريطة مفقودة، أو صورة لم تكتمل بعد. وكلما اجتمعت قطعة جديدة إلى جوار أختها، بدا أن العالم الذي عرفته الممالك طوال قرون لم يكن سوى قشرة رقيقة تُغطي هاوية ساحقة، وتخفي تحتها حقيقة أقدم بكثير من السجلات المحفوظة في مكتبة "أستاريا". في القصر الملكي لـ "أستاريا"، لم يغادر أحد قاعة الحرب منذ ساعات طويلة. كانت أشباح الخوف تتجول بين الأعمدة الرخامية الباردة، فالخطر لم يعد مجرد همسٍ في الحانات الحدودية، بل بات يقينًا يحبس الأنفاس. الخرائط المرفوعة فوق الطاولة الضخمة بقيت مفتوحة، تحيط بها الشموع التي أُشعلت مع بداية الليل؛ تذوب بتؤدة وتتساقط قطرات شمعها الذهبي حتى وصلت إلى منتصفها، لكن أحدًا لم ينتبه لمرور الوقت. كان الجميع يعلم أن الساعات في الممالك السبع باتت أثقل من الجبال. وقفت "سلامار" أمام الخريطة العتيقة، تزيح بسبابته بعض الغبار المتراكم، وتتحرك بحدقة عينين قادرتين على التقاط أصغر التفاصيل بين العلامات الحمراء والسوداء التي وضعتها "راغنيرا" على الطرق والدروب الملتوية المؤدية إلى حدود المملكة الجنوبية والغربية. قالت وهي تشير بإصبعها إلى المساحات الشاسعة في الاتجاه الغربي: "منذ خروجي من مملكة العرب حتى عودتي إلى "أستاريا"... لم أصادف قافلة واحدة. لا تجار، لا مسافرين، ولا حتى حراس الحدود الذين لا تنام أعيادهم. الطرقات صامتة كأنها مقابر مفتوحة." رفعت "دالميرا" رأسها، وعدلت السيف الثقيل المعلق عند خاصرتها، وقالت بصوت جاف ناتج عن الإرهاق: "هذا غير طبيعي... حتى في أوقات الشتاء القاسية أو النزاعات القبلية، كانت القوافل تجوب تلك المناطق." أجابت "سلامار" بنبرة مشحونة بالقلق: "بل أكثر من ذلك... حتى القرى الصغيرة التي اعتدت المرور بها للتزود بالماء، كانت تغلق أبوابها الخشبية وتطفئ مشاعلها قبل غروب الشمس بساعات. الناس يختبئون في بيوتهم يتضرعون للقدماء، يرفضون فتح الأبواب حتى لمن يدق بأسماء الملوك." اقتربت "سولانا" بخطوات هادئة تزاحم السكون، وما تزال تحمل بين كفيها الإناء البلوري الشفاف الذي وضعت فيه الشظية الزرقاء الغامضة، تلك الشظية التي كانت تطلق بين الحين والآخر نبضًا ضوئيًا ضئيلًا يتوافق مع دقات قلب خفية: "الخوف ينتقل أسرع من الجيوش يا دالميرا... ينبت في قلوب البشر قبل أن تصلهم أسنة الرماح." نظر إليها "فايرُن" بمقلتيه الحادتين التي تعودت سبر أغوار الرجال، وتساءل بصوت رخيم يحمل التشكيك والمكر: "ومن ينشره في الأرجاء؟ أهو عدو من خشب ودم، أم شيطان خرج من كتب المحظورات؟" رفعت المعالجة "سولانا" نظرها إليه، وتلاقت عيناها بعينيه في مواجهة صامتة، قبل أن تتنهد بحسرة: "ليس دائمًا شخصًا يا مستشار... أحيانًا يكون الخوف..." ثم همست بصوت كأنه صدى قادم من حلم قديم: "... أحيانًا يكون ذكرى. ذكرى لألمٍ أعمق من التاريخ نفسه، لعنة طُمرت في الرماد وتستعد للقيام." ساد القاعة صمتٌ قصيرٌ وثقيل، كأن الكلمات كشفت عن غطاءِ جرحٍ لم يندمل بعد. كانت الشموع ترتجف ضوءًا، والأشخاص يتبادلون النظرات في صمت يحمل ألف سؤال وسؤال حول ما تخفيه الأيام القادمة. أما "ليورا"، فارسة الظل، فكانت تقف في الزاوية المعتمة، تنظر إلى الخريطة دون أن تتكلم، وكأنها جزء من الأثاث القديم أو ظلٌ ألقاه أحد الأعمدة. لكن عينيها الثاقبتين المعتادتين على الرؤية في الظلام توقفتا عند رسم لطريق مهجور، قديم جدًا، يمر في أودية سحيقة بين حدود "أستاريا" ومملكة العرب. قالت فجأة بصوت منخفض لكنه اخترق الهدوء كضربة خنجر: "هذا الطريق... أغلقه إيراث بنفسه منذ زمن بعيد." التفت الجميع إليها بآلية واضحة. حتى "فايرُن"، ببروده المعتاد وهيبته المستقرة، بدا مهتمًا بدرجة أثارت استغراب الحاضرين. اقتربت "سيرافينا" خطوة إلى الأمام، وسألتها بصوت مرتجف: "ولماذا يُغلق إيراث طريقًا رئيسيًا للتجارة؟ ما الذي كان يخشاه؟" ترددت "ليورا" للحظة، وجالت بعينيها بين وجوه الحاضرين، وكأنها تستحضر ذكرى سرية أُجبرت على كتمانها: "قال لي قبل اختفائه... إن هناك طرقًا في هذا العالم، إذا بقيت مفتوحة أمام أقدام البشر والسحرة... فلن تعود الممالك كما كانت. قال إن السحر الذي بُني عليه العهد لم يكتمل، وإن الفجوات أُغلقت بالدماء لا بالرموز." لم تضف شيئًا آخر، وعادت إلى انطوائها داخل عباءتها داكنة اللون. لكن الكلمات بقيت معلقة في جو القاعة الثقيل، تتصاعد مع دخان الشموع الملتوي، وتزرع في نفوسهم تساؤلات لا قاع لها: من هو إيراث حقًا؟ وماذا رأى في ذلك الطريق حتى يقرر قطعه عن العالم؟ على بعد أيام متواصلة من أراضي "أستاريا"... وتحديدًا تحت سماء أوسع وأشد جفافًا، كانت مملكة "السنديان" تستعد لاستقبال وفود غير معتادة جاءت من شتى البقاع. العاصمة العريقة، التي طالما اشتهرت بمكتباتها البيضاء الشاهقة ومراصدها الفلكية العالية التي تجرؤ على ملامسة النجوم، بدت اليوم أقل صخبًا من المداولات المعتادة. لم تكن حركة العلماء في أروقة الكتب كما كانت، بل حلّ مكانها وجومٌ حذر. حتى الأسواق الشعبية المسقوفة، التي كانت تعج عادةً بالحرير، والبهارات، والتجار والرحالة القادمين من أقصى الشرق والغرب، أصبحت أكثر هدوءًا وحذرًا. أخذ الناس يتجمعون في حلقات صغيرة عند زوايا الخانات، يتبادلون همسًا قصصًا غريبة عن أحلام متشابهة تراود الكبار والصغار في ليلة واحدة: يرى الجميع مدينة سوداء ذات أسوار شاهقة تغرق هادئة تحت بحر متلاطم من الضباب الأزرق، وصوت قادم من العمق ينادي بأسماء لم يُسمع بها منذ نشأة السلسلة الأولى للممالك. داخل القصر الملكي الشامخ، ذي الأقواس العالية والنقوش الدقيقة، جلس الملك "حارث" أمام شرفة واسعة تطل على حدائق غناء تتخللها قنوات ماء قديمة تعود لبدايات تأسيس السلالة الملكية. كان مظهر المياه الجارية يمنحه عادةً الهدوء، لكن في هذه الليلة كانت عينيه لا تفارقان الأفُق البعيد. دخل كبير علماء المملكة، يسير بخطوات ثقيلة يتردد صداها في الممر، وهو يحمل بين يديه الحرصتين لفافة جلدية قديمة جدًا، يتصاعد منها عبق الورق المعتق والزيوت الحافظة. انحنى باحترام أمام الملك: "مولاي الملك..." رفع الملك "حارث" رأسًا تثقله الهموم والمسؤولية: "هل وجدتم في المراصد والمخطوطات تفسيرًا لتلك الأحلام وهياج السحر المنبعث من الشمال؟" وضع العالم اللفافة الجلدية على طاولة خشبية عتيقة وسط الغرفة: "وجدنا شيئًا في السجلات السرية المنسوبة المكتبة الكبرى... لكنه لا يقدم إجابات، بل يزيد الأسئلة اشتعالاً." فتحها العالم ببطء شديد كي لا تتكسر أطرافها الهشة. كانت الخريطة قديمة جدًا، خطت بأساليب جغرافية انقرضت منذ زمن، وأقدم بوضوح من تاريخ تأسيس مملكة العرب نفسها. بل إن حدود الممالك السبع المعاصرة كانت مرسومة عليها بشكل مختلف تمامًا. لكن ما لفت انتباه الملك "حارث" بحدة، لم يكن شكل القارات ولا امتداد البحار... بل اسمٌ صغير كُكتب بخط سحري دقيق في الزاوية السفلية للخريطة:
"أستاريا الأولى".
قطب الملك "حارث" حاجبيه، واقترب من الطاولة، ملامسًا الحبر الباهت بأطراف أصابعه: "أستاريا الأولى؟ ما هذا الهراء؟" أجاب العالم بنبرة قلقة: "لا توجد أي سجلات رسمية في دار الكتب تذكر أن مملكة السحرة كانت تُسمى بهذا الاسم من قبل. التاريخ المكتوب يقول إن أستاريا تأسست بعد معركة التوازن العظمى." اقتربت عين الملك "حارث" أكثر من الوثيقة: "إذن... ماذا كانت هذه الأرض قبل ذلك؟ ومن هم السحرة الذين سكنوا "أستاريا الأولى" قبل أن يظهر كتاب الرماد الأزرق؟" هز العالم رأسه بقلة حيلة: "هذا هو السؤال الأكبر يا مولاي... السؤال الذي حاول الفلكيون والعلماء الإجابة عنه، فوجدوا أن أجزاءً كاملة من تاريخ الممالك قد مُحيت بقوة سحرية قاهرة، وكأن أحداً حاول عمداً إعادة كتابة الوجود." وفي الوقت نفسه، على مسافة ليست بالبعيدة في قلب المياه الفاصلة بين القارات... كانت جزيرة السادة "برافوس" تعيش هدوءًا مصطنعًا يشبه الهدوء الذي يسبق العواصف العاتية. السفن التجارية ذات الأشرعة العالية ما تزال تدخل موانئها وتفرغ حمولاتها، والتجار يملؤون الأسواق بالصخب والمساومات، لكن رجال السياسة والمتحكمين بزمام الأمور كانوا يعرفون جيدًا أن الجزيرة لم تعد ذلك المكان المحايد تمامًا كما كانت لقرون. الجواسيس يعبرون الشوارع كالأطياف، والذهب لم يعد يكفي لشراء الولاءات. داخل إحدى القاعات الصغيرة المظلمة، بعيدًا عن الضوضاء ومجلس الحكام الرئيسي، جلس اللورد "زاهير" أمام رقعة شطرنج فاخرة، أجزاؤها ونواتها منحوتة بعناية من حجر بركاني أسود ورخام أبيض نقي. لم يكن يلعب مع أحد من الخصوم؛ كان يجلس بمفرده يحرك القطع على الرقعة بنظام خاص به. نقل الوزير الأبيض خطوة جريئة إلى الأمام في مسار مفتوح، ثم ابتسم ابتسامة غامضة تنم عن ذكاء حاد ومكر دفين: "عجيب أمر هذه اللعبة..." قالها بصوت خفيض وكأنه يخاطب شخصًا غير موجود يرتقب حركاته من بين الزوايا المظلمة: "كلما ظن الناس أن الملك هو أهم قطعة على هذه الرقعة، وأن خيوط الحرب تنتهي عند تاجه..." رفع قطعة صغيرة جداً من الخشب بين أصابعه، وعاينها بدقة أمام ضوء الشمعة: "... ينسون دائمًا أن الجندي الصغير، المنسي في الممرات الخلفية، قد يغير حركته في اللحظة الأخيرة ويقلب نتيجة الحرب برمتها." في تلك اللحظة بالذات، انفتح الباب الخشبي الثقيل بصوت خفيف، ودخل رجل مسن يرتدي عباءة زرقاء داكنة تطريزاتها تحمل شعار جزيرة السادة المحفور على الصدر. انحنى الرجل وقال بهدوء حذر: "وصلتنا رسالة خاصة ومستعجلة... دعوة رسمية من أستاريا." رفع "زاهير" عينيه عن الرقعة دون أن يحرك رأسه: "دعوة من المملكة أم من الملكة نفسها؟" أجاب الرجل وهو يهز رأسه نفيًا: "لا... الدعوة لم تُختم بختم القصر الملكي..." ثم ابتسم الرجل المسن بنبرة ذات معنى: "... الدعوة تحمل الختم الخاسي والرمزي للمستشار فايرُن." ساد القاعة صمتٌ طويل وثقيل، كأن النسمات البحرية القادمة من النافذة توقفت فجأة. ثم أعاد "زاهير" قطعة الشطرنج الصغيرة إلى مكانها المخصص على الرقعة بكل ثبات، وقال بابتسامة هادئة ورقيقة تحمل في طياتها الكثير من الخطط المستقبلية: "إذن... بدأ المستشار المحنك يحرك قطعه الخفية أخيرًا. ويبدو أنه يدرك تمامًا أن اللعبة لم تعد تحتمل الانتظار." وفي أقصى الجنوب... حيث تتبدل الطبيعة، وتصبح السماء صفيحًا داكنًا لا تزوره الشواهد البيضاء... كانت قلعة مملكة "غورموث" المنيعة غارقة في ظلام دامس يلف أسوارها الحجرية الشاهقة. وقف ""مرثاد فالكور" أمام نافذة عالية مقوسة، يراقب بنظرات سردية ناريًا زرقاء غريبة تشتعل دون حطب في منتصف ساحة القلعة السفلية، تتصاعد منها ألسنة الدخان المعطرة بأعشاب محرمة. دخل أحد الحراس بخطوات متسارعة، وانحنى على ركبته: "سيدي الوزير..." رد "مرثاد" دون أن يلتفت إليه، وبصوت يشبه حفيف الأوراق الميتة: "تكلم... ما الذي جادت به استخباراتنا في الشمال؟" أجاب الحارس وهو ينظر إلى الأرض: "وصلتنا أخبار مؤكدة عن ترتيبات لاجتماع جديد ومغلق في جزيرة السادة." لم يلتفت الوزير، ولم تتحرك في جسده عضلة واحدة، بل سأل سؤالًا محددًا ومباشرًا: "وهل سيحضر "فايرُن" هذا الاجتماع بنفسه؟" تردد الحارس قبل أن يجيب: "يبدو ذلك يا سيدي... المعطيات تشير إلى أنه هو من دعا إليه." ابتسم وزير الفتنة ابتسامة باردة وسامة أظهرت قسوة ملامحه: "جيد... ممتاز جدًا..." ثم أضاف وهو يحدق في اللهب الأزرق المتراقص في الساحة، وكأنه يرى فيه مستقبل الممالك الملطخ بالدماء: "حين يجتمع الحكماء والمستشارون في مكان واحد ليصنعوا السلام... تبدأ الفوضى الحقيقية بالتشكل في الخفاء." وفي مكان أعمق بكثير من هذه الأرض... تحت طبقات الصخر والنسيان، حيث تتنفس الظلال القديمة... كان شيءٌ قديم جدًا... أقدم من السحر وأقدم من الأسماء... يبتسم هو الآخر في العتمة.