مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 22: الفصل الخامس_ القسم الأول

الفصل الخامس_ فجر الظلال

القسم الأول_ العتبة الأخيرة__________________________________

لم تكن الطرق الشرقية المؤدية إلى مملكة "غورموث" طرقًا يسلكها المسافرون باختيارهم. لم تُرسم على خرائط التجار، ولم تُقم فوقها أبراج لإرشاد القوافل، ولم تكن هناك آبار تنتظر العطشى أو قرى يستطيع الغريب أن يطرق أبوابها عند حلول الليل. كانت مجرد مسالك ضيقة تمضي بين تلال صخرية قاتمة، ثم تختفي فجأة تحت الضباب، كأن الأرض نفسها تغيّر مواضعها حتى لا تسمح لأحد بأن يبلغ النهاية إلا إذا أرادت له ذلك. وعلى أحد تلك المسالك، كانت أربعة ظلال تتحرك نحو الشرق. لم يحملوا راية، ولم يرتدوا ملابس تدل على مناصبهم السابقة. نزعت "دافني" عباءة قاضية الميثاق، واستبدلتها برداء رمادي خشن لا يميزها عن أي مسافرة هاربة. وأخفت "إيليثرا" العلامة الفضية التي كانت تزين جبين الكاهنة العظمى تحت غطاء أسود، بينما سار "نيريون" منحنِي الرأس، وقد غطى عينيه بقطعة قماش داكنة منذ أن غادروا حدود "أستاريا". أما "سولو"، فلم تحاول إخفاء شيء. كانت تسير أمامهم أحيانًا، وخلفهم أحيانًا أخرى، تترك المسار لتختفي بين الصخور ثم تعود من جهة مختلفة، كأن الطريق لا يربكها بل يسليها. لم تسأل إلى أين يمضون؛ فقد كانت تعرف. ولم تسأل من ينتظرهم هناك؛ لأنها بدت الوحيدة بينهم التي لا تخشى الإجابة. مع حلول المساء، توقفت المجموعة عند منخفض تحيط به أعمدة حجرية متآكلة. لم تكن الأعمدة بقايا معبد أو منزل، بل علامات حدود قديمة، نُقش فوق كل واحد منها وجه مشوه مُحي نصفه بفعل الزمن. وضعت "دافني" حقيبتها إلى جوار إحدى الصخور، ثم نظرت إلى "نيريون". قالت: "لم تتكلم منذ يومين." جلس على الأرض دون أن يزيل الغطاء عن عينيه. كان وجهه شاحبًا، وأنفاسه مضطربة رغم برودة الجو: "قلت ما يجب قوله." _ "قلت إن النجوم لم تعد تجيبك." لم يتحرك. اقتربت منه خطوة: "ثم طلبت منا أن نتبع طريقًا لا يظهر على أي خريطة. إن لم تكن النجوم من دلّتك عليه، فمن فعل؟" أجاب بعد صمت: "شيء لا ينبغي أن يعرف اسمي." انكمشت أصابع "دافني" حول حزام حقيبتها. لم يعد "نيريون" يشبه الرجل الذي وقف يومًا في مرصد الأفق التاسع وقرأ مستقبل المملكة بثقة جعلت الملوك يصغون إليه. منذ أن استيقظ ما تحت "أستاريا"، أصبح ينظر إلى السماء كما ينظر إنسان إلى باب منزل خانه صاحبه وأغلقه في وجهه. قالت: "قدتنا إلى الشرق لأنك رأيت شيئًا." _ "لم أرَ." رفع رأسه قليلًا، وبقيت عيناه خلف القماش. _ "سمعت." مرّت ريح باردة بين الأعمدة. حملت معها رائحة تراب محترق، رغم عدم وجود نار في المكان. كانت "إيليثرا" واقفة بعيدًا عنهما، ترسم بإصبعها دائرة صغيرة فوق صخرة مسطحة. كلما اكتمل أحد الخطوط، توهج للحظة بلون أبيض ثم اختفى. لم تكن تصلي، ولم تكن تستدعي حمايةً كما اعتادت داخل معابد "أستاريا"؛ كانت تمحو أثر مرورهم، حتى لا تستطيع طقوس التتبع الملكية العثور عليهم. سألتها دافني: "كم سيصمد الحجاب؟" أجابت الكاهنة دون أن ترفع رأسها: "حتى شروق الشمس، إن لم يبحثوا عنا بالسحر الملكي." قالت "سولو"، التي كانت جالسة فوق أحد الأعمدة المكسورة: "وسيبحثون." رفعت "دافني" نظرها إليها. كانت "سولو" تقلب بين أصابعها قطعة معدنية صغيرة انتزعتها من درع أحد حراس الحدود. لم يعرف أي منهم متى أخذتها، ولا ماذا فعلت بصاحبها. أضافت: "راغنيرا" لا تقبل أن تفقد خصومها. و"أوريانا" لا تنسى وجهًا رأته خلف قضبان السجن." قالت "إيليثرا": "لم يعد الأمر متعلقًا بهما." ضحكت "سولو" بخفة. "دائمًا يكون الأمر متعلقًا بأشخاص، مهما ادعينا أنه يتعلق بالممالك." استقامت فوق العمود ثم قفزت إلى الأرض. لم يصدر عن هبوطها سوى صوت خافت، كأن الظل هو الذي لمس التراب بدلًا منها. تابعت وهي تنظر إلى "نيريون": "الملكة تريد عرشها، والمستشار يريد أسراره، والقائدة تريد جيشها، والحارسة تريد الانتقام. وأنتم تريدون أن تسموا كل ذلك إنقاذًا للعالم." رفع "نيريون" وجهه نحو صوتها: "وأنتِ ماذا تريدين؟" اتسعت ابتسامتها: "أن أرى من يبقى واقفًا عندما يتوقف الجميع عن الكذب." ساد الصمت بينهم. لم يكن الأربعة حلفاء بالمعنى الحقيقي. لم تجمعهم صداقة، ولا ثقة، ولا حتى رؤية واحدة لما يجب أن تصبح عليه "أستاريا". جمعهم شيء أبسط وأخطر: أنهم جميعًا أصبحوا بلا طريق للعودة. كانت "دافني" تؤمن أن الميثاق الذي حكم المملكة لم يعد شرعيًا منذ أن بدأت صفحاته تخفي أسماء وتكشف أخرى بأوامر لا تفهمها. وكانت "إيليثرا" ترى أن تاج "سيرافينا" أصبح عاجزًا عن حماية الطقوس القديمة، وأن بقاء الأختام في يد العرش سيقود إلى كارثة لا رجعة عنها. أما "نيريون"، فقد تجاوز منذ زمن الرغبة في تغيير الحاكم؛ كان يطارد حقيقة رأى جزءًا منها في النجوم، ثم سُلبت منه قبل أن يفهمها. و"سولو" لم تكن تؤمن بشيء سوى أن الأنظمة المغلقة لا تكشف أسرارها إلا حين تتحطم. قالت "دافني": "حتى لو بلغنا "غورموث"، فلن يستقبلونا بوصفنا حلفاء." أجابت "إيليثرا": "لا نحتاج إلى أن يحبونا." ردت "دافني": "نحتاج إلى جيشهم وذهبهم وحدودهم. وهذه ليست أمورًا تُمنح مجانًا." توقفت يد الكاهنة فوق الدائرة: "أعرف." راقبتها دافني: "إذن ما الثمن الذي وعدتِهم به؟" رفعت "إيليثرا" رأسها ببطء: "لم أعدهم بشيء." جاء صوت "سولو" من خلفها: "ليس بعد." التفتت إليها "إيليثرا". كانت الابتسامة قد اختفت من وجه الأفعى، وحل محلها هدوء جعلها أكثر خطرًا. قالت "سولو": "لكنكِ تعرفين ما يريدون. أبواب أستاريا، الأختام، والممرات التي لا يعبرها جيش غريب." قالت "دافني" بحدة: "لن نسلم المملكة إلى غورموث." اقتربت منها "سولو" حتى لم تبقَ بينهما سوى خطوة واحدة: "لا؟" ثم مالت نحوها قليلًا وهمست:"وماذا تسمين ما فعلناه داخل قاعة الميثاق؟" اشتدت ملامح "دافني"، لكن الكلمات لم تخرج. تدخل "نيريون" قبل أن تنفجر المواجهة: "لن نعطيهم أستاريا." قالها بصوت منخفض، لكنه حمل صلابة جعلت الثلاث يلتفتن إليه. أضاف: "سنستخدم قوتهم لنستعيد ما سُرق منا. وحين ينتهي الأمر، لن يكون لهم مكان داخل أسوارها." ضحكت "سولو"، إلا أن ضحكتها لم تحمل السخرية هذه المرة، بل شيئًا يشبه الشفقة: "كل من يدخل مملكة الأشرار يظن أنه سيستخدمها." ثم جلست قرب النار التي لم يشعلها أحد بعد: "ولذلك لا يخرج منها أحد كما دخل." في "أستاريا"، كانت "راغنيرا" تقف داخل قاعة القيادة أمام طاولة امتلأت بخرائط الحدود. وُضعت فوقها علامات حمراء عند الطرق الشرقية، وعلامات سوداء عند أبراج المراقبة التي فقدت الاتصال خلال الأيام الأخيرة. لم تنم قائدة الجيش إلا ساعات قليلة منذ هروب المنشقين. لم يكن الإرهاق ظاهرًا في وقفتها، لكنه كان واضحًا في الطريقة التي كانت تضغط بها على حافة الطاولة كلما وصل تقرير جديد بلا نتيجة. وقفت "أوريانا" إلى جوارها، تقرأ آخر رسالة أرسلها فرسان المطاردة. قالت: "وجدوا آثار أربعة خيول قرب وادي الرماد، ثم اختفت الآثار عند الحجارة السوداء." أجابت راغنيرا: "الخيول لا تختفي." ردت أوريانا: "السحر يمحو آثارها." أجابتها راغنيرا: "إيليثرا." ثم طوت "أوريانا" الرسالة. ثم قالت: "على الأرجح." تحركت "راغنيرا" حول الطاولة. لم تكن معتادة على مطاردة خصوم يعرفون أسرار المملكة كما تعرفها هي. "نيريون" يعرف مواقع المراصد ونوبات الحراس. و"دافني" تعرف الأوامر التي يستطيع الميثاق تعطيلها. و"إيليثرا" تعرف الحواجز السحرية ومسالك المعابد القديمة. أما "سولو"، فلم يكن أحد يعرف حدود ما تعرفه. قالت راغنيرا: "إن بلغوا الأراضي الشرقية، فلن يكونوا أربعة هاربين بعد الآن." رفعت "أوريانا" عينيها إليها: "تظنين أنهم يقصدون غورموث؟" لم تجبها القائدة فورًا. مدت إصبعها فوق الخريطة، وتتبعت خطًا ضيقًا يعبر وادي البراغيث ثم يختفي عند الجبال الداكنة. _ "ليس لديهم مكان آخر يمنحهم ما يحتاجون إليه." في الجهة الأخرى من القاعة، كانت "سولانا" تنحني فوق إناء حجري امتلأ بسائل أزرق داكن. وضعت داخله خيطًا انتزع من عباءة "إيليثرا" قبل هروبها، ثم بدأت تحرك أصابعها فوقه بحركات دقيقة. لم يكن سحرها هجوميًا. لم تستدعِ نارًا، ولم تصنع برقًا، ولم ترفع سيفًا. لكن الرموز التي رسمتها في الهواء بدأت تتجمع فوق الإناء كدوائر شفافة، ثم امتدت منها خيوط رفيعة تشير إلى جهات مختلفة. اقتربت "راغنيرا" منها: "هل تستطيعين العثور عليهم؟" قالت المعالجة: "أستطيع العثور على أثر اللعنة التي استخدمتها "إيليثرا" لفتح السجن." _ "وهل يقود إليهم؟" _ "كان يقود." توقفت الدوائر فوق الإناء فجأة، ثم انكمشت كأن شيئًا قطعها من بعيد. تغير وجه "سولانا". سألت أوريانا: "ماذا حدث؟" رفعت المعالجة يدها، وبقيت تنظر إلى السائل الذي بدأ يتحول من الأزرق إلى الأسود: "لم يخفوا أثرهم فقط." _ "إذن؟" أجابت بصوت أخفض: "شيء آخر وجده قبلنا." ساد القلق في القاعة. في تلك اللحظة، انفتح الباب، ودخلت الملكة "سيرافينا" ومعها المستشار "فايرُن". لم ترتدِ الملكة تاجها، لكنها لم تكن بحاجة إليه كي يصمت الحاضرون. أما المستشار، فحمل في يده لفافة لم تكن مختومة بختم "أستاريا". وضعتها الملكة فوق الطاولة. قالت راغنيرا: "وصلت أخبار؟" أجاب فايرُن: "من جزيرة السادة." نظرت "أوريانا" إلى الختم: "سلامار؟" _ "لا." فتح اللفافة، فظهرت في داخلها صفحة بيضاء لا تحمل كلمات. مرر "فايرُن" خاتمه فوقها، فاشتعلت أطرافها بنار زرقاء دون أن تحترق. بدأت الحروف تتشكل ببطء في وسطها. قرأت "سيرافينا" بصوت منخفض: "وصل ممثل غورموث إلى برافوس، وطلب مقعدًا لا يحق له امتلاكه." قالت راغنيرا: "مرثاد فالكور." أومأ "فايرُن". تابعت الملكة القراءة: "والطريق الشرقي فُتح أمام أربعة مسافرين لا يحملون راية." رفعت عينيها عن الورقة. لم يحتج أحد إلى سؤال من يكونون. قالت أوريانا: "من أرسل الرسالة؟" تأمل "فايرُن" نهاية الصفحة، حيث لم يظهر توقيع، بل رُسمت قطعة شطرنج صغيرة بحبر أسود: "زاهير." قالت راغنيرا بحدة: "ولماذا يحذرنا؟" أعاد "فايرُن" لف الصفحة ببطء: "لأنه لا يحذرنا." التفتت إليه الملكة: "إذن ماذا يفعل؟" _ "يخبرنا أنه يرى الرقعة." اقترب من الخريطة، ووضع إصبعه فوق جزيرة السادة، ثم حركه نحو غورموث: "ويريدنا أن نعرف أنه رأى الحركة قبلنا." وقبل أن تعود "راغنيرا" إلى الحديث، طرق أحد الحراس الباب ودخل حاملًا لفافة أخرى، هذه المرة مختومة بختم ذهبي يحمل نقش شجرة السنديان. وضعها أمام الملكة وانحنى: "وصلت من مملكة السنديان، مولاتي." نظرت "سيرافينا" إلى الختم لحظة قبل أن تفتحه. لم تحمل الرسالة أخبار حرب ولا طلبًا للتحالف، بل بشارة بدت غريبة وسط كل ما يحيط بهم من ظلام. قرأت بصوت أخف: "وُلد للملك حارث والملكة عفراء وريث... وأُطلق عليه اسم سيف بن حارث." رفعت "دالميرا" عينيها عن الخرائط، بينما ظهرت على وجه "راغنيرا" ابتسامة قصيرة سرعان ما اختفت. تابعت الملكة القراءة: "ويدعو ملك السنديان ممثلي أستاريا إلى حضور مراسم تقديم الأمير إلى شعبه بعد تعافي الملكة عفراء." ساد صمت مختلف هذه المرة. نظر "فايرُن" إلى الخرائط المملوءة بالعلامات السوداء والحمراء، ثم إلى الرسالة الذهبية بين يدي الملكة وقال: "غريب... يولد وريث في الشمال بينما يستعد الشرق للحرب." أغلقت "سيرافينا" الرسالة بعناية ولم تعدها إلى الحارس، بل أبقتها أمامها. قالت: "أرسلوا إلى الملك حارث تهنئة باسم تاج أستاريا. أما حضور المراسم..." ونظرت إلى الخريطة مرة أخرى، "...فسنقرر من يستطيع الوصول إليها إن بقيت الطرق مفتوحة." قالت راغنيرا: "إذن نرسل فرقة إلى الشرق الآن." لكن "فايرُن" هز رأسه: "إذا عبروا حدود غورموث، لن نستطيع ملاحقتهم دون أن نحول المطاردة إلى حرب." ضربت القائدة قبضتها فوق الطاولة: "وإذا لم نلاحقهم، سيعودون إلينا بجيش." قالت سيرافينا: "لن يعودوا الآن." التفت الجميع إليها.