مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 24: القسم الثالث

القسم الثالث

أول الرسل_____________________________________________

على الحدود الغربية لمملكة "غورموث"، حيث تنتهي الصخور السوداء وتبدأ غابات "إندورال" القديمة، خيم الليل فوق قرية صغيرة من قرى "السَّروان". كانت الأكواخ الخشبية متناثرة بين الأشجار العملاقة، تتخللها ممرات ضيقة تغطيها الأوراق المتساقطة. تصاعد دخان المواقد بهدوء، بينما كانت العائلات تستعد للنوم بعد يوم طويل من العمل بين الغابات. جلس شيخ عجوز أمام كوخه ينحت قطعة خشب صغيرة لحفيده، بينما كانت امرأة تجمع أواني العشاء، وركض طفلان بين الأشجار وهما يتبادلان الضحكات. بدا كل شيء هادئًا... هادئًا أكثر مما ينبغي. في عمق الغابة... تحركت الظلال. لم تكن ذئابًا. ولم تكن دببة. بل أجساد ضخمة، منحنية الظهور، تتقدم بخطوات ثقيلة فوق الأوراق الرطبة. عيون صفراء تلمع بين الأشجار. مخالب طويلة تخدش جذوع الأشجار. وأنفاس ساخنة تشبه زفير الأفران. رفع أحد المسوخ رأسه نحو القرية. أطلق زئيرًا خافتًا... ثم اندفعت المجموعة كلها دفعة واحدة. كان أول من سقط هو الحارس الواقف عند المدخل. لم يتمكن حتى من إطلاق الإنذار. مزقت إحدى الوحوش عنقه قبل أن يرفع رمحه. بعدها انفجر الليل بالصراخ. خرج الرجال حاملين الفؤوس والرماح. أسرعت النساء نحو الأطفال. اشتعلت النيران في أحد الأكواخ بعد أن قذف أحد المسوخ مشعلًا مشتعلًا فوق سقفه القشّي. ركض رجل سرواني نحو منزله وهو يصيح: "أغلقوا الباب!" لكن الباب تحطم قبل أن يصل إليه. اندفع الوحش إلى الداخل... ثم لم يُسمع سوى صرخة قصيرة. اختلط الدخان باللهب. وسقطت الأشجار الصغيرة تحت أقدام المهاجمين. لم تكن معركة... بل كانت مذبحة. في طرف القرية، دفعت أم طفلها نحو الغابة وهي تبكي: "اركض... ولا تلتفت!" تردد الصغير لحظة. ثم ركض بين الأشجار بأقصى ما يستطيع. وراءه... ابتلعت النيران منزله. واختفى صوت أمه وسط صرخات القرية. لم يتوقف عن الركض. حتى اختفى في ظلام غابات "إندورال". بعد أيام... وصل خبر المذبحة إلى العاصمة. اجتمع مجلس الملك، وتتابعت الأخبار من القرى الحدودية. لم تكن تلك أول غارة... بل الخامسة خلال أشهر قليلة. وفي كل مرة... كانت المسوخ تتوغل أكثر داخل أراضي مملكة الألف. وعند غروب اليوم نفسه... صدر القرار. يُرسل وفد رسمي إلى مملكة السحرة "أستاريا". مع أول خيوط الفجر... غادرت ثلاثة خيول البوابة الجنوبية لعاصمة "إندورال". امتطى الفرسان الثلاثة جيادًا بيضاء طويلة الأعناق، وارتدوا أردية خضراء مطرزة بخيوط فضية تحمل شعار الغصن الأزلية. كان يتقدمهم كبير المبعوثين، يحمل أسطوانة فضية محفوظة داخل غلاف جلدي، خُتمت بشمع أخضر يحمل ختم ملك "إندورال". لم يتبادل الثلاثة الكثير من الكلمات. فقد كانوا يدركون أن ما يحملونه ليس رسالة عادية... بل بداية عهد قد يغيّر مصير الممالك.دخلوا غابة "إيلور". غابة لم يعرف الألف مثلها مكانًا آخر. ارتفعت الأشجار مئات الأذرع نحو السماء، حتى بدت قممها وكأنها تحمل السحاب. تدلت الأغصان الطويلة فوق الطريق الحجري القديم، بينما سالت الجداول الصافية بين الجذور العملاقة. كانت الطيور تغني فوقهم... والغزلان تراقبهم من بعيد دون خوف. هنا... بدأت رحلة الوفد الطويلة نحو "أستاريا". استمرت الرحلة أيامًا. كلما ابتعد الفرسان الثلاثة عن العاصمة، ازدادت غابة "إيلور" عمقًا واتساعًا. كانت أشعة الشمس لا تصل إلى الأرض إلا خيوطًا ذهبية رفيعة، تتسلل بين الأغصان الهائلة، فتضيء السرخسيات والزهور البرية التي نبتت حول جذوع الأشجار القديمة. لم يكن الطريق سوى ممر حجري شيده الألف منذ قرون، ما تزال أحجاره صامدة رغم أن جذور الأشجار بدأت تحتضنها ببطء. قطع كبير المبعوثين الصمت وهو ينظر إلى السماء التي حجبتها الأغصان: "لو لم تكن الرسالة عاجلة... لما غادرنا "إندورال" في هذا الوقت." أجابه أحد رفيقيه: "هل تعتقد أن ملكة أستاريا ستوافق؟" ظل الأول صامتًا لحظات. ثم قال: "لا أعلم." وأضاف وهو يشد على زمام حصانه: "لكن إن رفضت... فلن تقف القرى الحدودية طويلًا." ساد الصمت من جديد. لم يكن أحد منهم يريد أن يتذكر المشاهد التي رآها قبل أيام في قرية "السروان" المحترقة. مع غروب اليوم الرابع... بدأت الأشجار العملاقة تتباعد شيئًا فشيئًا. ظهر الضوء أكثر. واختفت الجداول الصغيرة. ثم انتهت غابة "إيلور" أخيرًا. امتدت أمامهم سهول واسعة، تتمايل فيها الأعشاب مع الرياح، تتخللها طرق قديمة تربط بين المملكتين منذ عشرات السنين. أشار كبير المبعوثين إلى الأفق: "هناك..." رفع الاثنان رأسيهما. وفي أقصى الجنوب "أستاريا"... ارتفعت غابة أخرى. لكنها لم تشبه "إيلور". كلما اقتربوا منها، شعروا أن الهواء نفسه قد تغير. كانت الأشجار أقل ارتفاعًا، لكنها أكثر كثافة. لحاؤها يميل إلى الأخضر الداكن، وأوراقها تعكس ضوء الشمس كأنها مصنوعة من الزمرد. تدلت نباتات متوهجة من الأغصان، وانبعث من بينها ضوء خافت، رغم أن النهار لم ينتهِ بعد. نظر أحد المبعوثين حوله بدهشة: "هذه..." ابتسم كبير المبعوثين لأول مرة منذ بداية الرحلة: "غابة الزمرد." _ "إذن..." _ "نعم..." قالها وهو ينظر إلى الأشجار الممتدة أمامهم: "لقد دخلنا أراضي مملكة السحرة." لم تكن غابة "الزمرد" صامتة مثل "إيلور". بل كانت تنبض بالحياة. طيور بألوان لم يرها الألف من قبل حلقت فوقهم. ومخلوقات صغيرة مضيئة اختبأت بين الأغصان ثم ظهرت من جديد. وفي أعماق الغابة، كان يمكن سماع خرير المياه ممزوجًا بأصوات غريبة، لا يعرف الفرسان إن كانت حيوانات... أم شيئًا آخر. ورغم غرابة المكان... لم يشعروا بالخوف. بل بشيء يشبه الهيبة. كأن الغابة تراقب كل من يطأ أرضها. مع اقترابهم من نهاية الغابة... بدأ الطريق يتسع. ثم ظهرت أبراج حجرية صغيرة على جانبيه. وبعدها بقليل... وقف أول حراس "أستاريا". كانوا يرتدون دروعًا فضية، تتدلى فوقها أردية زرقاء داكنة، بينما حمل كل واحد منهم رمحًا طويلًا نُقشت على نصله رموز سحرية دقيقة. تقدم قائد الحراس خطوة: "قفوا." امتثل الفرسان الثلاثة. نظر القائد إلى الراية التي يحملونها. ثم قال بهدوء: "راية إندورال..." أومأ كبير المبعوثين: "نحن مبعوثون من ملك إندورال، نحمل رسالة عاجلة إلى جلالة الملكة سيرافينا." تبادل الحراس النظرات. ثم انحنى قائدهم انحناءة خفيفة: "لقد أُبلغنا باحتمال وصولكم." وأشار إلى الطريق الممتد أمامهم: "مرحبأ بكم ... في أستاريا." لم تمضِ سوى ساعة حتى بدأت الأسوار تظهر. ارتفعت المدينة شامخة فوق تلة واسعة، تحيط بها أسوار بيضاء شاهقة، تتخللها أبراج دائرية ترفرف فوقها رايات "أستاريا". وخلف الأسوار ارتفعت أبراج القصر الملكي، وبرج الأزلي الشهير تعانق السماء، تتلألأ قممها تحت ضوء الشمس، حتى بدت وكأنها نسجت من الرخام والبلور معًا. توقف الفرسان الثلاثة للحظة. قال أحدهم بصوت خافت: "لم أكن أظن أن مدينة يمكن أن تبلغ هذا الجمال." ابتسم كبير المبعوثين: "والآن... تبدأ مهمتنا الحقيقية." وفي تلك الأثناء، داخل القصر الملكي في العاصمة "أستاريا". كانت الملكة "سيرافينا" تجلس إلى رأس المائدة المستديرة، وإلى جانبها قائدة الجيش "راغنيرا"، يتباحثان في تقارير الحدود الغربية وحركة القوافل بين الممالك. وقبل أن ينتهي النقاش، فُتح باب القاعة بهدوء، ودخل المستشار"فايرُن" بخطوات واثقة، فانحنى احترامًا وقال: "جلالتك... وصلني قبل قليل خبر مؤكد. وفد من مملكة الألف إندورال تجاوز غابة الزمرد، وسيبلغ بوابات العاصمة قبل غروب الشمس." تبادلت الملكة وقائدة الجيش نظرة سريعة، ثم سألت "سيرافينا" بهدوء: "وهل عُرف سبب قدومهم؟" فأجاب المستشار: "ليس بعد... لكن رسل إندورال لا يقطعون هذه المسافة إلا لأمر عظيم." فُتحت البوابة الرئيسية ببطء. دخل الوفد بين صفين من الحرس الملكي. كانت شوارع العاصمة تعج بالحركة؛ سحرة، وتجار، وحرفيون، وطلاب يحملون المخطوطات، بينما توقفت أنظار كثيرين على الراية الخضراء التي تحمل غصن التي ترفرف فوق خيول الوفد. نظر أحد من الوفد إلى برج عالي جدأ بتعجب: "يالهذا البرج... ماهذا؟" أجاب أحد الحرس الذين يرافقون الوفد: "هذه أكاديمية البرج الأزلي, هنا يتعلم الطلاب فنون السحر." لم يطل المسير. ففي نهاية الطريق الملكي، ارتفع القصر شامخًا، تحيط به حدائق واسعة ونوافير تتلألأ مياهها كأنها قطع من الزجاج. ترجل الفرسان أمام الدرج الرخامي. وتقدم كبير المبعوثين نحو قائد الحرس الملكي: "وفد مملكة إندورال..." قال بثبات: "...يحمل رسالة رسمية إلى جلالة الملكة سيرافينا." فتح قائد الحارس البوابة الكبرى، ثم قال باحترام: "تفضلوا... عاصمة أستاريا بانتظاركم." ودخل الوفد، بينما كانت أنظار أعضاء المجلس الملكي تتجه إليهم، استعدادًا لأول لقاء رسمي سيغيّر مستقبل الممالك السبع.