القسم الثاني
همس الحجر___________________________________________
ظلت المرأة تنظر إليها لحظات طويلة. كانت نظرتها مختلفة عندما تقع على "سيرافينا؛ أقل برودة، لكنها أكثر ثقلًا، وكأنها تنظر إلى شخص يحمل ملامح شخص آخر تعرفه منذ زمن. أجابت أخيرًا: "أشيرة." لم تتحرك "سيرافينا"، لكن أصابعها انطبقت بهدوء فوق حافة الطاولة. _ أشيرة ماذا؟" _ "كان لشعبي أسماء كثيرة قبل أن يحوّلها المنتصرون إلى لقب واحد." توقفت لحظة، ثم أكملت: "وُلدتُ بين الجبال السوداء، في الليلة التي هطل فيها الرماد من السماء بدل المطر. أطلقوا عليّ يومها أشيرة وليدة الرماد." نظرت "دالميرا" إلى التاج المكسور فوق درعها: "ثم أصبحتِ ملكة." ابتسمت "أشيرة"، لكن ابتسامتها حملت مرارة عميقة: "ثم أصبحت في نظر الجميع... خائنة." لم يكن في نبرة "أشيرة" غضب من اللقب، ولا محاولة للدفاع عن نفسها، بل إرهاقٌ ثقيل يشبه إرهاق من سمع التهمة نفسها مئات المرات حتى فقد القدرة على إنكارها. كانت تنطقها كما لو أنها أصبحت جزءًا من اسمها، لا حكمًا أصدره الآخرون عليها. أما "سيرافينا"، فقد شعرت للمرة الأولى أن المرأة الواقفة أمامها لا تحمل ملامح المنتصر ولا المنهزم، بل ملامح شخص عاش طويلًا حتى صار الماضي أثقل من أن يُروى في كلمات قليلة. خفضت "أوريانا" عينيها قليلًا، بينما لم يبدُ على "فايرُن" أي تفاجؤ. سألت سيرافينا: "خائنة لمن؟" رفع "فايرُن" رأسه بسرعة، لكن "أشيرة" لاحظت حركته. قالت له: "هل ما زلت تخشى الاسم؟" أجاب: "أخشى ما يتبعه." _ "الأسماء لا تجلب اللعنات، يا فايرُن. الأفعال تفعل." ثم عادت بنظرها إلى سيرافينا: "كان لشعبي اسم... ثم مُحي من كتبكم." لم يتكلم أحد. حتى المشاعل بدت وكأنها خفتت قليلًا عند سماع الاسم. تابعت أشيرة: "قبل أن تقوم أستاريا، وقبل أن يضع السحرة حجارة قصركم الأولى، وقبل أن يرسم البشر حدود ممالكهم فوق الأرض... كانت هذه الجبال لنا." رفعت يدها ببطء، وأشارت إلى السقف الحجري فوقهم: "كل ما فوق رؤوسكم الآن بُني فوق أرض زاهان." شعرت "سيرافينا" بأن شيئًا باردًا مر في صدرها: "أنت تقولين إن أستاريا قامت فوق مملكتك؟" _ "أقول إنكم سمّيتم الأرض باسم جديد، ثم أقنعتم أنفسكم أن الماضي اختفى." قالت راغنيرا: "أستاريا قائمة منذ قرون. لم تذكر سجلاتها قبيلة بهذا الاسم." ضحكت "أشيرة" ضحكة خافتة لم تحمل فرحًا: "السجلات يكتبها من بقي حيًا." ثم مالت نحوها قليلًا: ونحن لم نكن أحياء بما يكفي لنكتب روايتنا." ساد صمت ثقيل. تبادلت "سيرافينا" و"دالميرا" نظرة قصيرة، بينما ظلت "أوريانا" واقفة قرب الباب، تستمع إلى كل كلمة. قالت سيرافينا: "إذا كانت أرضك هنا، فلماذا لم يظهر شعبك طوال هذه القرون؟" لم يكن السؤال موجَّهًا إلى ملكة الأشباح وحدها، بل إلى التاريخ نفسه. فمنذ أن اعتلت "سيرافينا" العرش، قرأت عشرات السجلات، واطلعت على خرائط أقدم من المملكة، واستمعت إلى روايات الشيوخ والسحرة، لكن أحدًا لم يذكر أن تحت هذه الأرض شعبًا كاملًا اختفى. عندها أدركت أن أخطر الأسرار ليست تلك التي أُغلقت داخل الأقبية، بل تلك التي مُحيت من ذاكرة البشر حتى لم يعودوا يعرفون أنهم نسوها. توقفت "أشيرة" عن الابتسام. للمرة الأولى منذ دخول "فايرُن"، ظهر في عينيها شيء أشبه بالألم: "لأننا لم نُطرد من الأرض وحدها." أكملت بصوت أكثر انخفاضًا: "طُردنا من الحياة." شعرت "أوريانا" بقشعريرة تمر عبر ذراعها. قالت دالميرا: "لعنة." نظرت أشيرة إليها: "اسم صغير لعقوبة كبيرة." سألت سيرافينا: "من لعنكم؟" ساد صمت طويل. هذه المرة لم يجب أحد. حتى "أشيرة" لم تتكلم فورًا. نظرت إلى لهب المشعل القريب منها، وكأنها ترى داخله صورة بعيدة لا يراها غيرها. ثم قالت: "ملكة حملنا لها عهدًا... ثم كسرناه." تحرك "فايرُن" أخيرًا: "يكفي لهذا اليوم." التفتت "سيرافينا" إليه بحدة: "لا. ليس كافيًا." قال بصوت ثابت: "الأسماء التي تقترب منها قد تفتح حربًا أخرى قبل أن نفهم الحرب التي أمامنا." أجابته أشيرة: "الحرب بدأت يوم كُسر العهد." ثم نظرت إلى "سيرافينا" وأضافت: "منذ ثلاثة قرون تقريبًا." وقع الرقم فوق الغرفة بصمت ثقيل. «ثلاثة قرون» ثلاثمئة عام من لعنة لم تنتهِ. ثلاثمئة عام وشعب كامل يقف بين الحياة والموت تحت الأرض التي صارت "أستاريا". قالت راغنيرا بعد لحظة: "ثلاثة قرون؟" أومأت أشيرة: "رأيت وجوهًا تولد وتموت فوق أرضنا. رأيت القرى تصبح مدنًا، والمدن تصير ممالك. رأيت البشر يبنون أسوارهم فوق صخور بيوتنا، ويزرعون حدائقهم فوق مقابرنا، ثم يروون لأطفالهم أن هذه الأرض كانت خالية قبل وصولهم." لم ترفع صوتها، لكن كل كلمة خرجت منها حملت غضبًا تراكم طوال أجيال. قالت دالميرا: "ومع ذلك لم تهاجموهم." نظرت إليها أشيرة: "لم نكن نستطيع." _ "ولماذا تستطيعين الظهور الآن؟" أجابت: "لأن الحدود ضعفت." سرت في الغرفة برودة مفاجئة، حتى إن ألسنة المشاعل انكمشت للحظة قبل أن تستعيد وهجها. لم يعرف أحد إن كان ذلك مجرد تيار هواء عابر، أم أن الكلمات نفسها أيقظت شيئًا يستمع إليهم من خلف الجدران. أما "فايرُن"، فقد بقي يراقب ملامح "أشيرة" أكثر من كلماتها، لأنه كان يدرك أن بعض الحقائق لا تُقال كاملة، وأن ما تخفيه هذه المرأة قد يكون أخطر بكثير مما اختارت أن تكشفه. قال فايرُن: "بسبب الميثاق." التفتت أشيرة إليه: "بسبب ما فُعل بالميثاق." تدخلت سيرافينا: "إذن كسر الميثاق فتح الطريق لكم؟" هزت "أشيرة" رأسها ببطء: "فتح طريقًا واحدًا." نظرت إلى الأرض تحت قدميها: "لكن ما يتحرك في الأعماق لا يبحث عن طريق للخروج فقط." سألت "أوريانا" من قرب الباب: "بل عن ماذا؟" رفعت أشيرة عينيها نحوها: "عن الحارس." شعرت "أوريانا" أن الكلمة أعادت إليها صوت "ليورا" في الأرشيف، عندما قالت إن الحارس استيقظ. تقدمت "راغنيرا" نصف خطوة: "هل الحارس من شعبك؟" _ "لا." _ "هل هو من لعنكم؟" _ "لا." _ "هل يخدمكم؟" ظهرت على وجه "أشيرة" للمرة الأولى ملامح قلق حقيقي: "لا يخدم أحدًا." ساد صمت جديد. قالت سيرافينا: "إذن لماذا استيقظ عندما ظهرتِ؟" أجابت أشيرة: "أنا لم أوقظه." ثم نظرت إلى فايرُن: "هم فعلوا." قالت راغنيرا بحدة: "من هم؟" لم تنظر أشيرة إليها. بقيت عيناها على فايرُن: "الذين حاولوا منذ ثلاثين عامًا أن يغلقوا ما لم يفهموه." تحولت أنظار الجميع نحو المستشار. لم يتحرك. ظل واقفًا عند طرف الطاولة، ووجهه ساكن كما لو أن الاتهام لم يفاجئه. قالت سيرافينا: "ثلاثون عامًا؟" ثم أضافت ببطء: "في زمن إيراث." أغمض فايرُن عينيه للحظة قصيرة. كانت تلك الحركة وحدها أقرب إلى اعتراف. سألته سيرافينا: "ماذا فعلتم؟" فتح عينيه: "ما اعتقدنا أنه سينقذ المملكة." قالت أشيرة: "ختمتم بوابة." _ "كان علينا أن نفعل." _ "ختمتم الطريق الخطأ." اشتدت ملامحه: "لم يكن لدينا وقت." _ "كان لديكم ملك عرف الحقيقة، وفارسة حاولت تحذيره، وامرأة من شعبي أخبرتكم أن الختم لن يصمد." اقتربت سيرافينا من الطاولة: "أي امرأة؟" لم تجب أشيرة. قال فايرُن: "هذا لا يغير شيئًا." نظرت إليه "سيرافينا" بغضب واضح: "كل شيء تخفيه يغير شيئًا." سادت لحظة صمت طويلة. كانت "راغنيرا" تراقب "فايرُن" كما تراقب متهمًا، بينما بقيت "دالميرا" ثابتة، لكن عينيها كانتا تجمعان كل كلمة. عادت ذكرى تنازل "إيراث" عن العرش، واختفائه المفاجئ، والأرشيف المغلق داخل المكتبة الملكي، والرمز المحفور خلف لوحته، لتتجمع في عقل "سيرافينا" دفعة واحدة. سيرافينا: "إيراث كان يعرفك؟" ردت أشيرة: "عرف بوجودنا... أكثر مما كان ينبغي." _"كل ما ظنته أسرارًا منفصلة بدأ يتحول إلى قصة واحدة". قالت: "لهذا تنازل." أجاب فايرُن: "جزء من السبب." نظرت إليه: "وما الجزء الآخر؟" ظل صامتًا. صمتت "أشيرة" طويلًا، ثم قالت: "هناك سبب آخر... لكنه ليس الوقت المناسب للحديث عنه. أنتِ."