مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 30: القسم الرابع

القسم الرابع

إرث الصمت____________________________________________

ظل الباب الحجري مفتوحًا للحظات بعد خروج "أشيرة"، وكأن الغرفة نفسها لم تستوعب بعد أن المرأة التي خرجت منها حملت معها ثلاثة قرون من الصمت، وتركت خلفها من الأسئلة أكثر مما تركت من الإجابات. لم يتحرك أحد. حتى المشاعل المعلقة على الجدران بدت ساكنة على غير عادتها، بينما ظل صدى خطواتها يتردد في الممر البعيد قبل أن يبتلعه السكون. وقفت "سيرافينا" مكانها، وعيناها معلقتان بالباب، ثم أغمضته "أوريانا" ببطء، فعاد صوت احتكاك الحجر بالحجر يملأ الغرفة كأنه يعلن نهاية لقاء... وبداية عبء جديد. لم يكن أحد يجرؤ على كسر الصمت. كانت "راغنيرا" أول من تنفس بعمق، لكنها لم تتكلم. أما "دالميرا" فقد ظلت تحدق في الجدار الذي اختفت منه الرؤيا، كأنها تنتظر أن تعود الصور إلى الظهور من جديد. وحده "فايرُن" بقي واقفًا في مكانه، لا ينظر إلى أحد، بل إلى الطاولة الحجرية أمامه، وقد بدت ملامحه أكثر إرهاقًا مما عرفه الجميع عنه. وأخيرًا، قالت "سيرافينا" بصوت هادئ، لكنه لم يخلُ من الحزم: "انتهى وقت الصمت يا فايرُن." رفع المستشار رأسه إليها ببطء، لكنه لم يجب. اقتربت منه خطوة أخرى: "منذ بدأت هذه الأحداث، وكل طريق نسلكه يقود إلى اسم واحد." ساد الصمت لحظة: ثم قالت: "إيراث." تحركت "راغنيرا" قليلًا، بينما بقيت "دالميرا" تراقب وجه المستشار، تنتظر أن ينكر، أو يغضب، أو حتى يغير الموضوع كما اعتاد أن يفعل. لكنه لم يفعل شيئًا. قال أخيرًا: "ليس كل طريق." ابتسمت "سيرافينا" ابتسامة قصيرة لم تحمل شيئًا من الراحة: "بل كل طريق لم أفهمه." ثم أضافت: "كلما ظهر سر جديد، وجدتُ إيراث قد مر به قبلي." ساد هدوء ثقيل داخل الغرفة. قالت راغنيرا: "كانت أشيرة تعرفه." أجاب فايرُن بهدوء: "نعم." التفتت إليه سيرافينا مباشرة: "وأنت أيضًا." لم يحاول الإنكار. اكتفى بأن قال: "عرفت ما سمح لي أن أعرفه." عقدت دالميرا ذراعيها: "وهل كان يخفي عنك أيضًا؟" تنهد المستشار تنهدًا خافتًا: "إيراث... لم يكن يخفي أسراره عن أعدائه فقط." نظر إليهم جميعًا: "بل أخفاها عن أقرب الناس إليه." ساد الصمت. كان وقع تلك الكلمات أثقل مما توقعته "سيرافينا". لطالما ظنت أن مستشار المملكة كان يعلم كل شيء يدور في عهد الملك السابق، لكن اعترافه هذا فتح احتمالًا آخر؛ أن الرجل الذي جلس سنوات إلى جوار العرش، لم يكن يرى إلا جزءًا مما كان يخطط له الملك. قالت الملكة بعد لحظة: "إذن لم تكن تثق به." هز "فايرُن" رأسه ببطء: "بل كنت أثق به أكثر مما ينبغي." ثم أردف بصوت منخفض: "ولهذا لم أسأله عن أشياء كثيرة." اقتربت راغنيرا من الطاولة: "وهل ندمت؟" ظل صامتًا لحظات. ثم قال: "كل يوم." ساد هدوء طويل، لم يقطعه سوى صوت النار المتراقصة داخل المشاعل. كانت "سيرافينا" تدرك أن الرجل الذي يقف أمامها لم يعد يدافع عن أسرار "إيراث" كما كان يفعل من قبل، لكنه أيضًا لم يكن مستعدًا لتمزيقها كلها دفعة واحدة. بدا كمن يحمل عهدًا قطعه منذ سنوات، ويحاول الوفاء به، حتى بعدما اختفى صاحبه عن الأنظار. قالت بهدوء: "حدثني عن الكتاب." رفع فايرُن عينيه إليها: "أي كتاب؟" نظرت إليه طويلًا: "لا تجعلني أعيد السؤال." ابتسم ابتسامة باهتة. "كنت أعرف أنك ستصلين إليه يومًا." ثم سكت. قالت "راغنيراط بنفاد صبر: "إذن تكلم." مرر "فايرُن" يده فوق حافة الطاولة الحجرية، كأنه يستعيد ذكرى بعيدة: "قبل سنوات طويلة... بدأ إيراث يطلب كل ما يقع تحت يده من مخطوطات قديمة." قالت دالميرا: "هذا طبيعي بالنسبة لملك ساحر." هز رأسه: "لم يكن يبحث في كتب السحر." نظر إلى سيرافينا: "بل في كتب التاريخ." عقدت حاجبيها: "التاريخ؟" _ "كل ما يتعلق بالممالك الأولى... والأراضي المنسية... والسجلات التي سبقت قيام أستاريا." ساد الصمت. ثم تابع: "في البداية ظننت أنه يريد معرفة أصل المملكة." ابتسم ابتسامة مريرة: "لكنني اكتشفت لاحقًا... أنه كان يبحث عن شيء واحد." قالت سيرافينا: "كتاب الرماد الأزرق." لم يجب. لكن صمته كان كافيًا. خفضت الملكة رأسها قليلًا: "إذن كان الاسم حقيقيًا." قال فايرُن: "لم أشك يومًا في وجوده." _ "وهل رآه؟" أجاب دون تردد: "لا أعلم." رفعت رأسها بسرعة: "حقًا؟" _ "حقًا." ثم أضاف: "لو كنت أعلم... لما بقيت هذه الأسئلة حتى اليوم." ساد هدوء قصير. قالت دالميرا: "إذن كان يبحث عنه فقط." _ "نعم." _ "وهل أخبرك لماذا؟" أطرق فايرُن لحظة: "قال لي مرة..." توقف. كأن الكلمات القديمة استعصت عليه. ثم أكمل: "إن بعض الكتب لا تُقرأ من أجل المعرفة." نظرت إليه سيرافينا: "بل؟" قال: "من أجل منع الآخرين من قراءتها." ساد الصمت مرة أخرى. كانت تلك أول جملة قالها "إيراث"، منذ سنوات، تصل إليهم دون أن تمر عبر التأويل أو الشائعات. وللمرة الأولى، لم يبدُ كتاب الرماد الأزرق ككنز يسعى الجميع لامتلاكه، بل كشيء يخشى حتى الباحثون عنه أن يقع في الأيدي الخطأ. تقدمت راغنيرا خطوة: "وهل كان يعتقد أن غورموث تبحث عنه أيضًا؟" أجاب فايرُن: "لم يذكر اسم غورموث." ثم رفع بصره نحو المشعل القريب: "لكنه قال إن هناك من يبحث بالطريقة نفسها." سألت سيرافينا: "وهل وجد شيئًا؟" ظل صامتًا. ثم قال: "وجد... آثارًا." _ "أي آثار؟" هز رأسه: "لم يخبرني." شعرت "سيرافينا" أن الحديث يعيدها إلى النقطة نفسها. كل جواب يولد سؤالًا آخر. لكنها أدركت أيضًا أن "فايرُن" لا يراوغ هذه المرة، بل يقول فعلًا كل ما يعرفه. قالت بهدوء: "إيراث لم يكن يثق بأحد." أجاب فايرُن: "كان يثق بالمملكة." ثم أردف بعد لحظة: "لكنه لم يكن يثق بالزمن." ساد الصمت. لم يفهم أحد قصده مباشرة. إلا أن المستشار أكمل: "كان يقول إن بعض الحقائق، إذا ظهرت قبل أوانها... أصبحت سببًا في خراب أصحابها." تنهدت "سيرافينا". ثم مشت ببطء نحو النافذة الضيقة في طرف الغرفة. في الخارج، كانت أضواء "أستاريا" تلمع فوق التلال، بينما ارتفع ضباب الليل بين الأبراج القديمة. قالت دون أن تلتفت: "أمضيت سنوات أظن أن إيراث ترك لنا مملكة." ثم أضافت بصوت أكثر انخفاضًا: "لكنني بدأت أشعر أنه ترك لنا... لغزًا." لم يجبها أحد. لأن كل من في الغرفة، للمرة الأولى، شعر أن الملك الذي غاب عن العرش منذ سنوات لم يغب عن المملكة قط. بل ظل حاضرًا في كل باب مغلق، وكل رمز غامض، وكل سر يخرج من أعماق "أستاريا". وبينما كان الصمت يملأ الغرفة من جديد، دوّى في الخارج صوت بوق الحراسة القادم من أعلى الأسوار. التفت الجميع نحو الباب. دخلت "ميرال" مسرعتأ، وانحنىت أمام الملكة: "جلالتك..." رفعت رأسها بصعوبة، وكأنها ما يزالت غير مصدق لما سمعه: "...وصل رد من مملكة السنديان." ساد الصمت. نظرت "سيرافينا" إلى "فايرُن". ثم قالت بهدوء: "يبدو أن الظلام... بدأ يجيب."

يتبع...