مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 33: القسم الثاني

القسم الثاني

دفاتر الغائب____________________________________________

انتهى بحثهم في أرجاء المكتب، لكن أحدًا منهم لم يشعر أنهم غادروا المكان حقًا. كانت الغرفة، بكل ما فيها من رفوف ناقصة وأوراق مبعثرة وخرائط باهتة، تشبه عقل رجل ظل سنوات يبني صورة لا يراها سواه، ثم رحل قبل أن يضع آخر قطعة فيها. أغلقت "سيرافينا" آخر درج في الطاولة الخشبية، ثم رفعت رأسها نحو فايرُن: "قلت إن إيراث لم يكن يكتب أفكاره كاملة." أومأ المستشار بهدوء: "كان يكتب ما يكفي ليذكّر نفسه... لا ليشرح لغيره." تقدمت "دالميرا" نحو أحد الرفوف المنخفضة، وانحنت تزيح صندوقًا خشبيًا صغيرًا تراكم فوقه الغبار. لم يكن يحمل أقفالًا أو أختامًا ملكية، بل بدا بسيطًا على نحو لا يليق بما كان يحتفظ به "إيراث" عادة. رفعته بحذر، ووضعته فوق الطاولة. قالت "راغنيرا" وهي تنظر إليه: "هذا لم يكن هنا من قبل." ابتسم "فايرُن" ابتسامة خفيفة: "بل كان." التفتت إليه: "لكن أحدًا لم يكن يلاحظه." فتح الصندوق ببطء. لم يكن داخله ذهب، ولا مخطوطات نادرة، ولا خرائط سرية. بل دفاتر جلدية صغيرة، متقاربة الحجم، وقد بهت لون أغلفتها من كثرة الاستعمال. مدّت "سيرافينا" يدها إلى أولها. كان الغلاف خاليًا من أي عنوان. فتحت الصفحة الأولى. لم تجد تاريخًا. ولا اسمًا. ولا حتى مقدمة.فقط جملة قصيرة بخط إيراث:

«لاأثق بالذاكرة عندما يتعلق الأمر بالحقيقة.»

ساد الصمت. قلبت الصفحة التالية. كانت تضم بضعة أسطر، ثم تنتهي فجأة. وفي الصفحة التي تليها رسم بسيط لجبل، وأسفل الرسم سهم يشير إلى نقطة صغيرة، دون أي تفسير. قالت دالميرا: "هذه ليست مذكرات." أجاب فايرُن: "لهذا أسماها دفاتر." رفعت سيرافينا نظرها إليه: "وهل كنت قرأتها؟" هز رأسه نفيًا: "لا." نظرت "راغنيرا" إلى الدفاتر، ثم إلى فايرُن: "ومع ذلك تعرف طريقته في الكتابة." أجابها بهدوء: "كنت أعرف عاداته... لا أسراره." ثم أضاف وهو ينظر إلى الصفحات المفتوحة: "كان يقول إن هذه الدفاتر لا تُقرأ... بل تُستكمل." لم يفهم أحد قصده. لكن الكلمات بقيت عالقة في أذهانهم. جلست "سيرافينا" إلى الطاولة، وبدأت تقلب الصفحات واحدة تلو الأخرى. لم يكن هناك تسلسل واضح. في صفحة، أسماء أماكن. وفي أخرى، جملة واحدة. ثم صفحات كاملة بقيت بيضاء. وفي بعض المواضع، كانت آثار تمزيق واضحة، كأن أوراقًا كاملة اقتُلعت من الدفتر بعناية. قالت "راغنيرا" وهي تشير إلى الحواف الممزقة: "أحدهم نزعها." اقترب "فايرُن". مرر أصابعه فوق أطراف الورق. ثم قال بهدوء: "لا." نظرت إليه سيرافينا: "كيف عرفت؟" قال: "لأن إيراث كان يفعل ذلك بنفسه." ساد الصمت. قالت دالميرا: "ولماذا يمزق ما كتبه؟" أجاب "فايرُن" بعد تفكير: "كلما وصل إلى نتيجة... كان يخفي الطريق الذي أوصله إليها." نظرت "سيرافينا" إلى الصفحات الفارغة. بدأت تفهم شيئًا عن شخصية الملك السابق. لم يكن يخشى أن تُعرف الحقيقة... بل كان يخشى أن يسلك أحد الطريق نفسه. فتحت دفترًا آخر. في وسطه ظهرت عبارة محاطة بدائرة سوداء.

«لا تبحث عن الإجابة... ابحث عمّن غيّر السؤال.»

توقفت عندها طويلًا. قالت "راغنيرا" بعد أن نظرت أيضأ إلى العبارة: "لا أفهم." ابتسمت سيرافينا ابتسامة خفيفة: "ولا أنا." ثم أضافت: "لكنني أشعر أنه كان يفهم شيئًا لم نصل إليه بعد." اقترب فايرُن من النافذة. ظل ينظر إلى حدائق القصر. ثم قال: "في سنواته الأخيرة..." وسكت. التفتت إليه دالميرا: "ماذا؟"أجاب بصوت هادئ: "كان يعود أحيانًا من رحلاته ومعه دفتر جديد." سادت لحظة صمت، ثم قالت "سيرافينا": "ألم يحاول أحد أن يعرف أين كان يذهب؟" أجاب "فايرُن" بعد تردد قصير: "حاولت." التفتت إليه راغنيرا: "وأنت؟" أومأ بهدوء: "تبعته مرة." انعقدت دهشة خفيفة على الوجوه. قالت دالميرا: "ثم؟" ابتسم ابتسامة باهتة: "فقدت أثره. في أقل من ساعة." ثم أضاف وهو يمرر أصابعه فوق غلاف أحد الدفاتر: "كان يعرف كيف يختفي... قبل سنوات طويلة من اختفائه الأخير." ابتسم ابتسامة بالكاد ظهرت: "كان يقول إن الطريق يغيّر الإنسان أكثر مما يغيّر المكان." استمرت "سيرافينا" في تقليب الدفاتر. كلما اعتقدت أنها وجدت تسلسلًا، اكتشفت أن الصفحات التالية تقطع الفكرة تمامًا. لم يكن ذلك ارتباكًا. بل بدا مقصودًا توقفت "سيرافينا" عند صفحة امتلأت بأسماء ممالك، ثم شُطب معظمها بخط واحد. بقيت ثلاثة أسماء فقط دون شطب.أستاريا. إندورال. أسترال. نظرت إلى فايرُن: "لماذا أبقى هذه؟" اقترب قليلًا، وتأمل الصفحة طويلًا. ثم قال: "لا أعرف." أغلقت الدفتر ببطء. لكنها لم تستطع أن تمنع نفسها من التفكير... هل كان يبحث عن الممالك؟ أم عن شيء يجمعها جميعًا؟ قالت: "حتى دفاتره تشبه متاهة." أجاب فايرُن: "ربما أرادها كذلك." _ "لماذا؟" _ "لأن من يصل إلى النهاية بسهولة..." ثم صمت. أكملت سيرافينا الجملة بدلًا منه: "...لن يفهمها." هز رأسه موافقًا. وبينما كانت تقلب آخر دفتر، انزلقت من بين صفحاته ورقة صغيرة مطوية. لم تكن ممزقة من كتاب آخر. ولا تحمل ختمًا ملكيًا. بل كانت من الورق نفسه الذي اعتاد "إيراث" الكتابة عليه. فتحتها "سيرافينا" بحذر. لم يكن فيها سوى بضعة أسطر. قرأتها بصوت منخفض: "إذا وصلت إلى هذه الورقة... فهذا يعني أنني لم أعد هنا لأجيب عن أسئلتك." ساد الصمت في الغرفة. أكملت القراءة. "لا تثق بما تعرفه عن الماضي، ولا بما سيخبرك به أعداؤك عنه." توقفت لحظة. ثم قرأت السطر الأخير: "فالحقيقة... كانت دائمًا أقدم من أستاريا." أغلقت الورقة ببطء. لم يتكلم أحد. كان شعور غريب يخيّم على الغرفة، كأن "إيراث"، رغم غيابه، ما زال يقودهم خطوة بعد أخرى، تاركًا لكل سؤال أثرًا، ولكل أثر سؤالًا جديدًا. رفعت "سيرافينا" الورقة، ونظرت إلى "فايرُن". قالت بهدوء: "لم يكن يترك رسائل..." ثم ضمت الورقة إلى الدفتر: "...كان يترك طرقًا." ترددت نبرة صوتها في أرجاء المكان كأنها تميمة قُديمة أُعيد تحريكها بعد صمتٍ طويل، بينما انكسرت على أطراف الطاولة الخشبية ظلال المصباح المترنح. كانت تلك السطور القليلة أشد ثقلاً من كل المخطوطات التي فتّشوا عنها. فقد أدركوا جميعاً أن الملك الراحل لم يكن يدوّن التاريخ ليُقرأ، بل كان يرسم خارطة غامضة لمعركة لم تبدأ فصولها الحقيقية بعد.بقيت "سيرافينا" ممسكة بالورقة، ثم أعادتها إلى مكانها بعناية. لم يكن أكثر ما أقلقها ما كتبه "إيراث"، بل ما لم يكتبه. كأن كل دفتر يخفي صفحات غائبة أكثر مما يحفظ صفحات باقية. قالت بهدوء: "كان يعرف أن أحدًا سيصل إلى هنا يومًا." أجاب "فايرُن": "لهذا لم يترك لنا أجوبة." التفتت إليه: "بل ترك أسئلة." لم يعترض. لأنهما أدركا في اللحظة نفسها أن رحلة "إيراث" لم تبدأ عندما غادر العرش... بل بدأت قبل ذلك بسنوات، حين قرر أن يبحث عن شيء لم يجرؤ أحد قبله على البحث عنه. وللمرة الأولى منذ بدأوا البحث في إرث الملك الغائب، شعر الجميع أنهم لم يعودوا يقرأون دفاتر رجل رحل منذ سنوات...بل بدأوا يسيرون في الطريق نفسه الذي سار فيه، دون أن يعرفوا إلى أين انتهى به.

يتبع...