القسم الخامس
ظل الشرق_____________________________________________
لم تكن الليلة هادئة في "أستاريا". حتى بعد انتهاء مجلس الظلال، بقي الإحساس الثقيل نفسه يخيّم فوق المملكة كلها، كأن القلعة العتيقة شعرت هي الأخرى بأن شيئًا قد انكسر داخلها ولن يعود كما كان. الرياح التي مرت بين الأبراج الحجرية حملت برودة غير مألوفة، والسماء فوق العاصمة بدت أغمق من المعتاد، حتى النجوم نفسها فقدت صفاءها، وصارت تلمع بخفوت متقطع كأنها تتردد بين الظهور والاختفاء. داخل القصر الملكي، كانت الحركة لا تتوقف. الحراس ينتشرون في الممرات بأعداد مضاعفة، والخدم يهمسون بدل الحديث، والأبواب تُفتح وتُغلق بسرعة وحذر، كأن الجميع يخشى أن يسمعه شيء غير مرئي. أما قاعة الميثاق السحري، فكانت ما تزال غارقة في التوتر. الخريطة التي جلبها اللورد "زاهير" بقيت ممددة فوق الطاولة الحجرية الكبيرة في وسط القاعة، كأنها جرح مفتوح في قلب المجلس. الجزء المظلم منها جذب أنظار الجميع باستمرار، رغم محاولة بعضهم تجاهله. كان ذلك السواد غريبًا. لم يكن مجرد حبر داكن، بل بدا وكأنه يمتص الضوء حوله. وقفت "دافني" قرب الطاولة، تحدق فيه بصمت طويل. أصابعها مرت ببطء قرب حواف الخريطة دون أن تلمس ذلك الجزء المظلم مباشرة، وكأنها تخشى شيئًا خفيًا داخله. قالت أخيرًا بصوت منخفض: "هذه ليست خريطة عادية." رفع "فايرُن" عينيه إليها بهدوء: "نعرف ذلك." لكن "دافني" لم تنظر إليه. كانت عيناها ما تزالان معلقتين بالخريطة، كأنها تحاول تذكّر شيء قديم دفنته السنوات: "...هذه خريطة قديمة جدًا." شعر "نيريون" بانقباض في صدره. اقترب خطوة، وعيناه تضيقان بتركيز: "كم قديمة؟" ترددت "دافني" للحظة. ثم رفعت رأسها ببطء وقالت: "...أقدم من أستاريا نفسها." انتشر الصمت في القاعة كالموجة الباردة. حتى المشاعل بدت أضعف بعد تلك الجملة. شعرت "سيرافينا" بأن عقلها يحاول رفض الفكرة فورًا. أقدم من "أستاريا"؟ هذا يعني زمنًا يسبق المملكة، يسبق الميثاق، يسبق العروش نفسها. قالت ببطء: "إذن لماذا أحضرتها إلى هنا؟" ابتسم اللورد "زاهير" ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي لم يكن أحد يعرف إن كانت تحمل سخرية أم تحذيرًا: "لأنني ظننت أنكم تفضلون معرفة الحقيقة..." توقف لحظة قصيرة، ثم أكمل: "...قبل أن تصبح متأخرة." شعرت "أوريانا" بالنفاد التدريجي لصبرها. تقدمت خطوة، ودرعها الأبيض عكس ضوء المشاعل بطريقة حادة: "تحدث بوضوح." نظر إليها "زاهير" لحظة، وكأنه استمتع بإصرارها، ثم أشار بإصبعه إلى المنطقة السوداء في الخريطة: "هذا المكان." تنهد بهدوء: "...هو موطن مملكة "غورموث." ارتفعت همسات خافتة داخل القاعة. حتى بعض الحراس تبادلوا نظرات متوترة. مملكة "غورموث." لم تكن مجرد عدو سياسي لبقية الممالك، بل اسمًا مرتبطًا بالخوف والأساطير والحروب القديمة. كثيرون آمنوا أنها مجرد قوة بعيدة خلف الجبال السوداء... لكن قليلين فقط عرفوا حقيقتها. واصل "زاهير" حديثه: "وهم يبحثون عن شيء." في تلك اللحظة، رفع "فايرُن" رأسه مباشرة، وكأنه عرف الجواب قبل السؤال: "...كتاب الرماد الأزرق." ظهرت لمعة إعجاب صغيرة في عيني "زاهير": "كما توقعت." لكن قبل أن يُكمل أحد الحديث، انفتح باب القاعة بعنف خفيف، ودخلت "ميرال" مسرعة. كانت أنفاسها متقطعة، ووجهها شاحبًا أكثر من السابق، كأنها ركضت عبر نصف القصر دون توقف. انحنت بسرعة: "مولاتي." التفتت إليها "سيرافينا" فورًا: "ماذا حدث الآن؟" حاولت "ميرال" التقاط أنفاسها قبل أن تتكلم: "حراس المكتبة الملكية... وجدوا شيئًا." تبادلت النظرات داخل القاعة. شعرت "دافني" بانقباض مفاجئ: "ماذا وجدوا؟" ابتلعت "ميرال" ريقها، ثم قالت الكلمة التي أعادت التوتر فورًا إلى الجو: "...بابًا." عقدت "دافني" حاجبيها فورًا: "المكتبة الملكية لا تحتوي أبوابًا مخفية." لكن "ميرال" هزت رأسها بسرعة: "هذا الباب... لم يكن موجودًا قبل اليوم." ساد الصمت. شعرت "سيرافينا" بأن كل شيء بدأ يتحرك بسرعة أكبر مما تستطيع السيطرة عليه. النبوءة، الخاتم، ملكة الأشباح، الخريطة، والآن باب يظهر من العدم داخل المكتبة الملكية. أما "فايرُن"... فكان الوحيد الذي لم يبدُ متفاجئًا بالكامل. نظر إلى الخريطة طويلًا، ثم قال بصوت هادئ جدًا: "...بدأت." التفتت الملكة نحوه فورًا: "ما الذي بدأ؟" لكنه لم يجب. بل بقي يحدق في الجزء المظلم من الخريطة، كأنه يرى شيئًا أبعد مما يراه الجميع. في أرض لا تظهر على خرائط الممالك العادية، حيث السماء لا تعرف الصفاء، وكانت الغيوم السوداء تغطي الأفق باستمرار، ارتفعت قلاع ضخمة من الحجر الداكن مثل أنياب خارجة من قلب الأرض. هناك... كانت مملكة "غورموث". الهواء نفسه بدا مختلفًا في تلك الأرض، أثقل، مليئًا برائحة الرماد والنار القديمة. المشاعل المعلقة على الجدران لم تكن تشتعل باللون البرتقالي المعتاد، بل بنار زرقاء باردة، جعلت الوجوه تبدو شاحبة وأشبه بالأشباح. في إحدى القاعات العميقة داخل القصر الأسود، وقف رجل يرتدي عباءة طويلة قاتمة أمام خريطة ضخمة. كانت تشبه خريطة "زاهير" تمامًا. لكن الفرق أن الجزء المظلم فيها لم يكن مظلمًا هنا. بل واضحًا. كأن أصحاب هذه المملكة يعرفون ما حاول العالم كله إخفاءه. وقف خلف الرجل حارس ضخم يرتدي درعًا أسود سميكًا، وصوته الخشن ارتد داخل القاعة الحجرية: "مولاي... الأخبار وصلت." لم يتحرك الرجل. بقي يحدق في الخريطة فقط: "قل." _"الاهتزاز حدث في أستاريا." ساد صمت قصير. ثم... ابتسم الرجل ببطء. ابتسامة هادئة، لكنها مرعبة أكثر من أي غضب: "...أخيرًا." رفع يده ببطء. وفي وسط كفه ظهر رمز أزرق محترق. رمز الرماد الأزرق. بدأ الضوء ينبض داخل الرمز مثل جمر حي، بينما انعكس على وجهه نصف المخفي بالظل. قال بصوت بارد جدًا: "أيقظوهم." تردد الحارس لحظة: "...من تقصد يا مولاي؟" أجاب الرجل دون أن يلتفت: "الأشباح." كانت ممرات المكتبة الملكية غارقة في صمت غريب عندما وصل المجلس إليها. المكان كان قديمًا بصورة مهيبة، والجدران العالية مغطاة برفوف لا تنتهي من الكتب والمخطوطات والخرائط القديمة. لكن كل ذلك لم يكن ما جذب الانتباه. بل الباب. باب حجري ضخم ظهر داخل الجدار الخلفي للمكتبة كأنه كان نائمًا هناك منذ قرون ثم استيقظ فجأة. وقفت "دافني" أمامه بحذر واضح. كانت تشعر بالسحر المنبعث منه قبل حتى أن تلمسه. همست: "...هذا السحر." اقترب "نيريون" ببطء، وعيناه تتحركان فوق الرموز القديمة المحفورة على سطح الباب: "...أقدم من النجوم التي نعرفها." أما "فايرُن"... فبقي صامتًا. كان يحدق في الظلام خلف الشقوق الصغيرة بين الأحجار، كأنه يعرف مسبقًا ما ينتظرهم هناك. ثم قال بهدوء: "إذا كان هذا الباب قد فُتح الآن..." توقف لحظة قصيرة: "...فهذا يعني أن شخصًا ما داخل هذه المملكة كان ينتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل." شعرت "سيرافينا" بأن الكلمات أصابتها مباشرة. التفتت ببطء نحو الموجودين حولها. نظرت إلى "دافني". إلى "نيريون". إلى "إيليثر"ا. إلى "راغنيرا".إلى "فايرُن".حتى إلى "زاهير". ثم قالت بصوت هادئ... لكنه حاد كالسيف: "إذن سنكتشف الآن..." توقفت لحظة: "...من منا يخدم أستاريا." ضاقت عيناها قليلًا: "...ومن يخدم شيئًا آخر."
ختام الفصل الأول