مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 6: الفصل الثاني_ القسم الأول

الفصل الثاني_ صدى الممالك

القسم الأول _ صدى الماضي_________________________________

لم يكن الباب الحجري الذي ظهر في أعماق المكتبة الملكية مجرد بابٍ مخفي. كل من وقف أمامه شعر بذلك دون حاجة إلى تفسير. كان هناك شيء غير مريح في وجوده، شيء يتجاوز السحر المعروف أو الأسرار التي اعتادت "أستاريا" إخفاءها بين جدرانها القديمة. بدا وكأنه جزء من زمن آخر، زمن لم يعد ينتمي إلى الحاضر، لكنه عاد فجأة ليطالب بحقه في الظهور. ساد الصمت داخل المكتبة. صمت ثقيل لا يقطعه إلا صوت احتراق المشاعل المعلقة على الجدران الحجرية العالية. وقف أعضاء المجلس أمام الباب، بينما كانت الظلال الطويلة تتراقص فوق الرفوف الممتدة في الظلام. آلاف الكتب والمخطوطات القديمة أحاطت بهم من كل جانب، وكأن عيونًا غير مرئية تراقب ما سيحدث. تقدمت "دافني" خطوة إلى الأمام. رفعت كتاب الميثاق الأسود قليلًا، بينما كانت نظراتها معلقة على الباب الحجري. قالت بصوت منخفض: "هذا الباب لم يُفتح منذ قرون." كان في صوتها شيء نادر. شيء يشبه التردد. فدافني، التي اعتادت أن تواجه السحرة والملوك والخونة بنفس البرود، لم تكن تشعر بالراحة وهي تنظر إلى ذلك الباب. أما "فايرُن" فلم يبعد عينيه عنه. منذ اللحظة الأولى لوصوله إلى المكتبة، بدا وكأنه يعرف هذا المكان أكثر مما يجب. قال بهدوء: "بل منذ يوم أُغلق." التفتت الملكة "سيرافينا" نحوه فورًا. شعرت أن كل إجابة تقود إلى عشر أسئلة جديدة. "وما الذي أُغلق معه؟" ساد صمت قصير. بدا وكأن "فايرُن" يفكر في الجواب قبل أن ينطقه، أو ربما يفكر في مقدار ما يجب أن يقوله. لكن قبل أن يتكلم، تحرك "نيريون". تقدم ببطء نحو الباب. كانت عيناه تلمعان بطريقة غريبة تحت ضوء المشاعل، وكأنه يرى شيئًا لا يراه الآخرون. قال بصوت خافت: "...النجوم تذكرت هذا المكان." نظر الجميع إليه. حتى "زاهير" رفع حاجبًا باهتمام. لكن "نيريون" لم يشرح. كان يحدق في النقوش المحفورة فوق الأحجار القديمة، وكأنها تتحدث إليه بلغة لا يعرفها سواه. ثم قال: "هذا الباب... يقود إلى أرشيف قديم." عقدت "دافني" حاجبيها: "كل أرشيفات أستاريا معروفة." لكن "نيريون" هز رأسه ببطء: "...ليس هذا." هنا فقط تحرك "فايرُن". اقترب من الباب الحجري ووضع يده على أحد رموزه القديمة. ولأول مرة منذ بداية الأحداث، ظهر على وجهه شيء يشبه الحزن. قال بهدوء: "هذا أرشيف... كان يخص الملك السابق." تجمدت الملكة "سيرافينا". شعرت وكأن الهواء اختفى من حولها للحظة: "الملك إيراث." الاسم وحده كان كافيًا لإيقاظ الذكريات. ملك أستاريا السابق. الرجل الذي تنازل عن العرش فجأة واختفى دون تفسير. الرجل الذي ما زالت قصته تثير الأسئلة رغم مرور السنوات. لم يكن أحد يتحدث عنه. ولم يكن أحد يجرؤ على السؤال. كأن المملكة بأكملها عقدت اتفاقًا غير معلن على دفن تلك المرحلة من تاريخها. لكن الليلة كانت مختلفة. الليلة كانت الأسرار تخرج من قبورها. ضحك "زاهير" بخفة من خلفهم. لم تكن ضحكة ساخرة تمامًا، بل أقرب إلى شخص يشاهد مسرحية يعرف نهايتها مسبقًا. قال: "إذن ما زلتم لا تتحدثون عنه." استدارت "راغنير"ا نحوه بغضب: "اصمت." لكن "زاهير" لم يتوقف. بل اقترب أكثر. نظر إلى "فايرُن" طويلًا. نظرة مليئة بمعرفة قديمة لا يملكها سواهما: "...لم تتغير كثيرًا."أجاب "فايرُن" ببرود: "وأنت لم تتعلم الصمت." اتسعت ابتسامة "زاهير" قليلًا: "أتذكر آخر مرة التقينا فيها؟" ساد الصمت. لكن التوتر داخل المكتبة أصبح محسوسًا. شعرت "سيرافينا" أن الحديث بدأ يقترب من شيء مهم جدًا. شيء أخفاه الجميع عنها لسنوات. قال "زاهير" أخيرًا: "...كانت الليلة التي اختفت فيها فارسة الظل." تصلبت ملامح الملكة فورًا. أما "أوريانا"، فقد وضعت يدها على سيفها دون وعي. حتى "نيريون" رفع رأسه بسرعة. لكن "فايرُن" قال بصوت بارد: "اختر كلماتك جيدًا." اقترب "زاهير" خطوة أخرى. خفض صوته: "...كنت هناك." انتشرت الهمسات بين الحاضرين. شعرت الملكة بأن قلبها بدأ ينبض أسرع. تابع "زاهير": "كنت هناك عندما ترك الملك "إيراث" العرش. ثم نظر مباشرة إلى "سيرافينا":...وعندما حاولت فارسة الظل منعه." ارتجف شيء داخل الملكة. اسم واحد فقط خرج من شفتيها: "...ليورا." ذلك الاسم الذي لم يُذكر داخل القصر منذ سنوات طويلة. "ليورا". فارسة الظل. أو صيادة الظلال. كما يطلقون عليها في بعض الاراضي إحدى أكثر الشخصيات غموضًا في تاريخ المملكة الحديث. الشخص الذي اختفى في الليلة نفسها التي اختفى فيها الملك. قال "نيريون" ببطء: "إذن... لم تمت." ابتسم "زاهير". لكن ابتسامته كانت غامضة كعادتها: "لم أقل ذلك." وهنا انفجر صبر "فايرُن" أخيرًا: "كفى." ارتفع صوته لأول مرة. فالتفت الجميع إليه. نظر إلى الملكة مباشرة. وقال: "إذا فتحنا هذا الباب..." توقف لحظة. "...فلن نتمكن من إغلاق ما خلفه." شعرت "سيرافينا" أن الجميع ينتظر قرارها. لم يعد هناك طريق للعودة. كل خطوة منذ نبوءة "نيريون" قادتهم إلى هذه اللحظة. إلى هذا الباب. إلى هذا السر. تقدمت نحو الأحجار القديمة. وضعت يدها فوق سطح الباب البارد. أغمضت عينيها للحظة. ثم قالت: "لقد بدأ كل شيء بالفعل." في اللحظة التالية، بدأت الأحجار تهتز. صوت عميق خرج من داخل الجدار، كأن المكان يستيقظ من نوم دام قرونًا. تراجع بعض الحراس. بينما بدأت خطوط زرقاء قديمة تضيء بين الأحجار. ثم... بدأ الباب ينفتح. ببطء شديد. كأن الزمن نفسه يقاوم الحركة. ومع اتساع الفتحة، اندفعت رائحة قديمة من الداخل. رائحة غبار وورق وحجر عتيق. رائحة الماضي. ظهر خلف الباب ممر طويل. ثم قاعة ضخمة. أكبر مما توقعه الجميع. صفوف لا تنتهي من الكتب. خرائط قديمة معلقة على الجدران. أرفف ممتدة في الظلام. وأسرار نائمة منذ زمن بعيد. لكن شيئًا واحدًا جذب الأنظار فورًا. لوحة ضخمة. معلقة في نهاية القاعة. رجل يرتدي تاج أستاريا القديم. عيناه تنظران بثبات نحو الداخل. همست دافني: "...الملك إيراث." ساد الصمت. لكن "نيريون" لم يكن ينظر إلى اللوحة. كان يحدق في شيء آخر. شيء خلفها. اقترب خطوة. ثم أخرى. حتى ظهر الرمز بوضوح. رمز قديم محفور في الحجر. رمز لم يعد أحد يرغب برؤيته. رمز التاج المكسور. شعر بقشعريرة تسري في جسده. وهمس: "...يا للسماء." لكن قبل أن يستوعب أحد ما يعنيه ذلك، دوّى صوت خطوات سريعة داخل المكتبة. استدار الجميع. كانت "ميرال". دخلت وهي تلهث من شدة التعب. وجهها شاحب. وعيناها ممتلئتان بالقلق. انحنت أمام الملكة. "مولاتي... وصلت أخبار من الممالك." رفعت "سيرافينا" رأسها فورًا: "أي ممالك؟" أجابت" ميرال": "مملكة العرب... ومملكة البدو." اقترب الجميع. قالت ميرال: "في مملكة العرب، علماء النجوم يقولون إن السماء تغيّرت." ساد الصمت. ثم أكملت بصوت أخفض: "...وفي مملكة البدو." ابتلعت ريقها. "...هناك شيء يتحرك تحت الرمال." شعر الجميع بأن البرودة داخل القاعة ازدادت. أما "نيريون"، فرفع رأسه ببطء. نظر إلى رمز الأشباح. ثم إلى السقف. ثم قال بصوت جعل القاعة كلها تصمت: "...ليس تحت الرمال فقط." وتوقف لحظة. "...بل تحت العالم كله. وفي مكان بعيد جدًا... خلف الجبال السوداء... في أعماق مملكة "غورموث"... كان رجل يرتدي عباءة سوداء يقف أمام نار زرقاء متراقصة. دخل "زاهير" القاعة بهدوء. وانحنى قليلًا. سأله الرجل: "إذن بدأت اللعبة." رفع "زاهير " عينيه. لكن ابتسامته هذه المرة كانت مختلفة. أهدأ. وأخطر. ثم قال: "...بل بدأت الذكريات." رفع الرجل قطعة صغيرة من حجر أزرق محترق. حجر يشبه الرماد المتجمد. وقال: "كتاب الرماد الأزرق لن يبقى في أستاريا طويلًا." ساد صمت قصير. ثم أجابه زاهير بهدوء: "...ولا الملكة."