ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 11: القسم الخامس

القسم الخامس

بدأ الضيق يظهر على الوجوه. بدأ المال ينقص، بدأ الكلام يكثر. لم تكن المشكلة في البيت نفسه. كان البيت كبيرًا وجديدًا. المشكلة كانت في المكان. في البعد. في العزلة. في الطريق الترابي الطويل. في أن العمل بعيد. في أن السوق بعيد. في أن كل شيء بعيد. حتى الناس... بعيدون. كنت أسمع هذه الأشياء دون أن أفهمها كلها، لكنني كنت أشعر بها. كنت أراها في وجوه الكبار، وفي الصمت الذي صار يزور البيت أكثر من السابق. بدأت أسمع كلمة "نبيع" مرة أخرى. وفي كل مرة كنت أسمعها، كنت أنظر نحو البيت دون أن أعرف لماذا. كنت قد بدأت أتعلق به. بالغرف. بالممرات. بالسلالم. حتى بالأصوات الصغيرة التي تصدرها الأبواب عندما تفتح وتغلق. في ذلك الشهر، كنا ما نزال نذهب إلى الحجارة. مكاننا الخاص. كنا نجلس على الصخرة الكبيرة، نجمع الحصى الملونة، ونرتبها فوقها كأنها كنوز. وكانت تلك الساعات من أجمل ساعات النهار بالنسبة لي. هناك لم يكن أحد يتحدث عن المال أو البيع أو الانتقال. هناك كنا مجرد أطفال. كنت أحيانًا أذكر أبي وهو يقصً لي عن الجن في الأراضي المهجورة، وأتخيل أن الحجارة قديمة جدًا. لكن ذات يوم، مرّ رجل من البيوت البعيدة. ضحك حين رآنا هناك وقال: "هذه بقايا مشروع قديم. كانوا يريدون بناء خزانات ماء هنا... أو شيء من هذا القبيل. يتركوه منذ سنوات." نظرنا جميعًا إلى بعضنا. كان تفسيرًا عاديًا جدًا. لكنني لا أعرف لماذا لم أشعر بالارتياح الكامل له. ربما لأنني كنت أحب الغموض أكثر مما ينبغي. وربما لأن المكان كان قد أصبح جزءًا من خيالي. بعد أن غادر الرجل، جلست فوق الصخرة أحدق في الحجارة الكبيرة المنتصبة قرب البور. كانت الشمس تميل نحو الغروب، والظلال تمتد فوق الأرض الجافة. شعرت للحظة أن المكان أقدم من كل ما يقوله الناس. أقدم من المشروع. وأقدم من البيوت. وأقدم حتى من الطريق الترابي نفسه. كان مجرد إحساس. إحساس طفل يجلس وحده وينظر بعيدًا. لكن ذلك الإحساس ظل يرافقني كلما مررت من هناك. وفي بعض الأمسيات، عندما كانت الريح تهب فوق الأرض المفتوحة، كنت أسمع صفيرها بين الحجارة بطريقة غريبة قليلًا. لم يكن صوتًا مخيفًا، لكنه كان يشبه الهمس أحيانًا. همسًا لا يقول شيئًا مفهومًا. فقط يمر. ثم يختفي. ومع مرور الأيام، صار الحديث عن بيع البيت أكثر وضوحًا. لم يعد مجرد كلمة عابرة. أصبح موضوعًا يتكرر في البيت. وأصبحت ألاحظ أن أبي يقف أحيانًا طويلًا في الفناء، ينظر إلى الجدران الجديدة التي بناها بيده قبل سنوات. أما أمي، فكانت تواصل أعمالها اليومية كعادتها، لكنها بدت أكثر صمتًا من السابق. كنت أرى ذلك كله دون أن أفهمه تمامًا. لكنني كنت أشعر أن شيئًا ما يقترب. شيئًا سيغيّر حياتنا مرة أخرى. ولم أكن أعرف أن الأيام القادمة كانت تخبئ لنا قرارًا جديدًا. نظرت إلى الحجارة من جديد. لم تعد تبدو طقوسًا. بدت فقط... مهملة.... شيئًا تركه الزمن وراءه ونسي أن يعود إليه. كانت الشمس تميل نحو الغروب، والظلال تتمدد فوق الأرض الواسعة. لم يكن هناك أحد حولنا. لا أصوات أطفال، ولا أصوات سيارات، ولا حتى نباح الكلاب الذي اعتدنا سماعه من بعيد أحيانًا. فقط الريح. ريح خفيفة تمر بين الحجارة ثم تختفي. حين تهب الريح مساءً، كنت أشعر أن المكان يعرف أسماءنا. لا أعرف لماذا كنت أشعر بذلك. ربما لأننا قضينا فيه ساعات طويلة. وربما لأن الطفل أحيانًا يمنح الأشياء روحًا دون أن يقصد. لم يحدث شيء كبير في ناحية "الجوادين“. لم تسقط البيوت. لم تنشق الأرض. لم تظهر أشباح. لم يقع شيء مما كنت أتخيله وأنا أستمع إلى قصص الكبار، لكن حدث شيئًا آخر. كل شيء كان يتآكل ببطء. المال بدأ يقل. الكلام بدأ يكثر. الوجوه بدأت تصمت. وصار أبي يجلس طويلًا أمام الباب، ينظر إلى الطريق الترابي البعيد. كانت تجاعيد وجهه تبدو أوضح من قبل، رغم أنني لم أكن أفهم معنى التعب الذي يحمله الكبار في داخلهم. وكانت أمي تمضي بين غرف البيت الجديد بهدوء. تمشي أبطأ منذ عضّة الكلب، وعرجتها الخفيفة لا تختفي. البيت الذي حلمت به سنوات طويلة. البيت الذي بُني بعد تعب طويل. البيت الذي لم يسكنه الفرح كما كانت تتمنى. "هاشم" و"عاصم" لم يعودا إلا قليلًا. بين فترة واخرى، "هيام" تخرج في الظلام وتعود في الظلام. والبيت... أصبح أهدأ مما ينبغي. حتى نحن... لم نعد نذهب إلى الحجارة كل يوم. كان هناك شيء آخر تغير دون أن ننتبه له مباشرة. في الأسابيع الأولى كنا نتحدث عن البيت الجديد كل يوم تقريبًا. عن الغرف، وعن الأرض، وعن الحجارة، وعن الطريق الطويل إلى المدرسة. أما الآن فقد أصبح كل شيء عاديًا. البيت الذي بدا غريبًا في البداية أصبح مألوفًا. والطريق الذي بدا طويلًا أصبح جزءًا من يومنا. حتى الريح التي كانت تزعجني في الأيام الأولى صرت أعرف صوتها جيدًا. كنت أميزها وهي تمر قرب النوافذ ليلًا، أو وهي تحرك الأعشاب اليابسة في الأراضي البعيدة. الغريب أن الإنسان يبدأ بالتعلق بالأماكن في اللحظة نفسها التي يبدأ فيها بالاستعداد لتركها. لم أفهم ذلك وقتها. لكنني كنت أشعر به. كلما سمعت الكبار يتحدثون عن البيع والرحيل، كنت أنظر حولي أكثر من السابق. إلى الجدران. إلى الممرات. إلى الباب الخارجي لغرفتي. وإلى الطريق الممتد أمام البيت. كأنني أحاول أن أحفظ كل شيء داخل ذاكرتي قبل أن يختفي مرة أخرى. وفي تلك الفترة وصلنا خبر أحزن العائلة كلها. توفيت خالتي "ميريام“. لم تكن وفاتها مفاجئة تمامًا للكبار، لكنها كانت مؤلمة. كانت حالتها تزداد صعوبة مع مرور السنوات، وكانت جدتي تتحمل عبئًا كبيرًا في رعايتها. كانت تطعمها. وتغسل لها ملابسها. وتساعدها على تبديل ثيابها. وأحيانًا تنظفها كما تنظف الأم طفلًا صغيرًا. فبعد الحادثة التي تعرضت لها قبل سنوات، لم تعد قادرة على الاعتناء بنفسها كما يفعل الناس عادة. أتذكر الحزن الذي خيم على بيت جدي. وأتذكر وجه جدتي أكثر من أي شيء آخر. كانت متعبة. متعبة بطريقة لا يستطيع الأطفال فهمها تمامًا. وحين سمعت بخبر وفاتها لم أبكِ كثيرًا، ربما لأنني لم أفهم الموت كما أفهمه اليوم. لكنني شعرت أن شخصًا كان موجودًا دائمًا في زياراتنا العائلية أصبح فجأة غير موجود. وشعرت أن شيئًا من البيت القديم رحل معها أيضًا. في أحد الأيام عدت وحدي إلى هناك. وأنا في طريقي إلى الحجارة تذكرت "ميريام" فجأة. لا أعرف لماذا جاءت إلى ذهني في تلك اللحظة بالذات. ربما لأن المكان كان هادئًا. وربما لأنني كنت وحدي. تذكرت يوم نظرت إليّ طويلًا في بيت جدي وقالت بصوتها المتقطع: "أنت مبارك..." ثم قالت شيئًا عن مستقبل أو شأن كبير لم أفهمه وقتها. أتذكر أن الجميع ضحكوا بعدها، وقالوا إنها تتكلم كثيرًا بكلمات لا معنى لها. لكن الغريب أنني لم أنسَ تلك الجملة أبدًا. لم أكن أصدقها. ولم أكن أكذبها. كانت فقط واحدة من الأشياء الغريبة التي بقيت معلقة في ذاكرتي دون تفسير. جلست على الصخرة الكبيرة. جمعت بعض الحصى بين يدي. ثم تركتها تسقط ببطء فوق الأرض. نظرت إلى الحفرة الصغيرة قرب الحجر. كانت أكبر قليلًا مما أتذكر. أو ربما كنت أنا الذي كبرت قليلًا. لا أعرف. وقفت أمامها للحظات. كانت الريح تتحرك بخفة فوق الأرض. وفي تلك اللحظة رأيت ريشة بيضاء صغيرة تمر أمامي مع الهواء. هبطت للحظة فوق التراب ثم ارتفعت من جديد واختفت. تابعتها بعيني حتى ضاعت بعيدًا. لم يكن في الأمر شيء مهم. مجرد ريشة حملتها الريح. لكنني بقيت أحدق في الاتجاه الذي اختفت فيه لثوانٍ أطول مما ينبغي. وكأن شيئًا داخلي كان يشعر أن بعض الأشياء الصغيرة لا تمر عبثًا. ثم عدت أنظر إلى الحفرة وإلى الأرض من حولي، وعاد ذلك الصمت الواسع الذي كانت تعرفه أرض البور أكثر من أي مكان آخر. شعرت بذلك الإحساس القديم نفسه. إحساس غامض لا يشبه الخوف. ولا يشبه الفضول. شيء بينهما. شيء لا أستطيع أن أسميه. رفعت رأسي نحو البيوت البعيدة. ثم نحو الطريق. ثم نحو السماء التي بدأت تكتسي بلون الغروب. وفجأة تذكرت شيئًا. هذا البيت. وهذه الأرض. وهذه الحجارة. وهذا الطريق الطويل. كلها أصبحت جزءًا مني. حتى لو رحلت عنها. ركضت نحو البيت. دخلت غرفتي. الغرفة ذات الباب الخارجي. وقفت عند الباب للحظة. كانت أول غرفة شعرت يومًا أنها تخصني. لم تكن كبيرة. ولم تكن فخمة. لكنها كانت أول مكان شعرت أنه لي وحدي. مررت يدي على الجدار. لم أشعر بشيء مختلف. كان الطريق الترابي هو نفسه. والريح هي نفسها. والبيوت البعيدة كما هي. بهدها أغلقت الباب خلفي. بعد أسبوع، جاء رجل مع أبي. تحدثا طويلًا في غرفة المعيشة. سمعت الكلمة مرة أخرى. «نبيع». هذه المرة لم أكن طفلًا صغيرًا لايفهم معناها. ولم أشعر بالمفاجأة، لم أبكِ فهمت شيئًا واحدًا فقط. أننا سنرحل. وحين جاءت سيارة النقل مجددًا بعد أيام، كنت أعرف الطريق الذي سنسلكه. وأعرف البيوت التي سنتركها. وأعرف الصخرة الكبيرة. وأعرف الحجارة. لكنني لم أعد ألتفت إليها كثيرًا. كأنني كنت أخشى أن أنظر إليها للمرة الأخيرة. صعدنا فوق الأثاث كما في المرة الأولى. لكن شيئًا داخلي كان مختلفًا. في المرة الأولى كنت ذاهبًا إلى مكان جديد. أما الآن… فكنت أغادر مكانًا أصبح جزءًا من ذاكرتي. كانت الحقول تمتد خلفنا. والريح تثير التراب الأصفر خلف السيارة. والبيوت تتراجع شيئًا فشيئًا. حتى اختفت. نظرت آخر مرة من خلف السيارة. لم أرَ الحجارة. ولم أرَ البور. لكنني شعرت أنهما ما زالا هناك. ينتظران الريح. وينتظران المطر. وينتظران أطفالًا آخرين يأتون بعدنا. كنت أنظر إلى البيت. كبر قليلًا في عينيّ... ثم صغر... ثم اختفى خلف الغبار. لم أكن أعرف أن القادم مختلف تمامًا. لم أكن أعرف أن في هذا المكان، رغم قصرها، ستبقى أطول من ستة أشهر داخلي. تحركت السيارة. واختفت أرض البور خلف الغبار. وأمامنا… كانت "بغداد“.

ختام الفصل الثاني