ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 10: القسم الرابع

القسم الرابع

وقفت أتأملها بصمت. بينما كان "سهام" و"وسام" يتحركان حولها ويلتقطان الحجارة الصغيرة ويرميانها بعيدًا. قررى فورًا: "هذا مكاننا." أما أنا فبقيت أحدق فيها. شعرت للحظة أن المكان أقدم من كل ما حوله. أقدم من البيوت. وأقدم من الطرق الترابية. وأقدم حتى من القصص التي كان الكبار يروونها. طبعًا كنت طفلًا. ولم أكن أملك أي دليل على ذلك. لكنه كان مجرد إحساس. إحساس عابر مر داخلي بسرعة.ثم اختفى. أو هكذا ظننت وقتها. جلسنا هناك. جمعنا حصى بألوان مختلفة، ووضعناها فوق الصخرة الكبيرة. أحيانًا نحضر معنا خبزًا أو تمرًا، ونجلس هناك نأكل بعد المدرسة. كان أول مكان خاص لنا، لا يرانا فيه أحد، ولا نرى فيه أحدًا. لم تكن الصخرة بالنسبة لنا مجرد حجر كبير وسط أرض مهجورة. كانت أشبه بجزيرة صغيرة وسط بحر من التراب والأعشاب اليابسة. حين نجلس فوقها نشعر وكأننا ابتعدنا عن العالم كله، عن أصوات البيوت، وعن نداءات الأمهات، وعن ضجيج الأطفال في الأزقة. كانت الريح تمر أحيانًا فوق الأرض المفتوحة وتحرّك أطراف ملابسنا، فنلتفت تلقائيًا نحو مصدر الصوت ثم نعود إلى حديثنا أو لعبنا. وكانت الشمس، كلما اقترب العصر، تصبغ الحجارة بلون ذهبي خافت يجعل المكان يبدو أقدم مما هو عليه. وفي إحدى المرات، بينما كنا نجمع الحصى، لاحظت حفرة صغيرة قرب أحد الأحجار... لم تكن عميقة. لكنني لا أذكر لماذا توقفت أمامها قبل أن أنحني وأنظر داخلها. لم أرَ شيئًا. لكنني شعرت أن الظلام داخلها أعمق مما يبدو. كان مجرد إحساس عابر، إحساس طفل لا يعرف كيف يفسر ما يشعر به، لكنه بقي للحظة أطول مما ينبغي. لا أعرف لماذا أطلت النظر.كانت حفرة صغيرة عادية... لكنني شعرت لثوانٍ أنني لو بقيت أحدق أكثر سأرى شيئًا يتحرك في العمق. لم أتحرك. لم أرَ شيئًا. ولم يخرج شيء. لكن ذلك الإحساس الغريب بقي عالقًا داخلي بقية النهار، دون سبب واضح. وفجأة هبت الريح بقوة، وارتفع الغبار حولنا. سمعت "سهام" تناديني باسمي. انتبهت كأنني كنت بعيدًا، وعدت إليهم. سألتني: "ماذا تنظر؟" أشرت إلى الحفرة. اقترب "وسام" وانحنى قليلًا ثم قال ضاحكًا: "لا يوجد شيء." وضحكت أختي وعادوا إلى جمع الحصى، بينما بقيت أنظر إليها ثانية لثوانٍ قصيرة قبل أن أبتعد. لكن في تلك الليلة، حين أغمضت عيني، كانت الحفرة أكبر مما كانت عليه في النهار، ولم أخبرأحد. ومع ذلك رأيتها في الحلم. رأيت الأرض نفسها. والصخرة نفسها. والحفرة نفسها. لكن الريح كانت أقوى. والسماء كانت رمادية على غير عادتها. ورأيت الحصى الذي جمعناه فوق الصخرة يتحرك ببطء شديد، كما لو أن أحدًا يمرر أصابعه تحته. استيقظت بعد ذلك مباشرة. جلست على فراشي للحظات أستمع إلى أصوات البيت النائمة. كان كل شيء هادئًا. صوت أنفاس إخوتي، واحتكاك الأشجار البعيد خارج النافذة، وصوت كلب ينبح في مكان بعيد. قلت لنفسي إنه مجرد حلم. ثم عدت إلى النوم. ومنذ ذلك اليوم صارت أسئلتي عن ناحية "الجوادين" أكثر من قبل. والأسئلة... أخطر من المطر. كنت كلما مررت بالمكان أنظر نحوه دون أن أشعر. وكانت البيوت غير المكتملة القريبة من بيتنا تزيد ذلك الإحساس غرابة. كنت أراها كل يوم تقريبًا، واقفة بصمت، بلا أبواب ولا شبابيك، والحديد الخارج من سقوفها يشبه أصابع سوداء تشير إلى السماء. في النهار كانت تبدو عادية، مجرد بيوت بدأ أصحابها ببنائها ثم تركوها. لكن عند الغروب كانت تتغير. في إحدى المرات، بينما كنت عائدًا وحدي من طرف الأرض، رأيت شيئًا يتحرك داخل أحد تلك البيوت. توقفت مكاني. كان هناك ظل طويل على الجدار، كأنه شخص واقف في الداخل. شعرت أن قلبي توقف للحظة. لم أصرخ، ولم أركض فورًا. بقيت أحدق فيه، مقتنعًا أنني أرى جنًا أو شيئًا لا يجب أن يكون هناك. ثم تحركت الريح قليلًا، واكتشفت أن الظل لم يكن سوى ظل تل صغير وقضيب حديدي بارز من السقف. لكن الخوف لم يختفِ مباشرة. بقي في صدري حتى بعد أن فهمت الحقيقة، لأن الطفل لا يصدق عقله دائمًا حين يكون خائفًا. أحيانًا يرى التفسير بعينه، لكن قلبه يبقى عالقًا في الاحتمال الآخر. أحيانًا أبحث عن الحفرة نفسها، وأحيانًا عن الحجارة الكبيرة، وأحيانًا عن شيء لا أعرفه أصلًا. كانت مجرد أرض مهجورة في نظر الجميع. لكن شيئًا داخلي كان يخبرني أن المكان يخفي قصة أقدم من الحجارة والتراب. في الأيام التالية بقينا نذهب إلى هناك كلما سنحت الفرصة. نركض فوق الأرض الواسعة، ونجلس على صخرتنا الكبيرة، ونتبادل الحكايات التي نسمعها من الكبار. كان "وسام" يخترع قصصًا من عنده أحيانًا، فيدعي أن هناك كنزًا مدفونًا تحت الصخرة، أو أن رجالًا غرباء عاشوا هناك قبل سنوات طويلة، بينما كانت "سهام" تصدق نصف القصة وتشك في نصفها الآخر. أما أنا فكنت أستمع أكثر مما أتكلم. أنظر إلى الأرض. إلى الحجارة. إلى الريح وهي تمر فوق الأعشاب اليابسة. وأشعر بذلك الإحساس القديم نفسه. إحساس صغير وغامض. لا خوف فيه. ولا خطر. فقط شعور بأن بعض الأماكن تحتفظ بأسرارها طويلًا، حتى بعد أن يرحل عنها الجميع. ومرت الأسابيع الأولى سريعًا، وكان البيت قد امتلأ بالأثاث أكثر من السابق، وبدأت ملامح حياتنا الجديدة تستقر شيئًا فشيئًا. لكن الحياة لم تكن تنوي أن تبقى هادئة طويلًا. بعد فترة شهر تقريبًا، قرر "هاشم" و"عاصم" أن يتركا البيت ويسكنا عند جدي. قالا إن العمل هناك أفضل، لم أفهم الأمر وقتها، لكنني شعرت أن البيت أصبح أوسع... وأفرغ. كان أبي يجلس في البيت معظم الأيام. لا مصنع هنا، ولا ورش صناعية، لا عمل قريب. أمي أيضًا لم تعد تخيط كما كانت. النساء هنا قليلات، والطلبات نادرة. كنت أرى ذلك كله بعيني الطفل دون أن أفهمه كاملًا. لم أكن أعرف معنى أن يقل العمل أو أن تضيق الأحوال، لكنني كنت ألاحظ أشياء صغيرة؛ أن أبي أصبح يقضي وقتًا أطول في البيت، وأن أمي كانت تحسب مصروفاتها أكثر من السابق، وأن الأحاديث التي تدور بينهما ليلًا أصبحت أطول وأهدأ. أحيانًا كنت أستيقظ ليلًا لأشرب الماء، فأرى ضوء الغرفة ما زال مشتعلًا، وأسمع أصواتهما المنخفضة تتحدث عن أمور لا أفهمها. كنت أعود إلى فراشي مباشرة، لكن شعورًا خفيفًا كان يبقى داخلي بأن الكبار يحملون همومًا لا يراها الأطفال. وفي إحدى زياراتنا العادية إلى بيت جدي وجدتي، وكنا نبيت عندهم، حدث شيء بقي في ذاكرتي طويلًا. كنا نبيت هناك أحيانًا، وكان بيت جدي مختلفًا عن بيتنا. أقدم، أدفأ، ومليئًا بالأصوات حتى في الليل. بعد أن ينام الجميع، كنت أسمع أحيانًا أصواتًا خفيفة تأتي من الممر أو من جهة المطبخ. خطوات صغيرة. صوت شيء يتحرك. وأحيانًا رنين أوانٍ خفيف، كأن أحدًا دخل المطبخ ثم خرج. في البداية ظننت أن أحد إخوتي استيقظ قبلي. لكنني حين رفعت رأسي لم أرَ أحدًا. في الصباح أخبرت جدي بما سمعت. ابتسم بهدوء، وكأنه لم يستغرب، ثم قال إن في كل بيت "عمار المكان". قالها ببساطة شديدة، كأنه يتحدث عن جيران نعرفهم. ثم أخبرني أنه حين كان طفلًا كان يرى أحيانًا أطفالًا لا يعرفهم، يلعبون في زوايا البيت ويختفون بسرعة. لم أفهم كلامه تمامًا. لكنني لم أنسه. في تلك الليلة، حين عدنا إلى البيت، ظللت أفكر في الأطفال الذين لا يراهم أحد. وكنت أتساءل إن كانت البيوت تحفظ من سكنها، أو إن بعض الأماكن لا تكون فارغة أبدًا كما نظن. بعنا سيارتنا القديمة، واشترينا سيارة صغيرة. وما بقي من المال... كنا نعيش منه. كل أسبوع مرة أو مرتين، نذهب إلى أيٍ من أسواق المدينة لشراء ما نحتاجه. كان الطريق طويلًا، والعودة دائمًا متعبة. لكنني كنت أحب تلك الرحلات. كنت أجلس قرب النافذة أراقب الحقول وهي تمر، وأعدّ أعمدة الكهرباء، وأنظر إلى القرى البعيدة التي تظهر ثم تختفي. كانت الدنيا تبدو أكبر بكثير من عالمنا الصغير في ناحية "الجوادين"، وكل رحلة كانت تمنحني إحساسًا بأن هناك أماكن كثيرة لم أرها بعد. أما نحن، أنا و"سهام" و"وسام"، فكنا نمشي أكثر من كيلومتر في الطين لنصل إلى أقرب مدرسة. في الشتاء كانت الأرض تتحول إلى عجين لزج، نصل أحيانًا وأحذيتنا مغطاة بالطين. وكان الشتاء في تلك المنطقة مختلفًا. المطر لا يتوقف أحيانًا لأيام متتالية، والطرق الترابية تصبح أثقل مع كل خطوة. كنت أشعر أن الحذاء نفسه يزداد وزنًا كلما مشيت أكثر. كنا نتوقف أحيانًا لنكشط الطين العالق بأسفل أحذيتنا بعصا أو بحجر صغير، ثم نكمل الطريق من جديد. وفي بعض الأيام كنا نصل إلى المدرسة وملابسنا قد تناثرت عليها بقع الطين، فنحاول تنظيفها بأيدينا قبل دخول الصف. ثم نعود، ننظفها قبل أن ندخل البيت, وأحيانًا... نعود فنجد البيت مقفلًا. لم أكن أعرف لماذا لم تكن أمي تترك لنا المفتاح. كانت تقول: "هكذا أفضل." ولم أكن أسأل أكثر. كنا نجلس قليلًا أمام الباب، أو نقف تحت المظلة الصغيرة القريبة من المدخل حتى تعود. في البداية كان الأمر يبدو كأنه انتظار عادي، لكن مع مرور الوقت صار لذلك الانتظار شعور خاص أعرفه جيدًا. شعور الطفل الذي يرى بيته أمامه لكنه لا يستطيع الدخول إليه. كنت أجلس على العتبة أحيانًا، أراقب الطريق الممتد أمام البيت. وأراقب الغبار الذي تحركه السيارات القليلة حين تمر من بعيد. كانت الدقائق تبدو أطول مما هي عليه فعلًا. وأحيانًا كانت "سهام" تجلس بقربي وتبدأ برسم خطوط في التراب بطرف حذائها، بينما ينشغل "وسام" بمطاردة حشرة أو حجر صغير. أما أنا فكنت أراقب الباب. فقط الباب. كأنني أخشى أن أفوّت لحظة وصول أمي. ثم تفتح المرأة العجوز بيتها لنا التي تسكن مقابلنا، كانت تسكن هي وزوجها فقط، كل اولادها تزوجوا أوغادروا. كانت امرأة هادئة، في وجهها حزن قديم لا تقوله بالكلام. بيتها كان نظيفًا ومرتبًا، لكنه ساكن أكثر مما يجب، كأن غياب أولادها ترك فيه فراغًا لا يملؤه شيء. كانت تحب الحديث عن الأحلام والروح والأشياء التي لا يراها الناس. لم تكن تخيفنا، لكنها كانت تقول أحيانًا جملًا تجعلني أصمت وأفكر. وفي مرة، بينما كنت أجلس قرب النافذة أراقب بيتنا المقفل، نظرت إليّ طويلًا ثم قالت بصوت منخفض: "أنت يا سليم تسمع أكثر مما تقول... وبعض الأطفال لا يكبرون مثل البقية، يكبر معهم شيء آخر." لم أفهم ما قصدته. ابتسمت فقط، ثم عدت أنظر من النافذة. لكن جملتها بقيت في داخلي، مثل حجر صغير سقط في ماء ساكن وترك دوائر لا تنتهي. كانا طيبين. تُدخلنا، وتضع لنا خبزًا أو حساءً بسيطًا، حتى تعود أمي. كنت أراقب باب بيتنا من نافذتهم. كانت الشمس تميل نحو الغروب أحيانًا ونحن ما زلنا ننتظر، فيمتد ظل البيت طويلًا فوق الأرض الترابية، ويصبح المكان أكثر هدوءًا. وحين أسمع أخيرًا صوت خطواتها أو أراها قادمة من آخر الطريق، كنت أشعر براحة لا أفهم سببها تمامًا، رغم أن الأمر لم يكن يستغرق وقتًا طويلًا في أغلب الأحيان. أما "هيام“... فكان حالها أصعب. لم تتغير مدرستها الثانوية. كانت تبعد حوالي ثلاثين كيلومترًا على الشارع الرئيسي بين قضاء "الصواري" وبوابة بغداد. كانت تخرج قبل الشروق، وتعود مع المغرب. كنت أراها أحيانًا وهي تستعد للخروج بينما ما زالت السماء معتمة، تحمل حقيبتها وتغادر بصمت. وكانت تعود متعبة آخر النهار، والغبار عالق بثيابها من طول الطريق. لم أكن أفهم كيف تستطيع تحمل ذلك يوميًا. لكنها كانت تفعل. بهدوء. وكأن الأمر أصبح جزءًا من حياتها. في أحد الأيام، عادت أمي في أحد الأيام من المدرسة مساءً عبر الطريق الترابي المظلم. لا أعمدة إنارة، لا مصابيح، لم نرَ الكلب إلا حين كان قريبًا جدًا. بدأت تصرخ فركض من أمامها. انغرس فكه في ساقها. فصرخت. تجمعنا حولها. رأيت الدم على ملابسها. منذ ذلك اليوم، لم يعد أحد يقول إن ناحية "الجوادين" هادئة. كان المشهد قد طبع نفسه في ذاكرتي. لم تكن الإصابة خطيرة كما خفت في البداية، لكن رؤية الدم في ذلك المساء كانت كافية لتزرع شيئًا جديدًا في داخلي. كنت صغيرًا، وكل ما أعرفه أن الظلام أصبح يبدو أعمق قليلًا بعد تلك الحادثة.