القسم الثالث
لكن قبل أن أبتعد سمعت صوت "سهام" من خلفي. التفت إليها. كانت تنظر إليّ بعينيها الواسعتين ثم قالت: "لماذا هذه الغرفة بالذات؟ قلت بسرعة: "لأن أمي قالت أختار!" ثم سألتها باستغراب: "ما بها؟" "أنا أريدها!" ثم قالت وهي تشير إلى الغرفة الأخرى: "هذه افضل لك." نظرت إلى الغرفة التي أشارت إليها. ثم عدت أنظر إلى غرفتي. وبدأت أفكر فعلًا للحظة إن كنت قد استعجلت. لكنني كنت قد أعلنت اختياري بالفعل. فقلت بسرعة وكأنني أدافع عن قرار مصيري: "لا... هذه لي." وهكذا بدأ أول شجار بيننا. لم يكن ذلك الشجار الأخير بيني وبين "سهام“. كنا نتشاجر كثيرًا، ليس كرهًا، بل لأننا كنا قريبين من بعضنا أكثر مما نفهم. كل شيء صغير كان يمكن أن يتحول بيننا إلى معركة قصيرة. هذا مكاني. هذه لعبتي. هذا لي. لا، هذا لي. كلمات بسيطة، لكنها كانت تكفي لتملأ البيت بالصراخ والضحك والبكاء أحيانًا. كنا نتخاصم على لعبة، أو مكان جلوس، أو قطعة قماش، أو حتى على من يسبق الآخر إلى الباب. ثم بعد قليل نعود ونلعب معًا كأن شيئًا لم يحدث. ضَحِكت "هيام" على مشاجرتنا، وكانت تمر قربنا حاملة بعض الملابس.أما أنا فدخلت الغرفة مرة أخرى وأغلقت الباب نصف إغلاق. جلست على الأرض الفارغة. وحدي. لثوانٍ قليلة فقط. كنت أستمع إلى الأصوات القادمة من باقي البيت. صوت أمي. صوت إخوتي. صوت الأغراض وهي تتحرك. وصوت الريح خلف النافذة. وفي تلك اللحظة شعرت للمرة الأولى أن هذا المكان، رغم غرابته، بدأ يصبح بيتنا فعلًا. وهكذا بدأ أول نهار لنا في ناحية "الجوادين“. لم أكن أعرف وقتها أن هذا لن يكون الأخير. ولم أكن أعرف لماذا كنا نتشاجر دائمًا على الأشياء نفسها. لم أفهم لماذا غضبت هكذا. كانت مجرد غرفة، كنت أظن أن الأمر مجرد عناد بين أخ وأخته، ثم ننساها بعد ساعة أو ساعتين وكأن شيئًا لم يحدث. كنت أريد أن أكون وحدي أحيانًا. وهي لم تكن تريد أن تتركني وحدي. ربما لأننا انتقلنا إلى مكان جديد، وربما لأننا كنا جميعًا نحاول أن نجد مكاننا داخل هذا البيت الغريب. مرت أسابيع قليلة. وفي تلك الأسابيع بدأت مدرستي الجديدة أيضًا.كان الانتقال في منتصف السنة تقريبًا، وهذا جعل الأمر أصعب مما توقعت. دخلت الصف متأخرًا، والطلاب يعرفون بعضهم منذ شهور، والمعلمون يعرفون أسماءهم وطباعهم، أما أنا فكنت الطالب الجديد الذي جاء من مكان آخر. بعض الدروس كانت متقدمة عما درسته في مدرستي القديمة، وبعضها كنت قد أخذته بطريقة مختلفة. كنت أشعر أحيانًا أنني أركض خلف الحصص محاولًا اللحاق بها. وفي الفسحة، كانت ساحة المدرسة تمتلئ بالأولاد والركض والغبار والصراخ. في البداية كنت أقف مرتبكًا، لا أعرف مع من ألعب ولا أين أذهب. ثم تعرفت على" ضرغام“. صار أقرب أصدقائي هناك. كان يعرف المدرسة والأولاد، وبوجوده لم أعد أشعر أنني غريب تمامًا. كنا نلعب في الساحة أثناء الفسحة، نركض أحيانًا، ونجلس أحيانًا أخرى نتحدث عن البيت والمدرسة وكل الأشياء الصغيرة التي تبدو مهمة للأطفال. وبدأت الحياة تستقر شيئًا فشيئًا. كان البيت قد امتلأ بالأثاث، وامتلأنا نحن بالغبار. كل يوم بعد المدرسة، نخرج أنا و"سهام" و"وسام" نمشي بعيدًا عن البيت، نبحث عن شيء يشبه اللعب. تعرفنا على الطرق المحيطة بالبيت، وحفظنا أماكن البيوت القريبة، وأصبحنا نخرج بعد المدرسة لنتمشى في الأراضي المفتوحة الممتدة حولنا. لم يكن هناك الكثير مما يمكن للأطفال فعله. لا حدائق. ولا ألعاب. ولا أزقة مزدحمة كما في قضاء الصواري. لذلك كنا نصنع ألعابنا بأنفسنا من أي شيء نجده حولنا. أحيانًا نركض خلف إطار سيارة قديم. وأحيانًا نتسابق بين السواقي الترابية. وأحيانًا نجلس فقط فوق تل صغير من التراب ونتخيل قصصًا لا تنتهي. كنا نسمع كلامًا كثيرًا عن أرض البور. الكبار يتحدثون عنها دائمًا وكأنها مكان له تاريخ خاص. بعضهم يقول إن الأرض كانت قديمًا مزارع واسعة. وبعضهم يذكر قصصًا عن أراضٍ مهجورة وأناس رحلوا منذ سنوات طويلة. الجيران يقولون إن المكان قديم. أبي أحيانًا يذكر حكايات عن جن يسكن الأراضي المهجورة.كنت أضحك أمامه... لكنني أتذكر كل كلمة. كنت أستمع أكثر مما أتكلم. لم أكن أفهم معظم ما يقال. لكن بعض الكلمات كانت تبقى عالقة في رأسي. كلمات مثل: "الأرض القديمة" أو "البيوت المهجورة" أو "الناس الذين كانوا هنا قبلنا". لم تكن ناحية "الجوادين" مكانًا على الخريطة بقدر ما كانت حالة. أرضٌ ممتدة، منبسطة، لا ظلّ فيها إلا ظلّ الغيم إن مرّ، ولا صوت فيها إلا الريح وهي تمشّط أعشابها اليابسة. كان للمكان إحساس خاص. إحساس يصعب شرحه. سبع قطع أراضي متجاورة، يقول الكبار إن أصحابها ماتوا في سنوات مختلفة، وبقيت بلا زرع... فصارت تُعرف باسمها: البور. أي "القبر". في النهار يبدو كل شيء عاديًا. أما عند الغروب، حين تبدأ الشمس بالانخفاض وتطول الظلال فوق الأرض، كان المكان يتحول إلى شيء مختلف قليلًا. الريح تصبح أوضح. والصمت يصبح أعمق. والأفق يبدو أبعد مما هو عليه في الحقيقة. كانت الأرض منبسطة إلى حد يجعل النظر يمتد بعيدًا دون أن يعترضه شيء تقريبًا. وفي بعض الأيام كنت أقف أمام البيت وأنظر إلى البعيد فأشعر أن العالم أكبر مما كنت أتخيل. سمعت مرة أحد الرجال يقول لأبي: "هذه الأرض كلها كانت قبور قبل سنوات." لم أفهم الكلمة وقتها. لكنها تكررت كثيرًا بعد ذلك. ثم عرفت أن اسم المنطقة نفسه جاء من تلك الأراضي التي بقيت طويلة دون زراعة قبل أن يبدأ الناس بإعمارها شيئًا فشيئًا. في الشتاء كانت الأرض تتغير. حين تهطل الأمطار تصبح الحقول طينية، وتمتلئ المنخفضات الصغيرة بالماء. كانت آثار الأقدام تبقى واضحة فوق التراب الرطب أيامًا كاملة. وكنت أحب مراقبتها. أثر إنسان. أثر كلب. أثر عجلة سيارة. كلها تتحول إلى علامات صغيرة تحكي أن أحدًا مر من هنا قبل ساعات أو أيام. وكان الطريق إلى المدرسة يمر قرب بعض تلك الأراضي. كنا نعبرها أحيانًا ونحن نحاول القفز فوق الطين حتى لا تتسخ أحذيتنا. وأحيانًا نفشل تمامًا ونعود إلى البيت وأطراف ملابسنا مغطاة بالوحل. قال "عاصم" ذات صباح وهو يشير إلى أرض واسعة قرب الطريق: "لا تمشون من هناك... الأرض تبلع النعل." ضحكنا جميعًا. لكنني اكتشفت لاحقًا أنه لم يكن يمزح كثيرًا. فبعض الأماكن كانت رخوة لدرجة أن القدم تغوص فيها حتى الكاحل. ومع ذلك… كنت أحب المرور من أطرافها. كنت أحب مراقبة الماء الراكد بعد المطر. وأحيانًا كنت أقف لدقائق أحدق في تلك البرك الصغيرة دون سبب واضح. وأحب رؤية الغيوم منعكسة فوقه. وفي أحد الأيام، بينما كنا عائدين من المدرسة، رأيت طائرًا ميتًا قرب طرف الطريق. لا أتذكر إن كان غرابًا أو طائرًا آخر، لكنني أتذكر سواد ريشه فوق التراب الرطب. توقفت أنظر إليه. لم يكن منظره مخيفًا، لكنه جعلني أصمت. كان ساكنًا تمامًا، وجناحه ممدود قليلًا كأنه حاول الطيران في اللحظة الأخيرة ولم يستطع. ناداني "وسام" كي أكمل الطريق، فمشيت معهم، لكن صورة الطائر بقيت في رأسي ذلك اليوم كله. لا أعرف لماذا شعرت أن الأرض هنا لا تترك الأشياء ترحل بسرعة. كأن شيئًا ما في داخلي كان يحب التأمل أكثر من اللعب. أو ربما لأنني منذ طفولتي كنت ألاحظ أشياء لا ينتبه إليها الآخرون. أشياء صغيرة جدًا... لكنها كانت تترك أثرًا طويلًا في ذاكرتي. كان هناك شيء في تلك الأرض يجذبني. مساحة مفتوحة بلا سياج. بلا أشجار. بلا بيوت كثيرة. كأنها فراغ كبير تُرك وسط العالم لسبب لا أفهمه. كلما مررت بقربها كنت ألتفت إليها دون وعي، حتى عندما أكون منشغلًا بالحديث مع إخوتي أو بالطريق إلى المدرسة. في ذلك اليوم هبّت ريح وكان الجو مختلفًا قليلًا. لم يكن باردًا كما في الأيام السابقة، ولم يكن حارًا أيضًا. ريح انتقال كانت الريح تتحرك فوق أرض ناحية "الجوادين" بخفة، ترفع التراب الناعم ثم تتركه يعود إلى الأرض بدا عليها أنها تتنفس. وقفت للحظة أنظر إلى الامتداد الفارغ. كانت الأرض تبدو أكبر من المعتاد. وأهدأ من المعتاد. شعرت برغبة غريبة في أن أمشي داخلها قليلًا، فقط لأرى ما يوجد هناك. تخيلت نفسي أركض وحدي في ذلك الفراغ. ثم أتوقف. تخيّل لو صرخت ثم أختفي خلف الأفق. لم تكن فكرة حقيقية. كانت مجرد لعبة من ألعاب الخيال التي تراود الأطفال أحيانًا. لكنها بقيت عالقة في رأسي. وفي تلك الليلة، بينما كنا نجلس جميعا على العشاء ونتحدث عن هذا المكان قالت أمي إلى "وسام“: "الأرض لها أسرار... إذ لم تعرفها تتعبك". ثم اكمل أبي قائلأ: "أرض البور تخون صاحبها... إذا تركتها، تتركك. لم أفهم الجملة تمامًا. لكنها بقيت في ذهني. أنا أيضًا شعرت أحيانًا أني أرض تُركت قليلًا. وبطريقة غريبة تذكرتها وأنا أنظر إلى تلك الأراضي في الأيام التالية. بعد أسبوع تقريبًا، حدث شيء بسيط جدًا. شيء لم يلفت انتباه الكبار. لكنه لفت انتباهي أنا. وجدنا حفرة صغيرة في إحدى الأراضي القريبة. لم تكن كبيرة. ولا عميقة. لكن أحدًا لم يتذكر أنها كانت موجودة من قبل. وقفنا حولها نتأملها. قال "هاشم“: "إنها بفعل المطر." هز "وسام" رأسه موافقًا. لكن رجلًا من الجيران كان يمر بالقرب منا فقال: لا... هذه ليست جديدة بسبب المطر. سكتنا جميعًا. ثم أكمل طريقه دون أن يشرح شيئًا. سألته أمي من بعيد: "كيف ذلك؟" فأجاب وهو يبتعد: "أحيانًا تنشق الأرض وتغلق وحدها." ضحك بعض الكبار. لكنني لم أضحك. لأن الرجل قالها بطريقة جعلتني أشعر أنه يؤمن فعلًا بما يقوله. قالت أمي وهي تلوح بيدها: "لا تقربون منها." فأجبنا جميعًا: "حسنأ." وفي الحقيقة لم نكن ننوي الاقتراب كثيرًا. لكن فضول الأطفال أقوى من كثير من الأشياء. في أحد الأيام التالية ذهبنا انا و"سهام" و"وسام" ناحية الدائرة الحجرية التي كنت أراها منذ وصولنا إلى ناحية "الجوادين“. كلما مر الوقت أصبحت أكثر فضولًا بشأنها. من بعيد كانت تبدو كومة حجارة فقط. أما حين اقتربنا منها فقد بدت مختلفة. ثلاث حجارات كبيرة موضوعة بشكل شبه دائري. وحولها وحولها حجران متقابلان كأنهما مقعدان.. كانت الصخرة الكبيرة في الوسط تشبه طاولة قديمًا. أو شاهد قبر ضخمًا. أو شيئًا لا أعرف له اسمًا. وبينما كنت أتفحص إحدى الصخور، لاحظت كلمات وخطوطًا محفورة بفعل الزمن. معظمها كان مطموسًا، لكن كلمة واحدة بقيت واضحة نسبيًا: "أستاريا". لم أعرف معناها يومها، وظننت أنها مجرد اسم لشخص مر من هنا قبلي.