ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 8: القسم الثاني

القسم الثاني

كنت أحاول أن أتعرف على المكان، وأن أحفظ تفاصيله الأولى. الأطفال عادة يربطون أنفسهم بالأماكن بسرعة؛ شجرة يعرفونها، جدارًا اعتادوا الجلوس قربه، أو شارعًا يحفظون ملامحه. أما هنا فلم أجد شيئًا مألوفًا أتشبث به. ضحكت أختي "سهام" وقالت ممازحة: "في آخر الكرة الأرضية!" ثم ضحكت أختي "هيام" وقالت: "يمكن مختبئين." ثم أشارت بيدها إلى الدائرة الحجرية البعيدة وأضافت: "أو ربما يسكنون هناك." ضحك إخوتي. أما أنا فبقيت أنظر نحو الحجارة بصمت. لم أفهم المزحة تمامًا، لكنني شعرت بقشعريرة خفيفة مرت في جسدي دون سبب واضح. كانت أمي تستعد لإنزال الأغراض، تلتقط طرف عباءتها حتى لا يلامس التراب، وتوجه الجميع إلى أماكن وضع الصناديق والأكياس. ثم قالت وهي تنظر حولها: "الحمد لله... أهم شيء صار عدنا بيت. هذا ما وجدناه بنفس سعر بيتنا القديم, البيوت القريبة من السوق غالية... ولا تكفي نقودنا. كان في صوتها شيء من الراحة. ربما لأنها كانت ترى ما لا أراه أنا. كانت ترى الاستقرار. أما أنا لم أعلّق. كنت ما أزال أنظر إلى الأرض الواسعة. فكنت أرى أرضًا جديدة بالكامل. أرضًا لا أعرف عنها شيئًا. تقدمت نحو أبي الذي كان يحمل أحد الصناديق الكبيرة. سألته: "هذا بيتنا؟" ابتسم ابتسامة خفيفة وقال: "نعم... هذا بيتنا الجديد." أعدت النظر إليه مرة أخرى. كنت أنتظر أن أشعر بشيء. أن أشعر بأنه بيتي. لكن ذلك لم يحدث بعد. انتبهت إلى أبي وهو يمد لي صندوقًا: " خذ هذا يا سليم." ثم أمسكني من كتفي ودخلنا من الباب الرئيسي. كان هناك مكان يتسع لوقوف سيارة واحدة، لكن لم تكن هناك حديقة مثل التي تركناها في الصواري. لا شجرة برتقال. لا شجرة التين. لا زرع. ولا ذلك اللون الأخضر الذي اعتدت أن أراه كل صباح. نظرت إلى الفناء مرة أخرى. ثم إلى السماء. ثم إلى الأرض الممتدة خارج الجدار. وفي تلك اللحظة شعرت للمرة الأولى أن ناحية الجوادين ليست مجرد مكان جديد... بل عالم مختلف تمامًا عما عرفته من قبل. رأني أبي أنظر، وقال بهدوء: " بيتنا القديم كان مئتي متر، ومعه مئة متر حديقة. هذا ثلاثمئة متر... لكن بدون حديقة." هززت رأسي فقط. لم أكن أعرف ماذا أقول. كنت ما أزال أقارن كل شيء بما تركناه خلفنا. البيت الجديد بدا أكبر من بعض النواحي، لكنه كان يفتقد أشياء صغيرة لم يكن الكبار ينتبهون إليها، بينما كانت تعني لي الكثير. في واجهة البيت بابان. باب عريض قريب من الشباك الكبير، وباب آخر في نهاية ممر ضيق يمتد بمحاذاة الكراج. وقفت أتأملهما قليلًا. كل باب في طفولتي كان يعني اكتشافًا جديدًا. وكل غرفة جديدة كانت تبدو لي كأنها عالم مستقل بحد ذاته. دخلت من الباب العريض. كانت رائحة الإسمنت والطلاء القديم ما تزال عالقة في المكان. لم تكن رائحة بيت سكنه الناس لسنوات طويلة، بل رائحة بيت ما يزال يتعلم كيف يصبح بيتًا. كان المطبخ أول ما رأيته. توقفت عند الباب للحظات قبل أن أدخل. كنت أراقب المكان كما يراقب طفل عالمًا جديدًا بالكامل. لم يكن المطبخ كبيرًا، ولم يكن فيه شيء مميز فعلًا، لكنني كنت أنظر إلى كل زاوية وكأنها تخفي سرًا صغيرًا. حتى الأصوات كانت مختلفة. صوت خطواتنا فوق الأرضية. صوت الصناديق وهي توضع على الأرض. وصوت أمي وهي تفتح الأكياس وتخرج الأواني. كل ذلك كان جديدًا على أذني. في بيتنا القديم كنت أعرف مكان كل شيء حتى وأنا مغمض العينين. أما هنا فكنت أشعر أنني ضيف في بيت شخص آخر، أحاول أن أحفظ الطريق بين الغرف حتى لا أضيع. غرفة بسيطة، جدرانها فارغة تقريبًا، وفي أحد الأركان بعض الأواني التي بدأت أمي بترتيبها بسرعة وكأنها تريد أن تمنح المكان روحًا منذ اللحظة الأولى. وضعت الصندوق الذي أحمله على الأرض. ثم بدأت أتجول. مطبخ. غرفة معيشة. غرفة نوم. كنت أكرر أسماء الغرف في رأسي وأنا أمر بينها. أحاول أن أحفظ الطريق، وأتخيل أين ستوضع الأسرة والخزائن والطاولة، وكيف سيبدو البيت بعد أيام حين تمتلئ الغرف بأصواتنا وأشيائنا. في آخر البيت غرفتان متقابلتان. وبينهما حمام وتواليت. أما الطابق الثاني فكان مختلفًا. كان فيه غرفتان إضافيتان. وكان فارغًا تقريبًا. كلما صعدت درجات السلم الخشنة كان صوت خطواتي يرتد من الجدران الفارغة. الصدى كان واضحًا لدرجة أنني توقفت مرة فقط لأسمعه. أذكر أنني صعدت السلم أكثر من مرة في ذلك اليوم. أصعد. ثم أنزل. ثم أصعد من جديد. ليس لأن لدي شيئًا أفعله في الأعلى، بل لأن الطابق الثاني كان يبدو لي مغامرة صغيرة. كل غرفة جديدة كنت أفتح بابها كانت تمنحني شعورًا بأنني أكتشف مكانًا لم يره أحد قبلي.كنت أنظر من النوافذ الطويلة إلى الأراضي الممتدة حول البيت. من الأعلى بدت ناحية الجوادين أكثر اتساعًا. الأرض أكبر. والبيوت أبعد. والريح أوضح. حتى السماء بدت أقرب قليلًا. ولأول مرة شعرت أن المكان واسع إلى درجة تجعل الطفل يشعر بأنه صغير جدًا وسطه. خطوة. ثم صمت. ثم صدى الخطوة يعود إليّ من مكان لا أراه. في بيتنا القديم لم يكن هناك هذا الصدى. كانت الجدران والأثاث والناس يبتلعون الأصوات بسرعة. أما هنا فكان البيت ما يزال فارغًا بما يكفي ليعيد كل صوت إلى صاحبه. نادَتني أمي من الأسفل: "سليم!" التفت بسرعة: "نعم." كانت تقف قرب أحد الصناديق المفتوحة. وعلى الرغم من التعب الذي بدا على وجهها بعد يوم طويل من النقل والترتيب، كانت تبتسم. قالت بابتسامة خفيفة: "عندي إلك خبر جميل." نزلت الدرجات بسرعة" ماذا؟" قالت وهي تشير إلى إحدى الغرف: " ستكون لك غرفة خاصة." توقفت مكاني. لم أفهم في البداية. غرفة خاصة؟ أنا وحدي؟ في البيت القديم كنا نتشارك الغرف دائمًا. النوم وحدي لم يكن شيئًا اعتدت عليه. لهذا لم أعرف هل أفرح أم أستغرب. لم أصدق ماسمعت فقلت بفرحة: "حقأ؟" ضحكت أمي: "نعم." ثم أضافت: "لكن مع وسام." لم يهمني الجزء الأخير. تنفست براحة دون أن أعرف السبب. ربما لأن فكرة الغرفة الخاصة كانت جميلة. أما فكرة النوم وحدي تمامًا فكانت ما تزال غريبة على طفل في مثل عمري. نظرت نحو الغرفة من جديد. كانت فارغة. جدران بيضاء. وشباك يطل على الأرض الممتدة خارج البيت. لا سرير. لا خزانة. لا شيء تقريبًا. لكنني وقفت عند الباب أتأملها طويلًا. لم أكن أعلم وقتها أن هذه الغرفة نفسها ستشهد لاحقًا بعضًا من أغرب الليالي التي سأعيشها في حياتي. أما في تلك اللحظة… فكل ما كنت أفكر به هو أن هذا المكان الفارغ سيصبح جزءًا من عالمي الجديد في أرض الغبار. قالت: "اختار أي الغرفتين في آخر البيت تريد." ركضت فورًا. لم أفكر كثيرًا. كان مجرد سماع كلمة "اختار" كافيًا ليجعلني أشعر أنني أملك شيئًا يخصني للمرة الأولى. صحيح أن بيتنا القديم كان جميلًا وكبيرًا بطريقته الخاصة، لكننا كنا ننام جميعًا في غرفة واحدة، وأحيانًا على فرش موضوعة جنبًا إلى جنب. على الأرض، متلاصقين. لم تكن لي مساحة تخصني وحدي, وفي تلك اللحظة... شعرت أن شيئًا جديدًا يبدأ. أما هنا فكان الأمر مختلفًا. كانت هناك غرفة تنتظر من يسكنها. وغرف أخرى أيضًا. وكان عليّ أن أختار. لم يكن الاختيار أمرًا كبيرًا بالنسبة للكبار، لكنه بالنسبة لطفل في مثل عمري بدا وكأنه قرار مهم جدًا. كنت أتخيل بالفعل أين سأضع حقيبتي المدرسية، وأين سأجلس لأكتب واجباتي، وأين سأخفي ألعابي الصغيرة التي لا أحب أن يعبث بها أحد. شعرت بشيء جديد داخلي. شيء يشبه الفرح. وشيئًا يشبه الخوف في الوقت نفسه. فرح لأن المكان جديد. وخوف لأن كل شيء جديد. كانت "سهام" و"وسام" يركضان على الدرج الداخلي إلى الطابق الثاني. يضحكان بصوت مرتفع، بينما كانت "هيام" تساعد أمي في ترتيب بعض الأغراض داخل المطبخ. كان لكل واحد منا طريقته الخاصة في استقبال البيت الجديد. "وسام" كان يركض من غرفة إلى أخرى وكأنه يريد استكشاف كل شيء دفعة واحدة. "سهام" كانت تسأل عن أماكن النوم والخزائن والنوافذ. أما أنا فكنت أعود باستمرار إلى النافذة الكبيرة في آخر البيت. لا أعرف لماذا. كنت أنظر إلى الأراضي المفتوحة وأشعر بشيء غريب. لم يكن خوفًا. ولم يكن راحة. بل ذلك الإحساس نفسه الذي كان يزورني أحيانًا منذ سنوات. إحساس صغير يصعب الإمساك به. كأن المكان يقول شيئًا لا أستطيع سماعه بالكامل. ثم يختفي قبل أن أفهمه. كنت أحدق طويلًا في الأفق الفارغ، ثم أعود إلى البيت وأكمل اللعب مع إخوتي وكأن شيئًا لم يحدث. أما "هاشم" و"عاصم" فكانا ما يزالان قرب السيارة، ينقلان الأغراض الكبيرة ويجمعان ما تبقى منها. كانت الفوضى تملأ البيت كله. أصوات صناديق. أبواب تفتح وتغلق. خطوات تصعد وتنزل. وأصوات أمي وهي توزع التعليمات على الجميع. وحين وصلت إلى آخر البيت توقفت. كانت الغرفتان متشابهتين تقريبًا. لكن إحداهما كانت تحتوي على نافذة أكبر قليلًا. اقتربت منها أولًا. دفعت الباب ببطء. كان الباب يصدر صوتًا خافتًا بسبب فراغ البيت وسكونه. دخلت. وقفت في منتصف الغرفة. ثم نظرت حولي. الجدران بيضاء. الأرضية فارغة. والنافذة تطل على امتداد من الأراضي المفتوحة. لم تكن هناك أشجار كثيرة. ولا جدران عالية تحجب الرؤية. فقط أرض واسعة تمتد بعيدًا حتى يضيع النظر فيها. شعرت للحظة أن النافذة أكبر من مجرد نافذة. كأنها تفتح على عالم كامل لا أعرف عنه شيئًا. خرجت من الغرفة. ودخلت الثانية. كانت أصغر قليلًا. وأهدأ. لكن شيئًا ما جعلني أميل إلى الأولى. لا أعرف السبب حتى الآن. ربما بسبب النافذة. وربما لأن الضوء كان يدخلها بطريقة أجمل. وربما بلا سبب أصلًا. ام لانها لها باب صغير يفتح على ممر جانبي يؤدي إلى الخارج. تخيّلت نفسي أخرج منه كل صباح إلى المدرسة دون أن ألتف داخل البيت. بدا لي الأمر عمليًا جدًا.أسرع...وأسهل. لذلك خرجت مسرعًا وقلت: "هذه." كان صوتي مليئًا بالحماس. في تلك اللحظة كنت أشعر وكأنني حققت إنجازًا كبيرًا.