ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 12: الجرح المفتوح_ القسم الأول

الجرح المفتوح

القسم الأول__________________________

دخلنا العاصمة. لم تكن "بغداد" بالنسبة لي يومها مجرد مدينة أخرى. كنت طفلًا قادمًا من طرق ترابية طويلة وحقول مفتوحة وأفق لا يقطعه سوى خط الأشجار البعيد، لذلك بدا كل شيء هنا أكبر مما اعتادت عيناي رؤيته. حتى الهواء نفسه كان مختلفًا. لم يكن يحمل رائحة التراب الرطب أو الأعشاب البرية التي عرفتها في قريتي، بل خليطًا غريبًا من روائح الناس والسيارات والمحلات والطعام المتصاعد من أماكن لا أراها. كان الضجيج أول ما صفعني. أصوات سيارات لا تتوقف، أبواق متداخلة، باعة ينادون، أطفال يركضون، وصوت محركات لا يشبه هدوء الريح في ناحية "الجوادين“. وقفت أنظر من نافذة سيارة النقل محاولًا أن ألتقط كل شيء بعيني الصغيرتين. كنت أشعر أنني لو أغمضتهما للحظة فسيفوتني شيء مهم. الوجوه تمر بسرعة، والبيوت تتعاقب بلا نهاية، والمحلات تفتح أبوابها على أرصفة مزدحمة بالناس. بدت "بغداد" مزدحمة أكثر مما ينبغي. كأن كل الناس قرروا أن يسكنوا في شارع واحد. كانت سيارة النقل تمشي ببطء شديد. الطرق ضيقة، والسيارات تلتصق ببعضها كأنها تتنفس من مكان واحد. كنت أسمع أصواتًا تأتي من كل اتجاه. بائع يصرخ على الرصيف، رجل ينادي شخصًا من الجهة الأخرى للشارع، امرأة تحمل أكياسًا كثيرة وتسرع قبل أن يتغير الضوء. كل ذلك كان يحدث في وقت واحد حتى شعرت أن المدينة لا تنام حتى في وضح النهار. نظرت من فوق الأثاث، فلم أرَ أرضًا مفتوحة. لم أرَ بيوتًا متباعدة. لم أرَ حقولًا تمتد إلى آخر النظر كما اعتدت. كل مساحة هنا كان قد استولى عليها بيت أو محل أو جدار أو شارع. شعرت للحظة بشيء يشبه الحنين إلى الطريق الترابي الطويل الذي جئنا منه، لكن الفضول كان أقوى. كنت أريد أن أعرف كيف يعيش كل هؤلاء الناس، وكيف يحفظون طرقهم وسط هذا العدد الهائل من الشوارع والوجوه. حين وصلنا إلى مدينة "حي الأستقلال"، توقفت السيارة أمام عمارة سكنية، محلات في الأسفل، وفوقها أربعة طوابق. رفعت رأسي إلى الأعلى أتأمل البناء. لم أكن معتادًا على رؤية البيوت فوق بعضها بهذا الشكل. في قضاء "الصواري" كانت البيوت تمتد أفقياً، أما هنا فكانت ترتفع نحو السماء طابقًا فوق طابق. بدا الأمر غريبًا ومثيرًا في الوقت نفسه. نزل أبي وأمي أولًا ثم أشارا لنا أن ننزل. قال أبي: "وصلنا.“ شعرت أن الكلمة أكبر من معناها. وصلنا إلى بيت جديد، وحي جديد، وحياة لا أعرف عنها شيئًا. كان جزء مني متحمسًا، وجزء آخر لا يريد أن يبتعد كثيرًا عن كل ما اعتاده خلال السنوات الماضية. كانت هذه المرة مختلفة. سيارة نقل واحدة فقط. لم تكن هناك ثلاث نقلات كما في السابق. في "ناحية الجوادين" بعنا كثيرًا من الأثاث لنعيش من ثمنه. لم يبقَ معنا إلا ما هو ضروري. راقبت الرجال وهم ينزلون الأغراض. كانت الأيدي تتحرك بسرعة، والصناديق تنتقل من السيارة إلى داخل العمارة، بينما كنت أقف جانبًا أتابع المشهد كله بصمت. لم أكن أفكر بالأثاث أو الصناديق، بل كنت أفكر بالمكان الذي سأستيقظ فيه غدًا، وبالنافذة التي سأطل منها، وبالشارع الذي سأحفظه بعد أيام. حتى البيت أصبح أخفّ. بدأنا ننقل الأغراض. كانت السلالم ضيقة، شبه مظلمة. بعض قطع الأثاث لم تدخل بسهولة، وكان علينا أن نرفعها بزاوية بحذر ونضغطها بقوة بين الجدران. كلما صعدنا درجة شعرت أن الهواء يثقل. كنت ألتفت بين حين وآخر نحو الأسفل فأرى المدخل يصغر شيئًا فشيئًا، وأسمع أصوات الناس في الشارع تتلاشى تدريجيًا. كانت خطواتنا ترتد على الجدران الإسمنتية العارية فتخلق صدى خافتًا يتكرر خلفنا. ولسبب لم أفهمه وقتها، شعرت أن ذلك الصدى يشبه بداية شيء جديد، شيء لا أعرف شكله بعد. كلما صعدنا درجة، شعرت أن الهواء يقل. وصلنا إلى الطابق الأخير. فتح صاحب العمارة الباب. دخلنا. توقفت للحظة على العتبة قبل أن أخطو إلى الداخل. كنت أحاول أن أتخيل كيف سيبدو هذا المكان بعد أسابيع أو أشهر، حين تمتلئ جدرانه بأصواتنا وحياتنا اليومية. كان فارغًا الآن، لكنه لن يبقى فارغًا طويلًا. كانت الشقة في الأصل سطح العمارة. غرفة داخل غرفة، لا تتجاوز عشرة أمتار. فسحة مكشوفة بلا سقف. حمام صغير. نظرت حولي بصمت. لم تكن واسعة، ولم تكن تشبه بيتنا القديم، لكنها أصبحت الآن بيتنا. وفي تلك اللحظة، وبين ضجيج العاصمة البعيد وصوت نقل الأثاث خلفي، شعرت أن فصلًا كاملًا من حياتي قد أُغلق بهدوء، بينما كان فصل آخر يفتح بابه أمامي دون أن أعرف ما الذي ينتظرني خلفه. وقفت في منتصف المكان. حاولت أن أتخيل أين سننام. "هاشم" لم يكن معنا، لكننا كنا ثمانية أشخاص… وأمي حامل. خمسون مترًا فقط. بقيت واقفًا لثوانٍ أطول، أدير عيني في أرجاء الغرفة الصغيرة. كنت أحاول أن أرسم في خيالي شكل الأيام القادمة. هنا ستُفرش الأغطية ليلًا، وهنا ستُوضع الأواني، وهنا ستجلس أمي للخياطة. كان المكان ضيقًا، لكن خيال الطفل أوسع من الجدران دائمًا. كنت أحاول أن أجد لكل فرد من أفراد العائلة زاوية تخصه، ثم أكتشف أن الزوايا أقل من عددنا. لم يكن هناك صمت هنا. لم تكن هناك ريح. لم يكن هناك فراغ. كان كل شيء قريبًا. قريبًا جدًا. في الليلة الأولى، لم أستطع النوم. كان السطح مفتوحًا جزئيًا، والسماء قريبة جدًا. لم تكن هناك ريح مثل ناحية "الجوادين“. كان هناك ضجيج… حتى في الليل. كانت الأصوات الجديدة توقظني كلما بدأت أغفو. باب يُغلق في مكان ما، خطوات فوق سطح مجاور، صوت سيارة بعيدة يعلو ثم يختفي. لم أكن معتادًا على هذا العدد من الأصوات. في قضاء "الصواري" كان الليل يمتد واسعًا وهادئًا، أما هنا فكان الليل نفسه يبدو مستيقظًا. شعرت أن المدينة كلها تتنفس حولنا حتى بعد أن ينام الناس. استلقيتُ قرب الحائط، أسمع أصوات السيارات البعيدة. أغمضت عيني. رأيت ماءً. ليس نهرًا، ولا بحرًا. مجرد ماء داكن يتحرك ببطء. وفي داخله… دائرة. دائرة من حجر. استيقظت فجأة. كان قلبي يخفق بسرعة. نظرت حولي. لم أفهم سبب عودة تلك الصورة بالتحديد. كانت مجرد لمحة سريعة، لكنها بقيت عالقة في مكان ما داخل رأسي. كلما حاولت التفكير بشيء آخر عادت الحجارة لتظهر للحظة ثم تختفي. لم أكن خائفًا منها، لكنني لم أستطع تجاهلها أيضًا. كأن ذكرى بعيدة كانت تحاول أن ترفع رأسها من بين بقية الذكريات. كان الجميع نائمون. لذا لم أقل شيئًا. في ناحية "الجوادين" كنت أخاف من الاتساع. وفي "بغداد" بدأت أخاف من القرب. ربما كان الانتقال هو السبب. الطفل حين يُنزع من المكان الذي اعتاده يصبح أكثر حساسية لكل شيء. الظلال تبدو أكبر، والأصوات أغرب، وحتى الصمت نفسه يختلف. كنت أراقب زوايا الغرفة الجديدة كما لو أنني أتعرف عليها للمرة الأولى، أحاول أن أحفظ تفاصيلها قبل أن تصبح جزءًا عاديًا من حياتي. في مدينة "حي الاستقلال" بدأت أتعلم الصلاة. لم يكن الأمر فجأة، بل تدريجيًا.كانت "هيام" هي من تقف أمامنا في الغرفة الضيقة، تشرح لنا كيف نقف، كيف نركع، كيف نسجد. أحيانًا كان أبي يصلّي بنا، بصوته الهادئ، فنقلّده خطوة بخطوة. كنت أحفظ الحركات أكثر مما أفهم الكلمات. لكنني كنت أشعر أن في الصلاة نوعًا من النظام… شيء ثابت، لا يتغير، في مكان كل شيء فيه يتغير. بدأت الصوم أيضًا. لم أكن أتحمل العطش جيدًا، لكنني كنت أشعر بالفخر حين أكمل اليوم. في تلك الفترة انتقلت إلى مدرسة قريبة لأكمل النصف الثاني من الصف الخامس. كانت مختلفة تمامًا عن مدرسة "الصواري“. كبيرة. مزدحمة. في الصف الواحد ما يقارب ثلاثين طالبًا. منذ اليوم الأول شعرت بالفارق. عدد التلاميذ وحده كان كافيًا ليجعلني ألتزم الصمت أغلب الوقت. وجوه كثيرة لا أعرفها، وأسماء جديدة، وأصوات تختلط في الساحة الواسعة. كنت أراقب أكثر مما أتكلم، وهي عادة لازمتني منذ سنوات. أحب أن أفهم المكان أولًا قبل أن أصبح جزءًا منه. لم يكن هناك هدوء البساتين. لم يكن هناك نخيل. كان هناك ضجيج دائم. المدرسون أكثر تشددًا. هناك “القدوة” ومسؤول الصف، ونظام صارم في الطابور الصباحي. حتى طريقة سير اليوم الدراسي كانت مختلفة. كل شيء بدا أكثر سرعة وأكثر تنظيمًا. الجرس، الاصطفاف، دخول الصفوف، خروجها. كنت أتعلم المدرسة الجديدة كما يتعلم المرء طريقًا جديدًا؛ خطوة بعد خطوة، حتى تصبح التفاصيل الغريبة أشياء مألوفة لا يلتفت إليها بعد ذلك. في الساحة، كان الطلاب ينقسمون إلى مجموعات. لكل مجموعة قائد. وكانوا يتشاجرون كثيرًا. كنت جديدًا. والجدد هنا لا يمرّون بهدوء. كنت أقف أراقبهم بصمت. كانت معظم الوجوه جديدة عليّ، وكل مجموعة تبدو وكأنها تعرف نفسها منذ سنوات. الضحكات تنتقل بينهم بسهولة، أما أنا فكنت ما أزال أحاول حفظ الأسماء والملامح. لم يكن الأمر خوفًا بقدر ما كان حذرًا. كنت دائمًا أحتاج وقتًا أطول قبل أن أشعر أنني أنتمي إلى مكان جديد. في أحد الأيام، كنت جالسًا في طرف الساحة، وضعت نظارتي بجانبي لأمسح العدستين من الغبار. كانت الشمس تميل قليلًا نحو الظهيرة، والطلاب ينتشرون في الساحة بين لعب وحديث وصراخ متقطع. جلست وحدي أراقب الحركة من بعيد. أحيانًا كنت أفضل المشاهدة على المشاركة. كنت أتعلم الكثير من الناس حين أراقبهم بصمت أكثر مما أتعلمه حين أتحدث معهم. اندفع طالب راكضًا… وداس عليها. سمعت صوت الكسر. جاء الصوت حادًا ومفاجئًا حتى إنني التفت دون تفكير. للحظة قصيرة شعرت أن الساحة كلها توقفت. لم أفهم ما حدث، لكن ذلك الصوت أعاد إليّ إحساسًا قديمًا كنت أعرفه جيدًا؛ ذلك التوتر الصغير الذي يسبق معرفة شيء غير متوقع. تجمدت. رفعت النظارة، فوجدت إحدى العدستين مشروخة. لم أعرف ماذا أقول. ضحك أحدهم. لا أعرف كيف وقفت. ولا كيف دفعت الطالب. لكن الشجار كبر بسرعة، تجمعوا حولي. دفعتُ. دُفعت. في ثوانٍ قليلة تغير كل شيء. قبل لحظات كان الطلاب موزعين في أماكنهم، ثم فجأة أصبحت العيون كلها تتجه نحو نقطة واحدة. هكذا كانت المدرسة أحيانًا؛ يوم كامل يمر بهدوء، ثم يتحول كل الاهتمام إلى حادثة صغيرة تكبر بسبب الفضول وكثرة المتفرجين. انتهى الأمر بنا أمام المدير. كنت واقفًا صامتًا أكثر مما ينبغي. لم أحب الوقوف أمام المديرين أو المعلمين. حتى عندما لا أكون مخطئًا كنت أشعر بشيء من الارتباك. كنت أفكر كيف يمكن لحادثة قصيرة في الساحة أن تنتهي بنا هنا خلال دقائق معدودة. عوقبنا جميعًا. في اليوم التالي، جلس نفس الطالب بجانبي. لم يقل شيئًا في البداية. ثم قال فجأة: "لم أكن أقصد." لم أعرف ماذا أقول. كانت الكلمات تتأخر دائمًا حين أحتاجها. في رأسي أفكار كثيرة، لكن حين يأتي وقت الكلام لا يخرج منها إلا القليل. ربما لهذا السبب كنت أميل إلى الاستماع أكثر من الحديث. كنت أترك الآخرين يتكلمون بينما أراقب وأفكر. بعد أيام… أصبحنا أصدقاء. تعلمت شيئًا يومها: بعض المعارك في المدينة ليست كمعارك القرية. أحيانًا تبدأ خصومة… وتنتهي بصداقة. لكنني رغم ذلك، لم أصبح جزءًا من أي مجموعة. كنت دائمًا في المنتصف. أراقب أكثر مما أشارك. كانت "بغداد" مختلفة فعلًا عن كل ما عرفته سابقًا. في القرية كان الناس يعرفون بعضهم بعضًا، أما هنا فالعالم أكبر بكثير. كل يوم يحمل وجوهًا جديدة وقصصًا جديدة ومواقف لم أعتد عليها بعد. كنت أشعر أنني أكبر قليلًا مع كل أسبوع يمر. في البيت، كانت الأمور أصعب. كنت ألاحظ ذلك حتى لو لم يتحدث أحد عنه كثيرًا. المصاريف أكثر، والمسافات أطول، ومتطلبات الحياة مختلفة عما اعتدناه. ومع ذلك كانت أمي وأبي يحاولان أن يبقيا الأمور طبيعية قدر الإمكان أمامنا. كنا أطفالًا، لكننا كنا نشعر بما يدور حولنا حتى لو لم نفهم كل تفاصيله. "هيام" تركت المدرسة. وقررت أن تعمل لتساعدنا. اشتغلت في صالون حلاقة نسائي. كان ذلك من الأشياء التي جعلتني أفهم مبكرًا أن الحياة لا تسير دائمًا كما نتخيل. لكل فرد في البيت دوره، وكل واحد يحاول أن يساعد بالطريقة التي يستطيعها.