القسم الثاني
ومع مرور الأيام بدأت أرى كيف تتغير العائلة كلها بهدوء لتتكيف مع الحياة الجديدة التي فرضتها العاصمة علينا. أمي كانت بين الخياطة والصالون، كنت أراقبها أحيانًا وهي تعود في المساء متعبة. لم تكن تشتكي كثيرًا، لكن التعب كان يظهر في طريقة جلوسها وفي الصمت القصير الذي يسبق كلامها. كنت صغيرًا، ومع ذلك بدأت أفهم أن الحياة في "بغداد" تختلف عن الحياة التي تركناها خلفنا. كل شيء هنا يحتاج إلى جهد أكبر؛ الوقت، المال، التنقل، وحتى الراحة نفسها بدت أقل مما كانت عليه سابقًا. لم يكن أحد في البيت يشعر أنه معفى من المسؤولية. كل واحد منا كان يحاول أن يساعد بما يستطيع، حتى لو كان الأمر بسيطًا. أحيانًا كنت أشعر أن العائلة كلها أصبحت مثل آلة صغيرة، لكل فرد فيها دور يؤديه حتى تستمر الحياة بشكل طبيعي. كانت تذهب إلى السوق كل مرة لشراء الطعام، لكنها لم تعد تشتري فقط. كانت تسأل كل صاحب محل: "هل تحتاج إلى عامل؟ لدي أبناء يستطيعون العمل." كنت أسمعها تقولها أكثر من مرة. حتى وجدت لي عملاً في أحد مخابز الصمون القريبة. يومها شعرت بمزيج غريب من المشاعر. كنت ما أزال تلميذًا، لكنني في الوقت نفسه بدأت أخطو خطوات صغيرة نحو عالم الكبار. لم أفكر بالأمر كثيرًا حينها، لكنني كنت أشعر أن شيئًا ما يتغير داخلي. السنوات السابقة كانت مليئة باللعب والحقول والركض خلف إخوتي، أما الآن فقد بدأت كلمة "العمل" تدخل حياتي مبكرًا. كان عليّ أن أذهب صباحًا، أساعد في التنظيف وترتيب الصمون الساخن، حتى الظهر. كانت رائحة المخبز تسبقني أحيانًا قبل أن أصل إليه. رائحة الصمون الساخن تختلط بحرارة الأفران وبخار العجين. في الساعات الأولى من الصباح يكون الشارع ما يزال نصف نائم، بينما كان المخبز مستيقظًا بالكامل. العمال يتحركون بسرعة، والخبز يخرج تباعًا، والناس يبدأون بالوصول منذ وقت مبكر. ثم أذهب إلى المدرسة. "وسام" كان ينوب عني في النصف الآخر من اليوم. كنت أعود أحيانًا وملابسي مشبعة برائحة الطحين والدخان. أجلس في الصف… وأحاول أن أركّز. كانت الأيام تمر بسرعة أكبر مما اعتدت. في الصباح عمل، ثم مدرسة، ثم عودة إلى البيت، ثم واجبات أو أعمال أخرى. أحيانًا كنت أشعر بالإرهاق، لكنني لم أكن أفكر فيه كثيرًا. كان ذلك جزءًا من الحياة الجديدة التي بدأت تتشكل حولنا يومًا بعد يوم. في تلك الليلة، عدت متعبًا أكثر من العادة. نمت بسرعة. وحلمت بالحلم نفسه مرة أخرى. في هذه المدينة، المدارس لها نظام مختلف. تمددت على فراشي وأنا أشعر بثقل غريب في جسدي. لم يكن تعب اللعب الذي عرفته في طفولتي، بل تعب مختلف يأتي بعد يوم طويل من المسؤوليات الصغيرة. ومع ذلك كنت أشعر بشيء من الرضا، كأنني أنجزت أمرًا مهمًا حتى لو لم أستطع وصفه بالكلمات. هناك فترة صباحية، وفترة ظهيرة. وأحيانًا فترة للأولاد فقط، وأخرى للفتيات. لم يكن هناك اختلاط. احتجت بعض الوقت حتى أفهم هذا النظام الجديد. في المدرسة القديمة كانت الأمور أبسط بالنسبة لي، أما هنا فكل شيء بدا أكبر وأكثر تنظيمًا. كنت أراقب الطلاب وهم يدخلون ويخرجون في أوقات مختلفة، وأحاول أن أحفظ الإيقاع الجديد للأيام. كان كل شيء منظمًا… لكنني شعرت أن الحياة نفسها غير منظمة. كنت أستيقظ باكرًا للعمل. أعود مسرعًا للمدرسة. أرجع متعبًا. وفي الليل، حين أستلقي على السطح، أسمع المدينة لا تنام. وأتساءل… هل كبرت فجأة؟ أم أن المدينة تُجبر الناس على أن يكبروا بسرعة؟ ظل السؤال يدور في رأسي فترة طويلة. لم أكن أشعر أنني أصبحت كبيرًا حقًا، فما زلت أحب اللعب والضحك والجلوس مع إخوتي كما كنت دائمًا. لكن الحياة كانت تدفعني بهدوء نحو أشياء جديدة لم أكن أفكر بها من قبل. ربما لا يكبر الإنسان في يوم واحد، بل يكبر قليلًا كل مرة يتحمل فيها مسؤولية جديدة. حين عدت إلى البيت، وضعت النظارة المكسورة على الطاولة. نظرت إليها طويلًا. لم تكن أول مرة ينكسر فيها شيء يخصني. بقيت أنظر إليها لبعض الوقت. كانت مجرد نظارة، لكن الأشياء المكسورة تترك أثرًا أكبر من حجمها أحيانًا. ربما لأنها تذكرنا بلحظة معينة، أو بخطأ صغير، أو بيوم لن يتكرر بالطريقة نفسها مرة أخرى. لهذا ظلت عيناي معلقتين بها قبل أن أرفع رأسي من جديد. حين لاحظت أمي النظارة المكسورة، لم تكن هادئة. وقفت أمامي، تمسك العدسة المشروخة بين أصابعها. قالت بصوت مرتفع: "كم مرة قلت لك انتبه لأغراضك؟" لم أجب، لم أكن أعرف كيف أشرح أنني لم أقصد، أنني لم أكن ألهو. أنني كنت فقط… هناك. صفعتني أولًا بيدها. ثم أمسكت الحزام المعلّق خلف الباب. لم تكن هذه المرة الأولى. منذ قضاء الصواري… بقيت للحظة لا أعرف ماذا أفعل. كنت أنظر إلى الأرض أكثر مما أنظر إليها. لم أكن معتادًا على رؤية أمي غاضبة ثم حنونة بهذه السرعة. لكنني بدأت أفهم شيئًا فشيئًا أن خوفها علينا كان أكبر من غضبها. كانت الحياة أثقل من السابق، وكل شيء حولنا يتغير بسرعة، لذلك كانت أعصاب الجميع أكثر توترًا مما كانت عليه في السنوات الماضية. ومن ناحية "الجوادين"… كانت أمي تضربنا حين تتراكم الأمور. حين نتشاجر. حين نضيع شيئًا. حين نعود بكتاب ممزق. حين نكسر كوبًا. حين نرفع صوتنا. كانت تلك أول مرة ألاحظ فيها أن الأشياء الصغيرة لا تبقى صغيرة دائمًا. خطأ بسيط قد يتحول إلى مشكلة، ومشكلة صغيرة قد تحتاج أيامًا لإصلاحها. ربما لهذا السبب أصبح الكبار يفكرون كثيرًا قبل أي قرار، بينما كنا نحن الأطفال نعيش اللحظة فقط دون أن نرى ما بعدها. كانت تضرب بسرعة… ثم تبكي أحيانًا. لم أكن أكرهها. كنت فقط أرتبك. كنت أشعر أن البيت كله يهتز حين تغضب. الأيام في "بغداد" لم تكن تشبه الأيام التي عرفتها في قضاء "الصواري“. هناك كنت أشعر أن الوقت يمتد طويلًا بين المدرسة والمساء، أما هنا فكان النهار يمتلئ بالأحداث حتى قبل أن أنتبه إلى مروره. أحيانًا كنت أستيقظ فأشعر أن الأسبوع بدأ للتو، ثم أكتشف أنه أوشك على الانتهاء. لكن بعد دقائق، تعود كما كانت، تسأل إن كنت جائعًا، تضع الطعام أمامي. كنت أجلس قرب أمي أحيانًا وأراقبها وهي ترتب بعض الأقمشة أو تحضر الطعام. كان البيت صغيرًا، لذلك لم يكن هناك مكان بعيد نختبئ فيه عن بعضنا. كنا نرى بعضنا طوال الوقت تقريبًا. ربما كان ذلك متعبًا أحيانًا، لكنه جعلنا أقرب إلى بعضنا أيضًا. كنت لا أفهم كيف يمكن لليدين نفسيهما، أن تؤلما… وتربتا في اليوم نفسه, في تلك الليلة، نمت على بطني. وحلمت بالحلم نفسه مرة أخرى. كنت ما أزال طفلًا أحاول فهم عالم الكبار. أراهم يتعبون ويعملون ويقلقون، ثم يستيقظون في اليوم التالي ليبدؤوا من جديد. كنت أظن أن التعب يجب أن يوقف الإنسان، لكنني اكتشفت أن كثيرًا من الناس يواصلون السير رغم تعبهم لأنهم لا يملكون خيارًا آخر. استمرّ الوضع هكذا. أستيقظ قبل الجميع أحيانًا، أذهب إلى المخبز، أعود بملابس تفوح برائحة الطحين والدخان، أبدّلها بسرعة، ثم أذهب إلى المدرسة. بدأت أحفظ تفاصيل الأيام الجديدة كما يحفظ المرء طريقًا يسلكه كل يوم. رائحة المخبز في الصباح، أصوات الطلبة في المدرسة، ضجيج الشارع عند العودة، ثم هدوء الليل النسبي فوق سطح العمارة. كانت هذه التفاصيل الصغيرة تتكرر حتى أصبحت جزءًا من حياتي دون أن أشعر. في المساء أقرأ القرآن. كانت "هيام" أحيانًا تصحح لي مخارج الحروف، وأبي يجلس قريبًا، يصغي أكثر مما يتكلم. كنت أحب تلك الساعات الهادئة. بعد يوم طويل من الحركة والضجيج، أشعر أن البيت يهدأ قليلًا. أصوات الشارع تصل أخف، والهواء يصبح ألطف، وأجد فرصة لأجلس مع نفسي لبعض الوقت. كانت لحظات بسيطة، لكنها كانت تمنحني شعورًا بالراحة. وفي يوم الجمعة، نذهب إلى الجامع القريب. كانت الجمعة تختلف دائمًا عن بقية الأيام. لا مدرسة، والناس يتحركون بوتيرة أبطأ، والبيوت تمتلئ بأصوات العائلة. كنت أحب ذلك الإحساس الذي يجعل اليوم يبدو أطول قليلًا وأكثر هدوءًا، حتى لو كنا لا نفعل شيئًا استثنائيًا. في حي "الأستقلال"، كان كل شيء قريبًا، المحلات تحتنا مباشرة، السوق في آخر الشارع، المدرسة على بُعد دقائق... الجامع كذلك. لم يكن هناك اتساع كناحية "الجوادين"، لكن لم يكن هناك فراغ... كل شيء يمكن الوصول إليه سيرًا. كنت أفتقد المسافات المفتوحة أحيانًا. في "الصواري" كانت عيناي تستطيعان أن تذهبا بعيدًا دون أن يعترضهما شيء. أما هنا فالمباني والشوارع والناس يملؤون المشهد كله. ومع ذلك بدأت أتعود تدريجيًا على هذا العالم الجديد، وأتعلم كيف أجد أماكني الصغيرة داخله. حتى بيت جدي كان قريبًا. كنا نزوره أحيانًا، بيت كبير من طابقين، وحديقة واسعة جدًا، كان يبدو لي أكبر من كل الأماكن التي سكنّاها بعد قضاء "الصواري“. يسكنه جدي، وخالي الأوسط مع عائلته، وخالي الأصغر أيضًا، في الطابق الثاني. مع ذلك، كان بيت جدي يبدو لي عالمًا مختلفًا عن بقية البيوت. ربما بسبب اتساعه، أو بسبب كثرة أفراد العائلة الذين يتحركون فيه طوال الوقت. كل زيارة كانت تحمل أصواتًا جديدة وضحكات جديدة وروائح طعام مختلفة، وكأن البيت لا يعرف السكون أبدًا. كنت أشعر فيه بشيء من الألفة التي افتقدتها بعد انتقالنا من قريتي، فوجود العائلة حولنا كان يخفف شيئًا من إحساس الغربة الذي بقي عالقًا داخلي منذ الرحيل. في إحدى الزيارات خالي الأصغر وعائلته لنا. كنت ألعب الشطرنج مع أبي وقت المغرب. كان وقت المغرب من الأوقات التي أحبها كثيرًا. ضوء النهار الأخير يتسلل بهدوء عبر النوافذ، والأصوات في الخارج تبدأ بالخفوت تدريجيًا. كنت أجلس أمام أبي مركزًا في الرقعة أكثر مما ينبغي، أحاول أن أتوقع حركته القادمة قبل أن يقوم بها. لم أكن لاعبًا محترفًا بالطبع، لكنني كنت أحب ذلك الشعور الذي تمنحه اللعبة؛ الصمت، والتركيز، ومحاولة التفكير عدة خطوات إلى الأمام. كانت تلك القطع أول هدية حقيقية حصلت عليها بعد سنوات من الطلب والإلحاح. نجاحي المستمر في المدرسة كان السبب الوحيد الذي أقنع أبي بشرائها. لذلك لم تكن رقعة شطرنج عادية بالنسبة لي. كنت أشعر أنها مكافأة حقيقية حصلت عليها بعد انتظار طويل. كل قطعة فيها كانت تعني شيئًا، ولهذا كنت أرتبها بعناية بعد كل لعبة وأحرص ألا تضيع أي قطعة منها مهما كانت صغيرة. كنت أعتني بها أكثر من عنايتي بألعابي. حتى عندما كنت أخرج بقية ألعابي وأبعثرها في الغرفة، كانت رقعة الشطرنج تبقى في مكانها المخصص. كنت أتعامل معها بطريقة مختلفة، ربما لأنها ارتبطت في ذهني بالنجاح والتعب الذي سبق الحصول عليها. وبينما نحن نلعب، قفز ابن خالي الصغير بيننا، يضحك، لا ينتبه، وداس على أحد المجسمات. سمعت صوت الكسر، توقفت يدي في الهواء، لم أصرخ، لم أبكِ. لكني كنت حزينأ جدأ ومتضايقأ. بقيت أنظر إلى القطعة المكسورة بصمت. لم يكن الأمر متعلقًا بثمنها أو حجمها، بل بالإحساس الذي رافق حصولي عليها منذ البداية. شعرت وكأن شيئًا صغيرًا من فرحتي الأولى قد انكسر معها في تلك اللحظة. حملت القطعة بين أصابعي، كانت مكسورة الرأس، شعرت بشيء داخلي ينكسر معها. أبي قال بهدوء: "لابأس… نصلحها." لكنني لم أعد أستمتع ببقية اللعبة، في تلك الليلة، نمت حزينأ.