ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 14: القسم الثالث

القسم الثالث

ظل المشهد يعود إلى ذهني كلما أغمضت عيني. كنت أعيد سماع صوت الكسر القصير، وأتذكر شكل القطعة بين أصابعي. كانت حادثة بسيطة في نظر الجميع، لكنها بدت أكبر قليلًا داخل عالم طفل يتعلق بأشيائه أكثر مما ينبغي. وحلمت بأني في قضاء "الصواري" وباب البيت مفتوح… والهواء يدخل دون أن يتحرك شيء. دخلت البيت وأردت أن أفتح الباب الغرفة… فأجده مفتوحًا قبل أن ألمسه. تم رأيت الدرج طويل أكثر من العادة.. لم يكن الحلم مخيفًا بصورة مباشرة، لكنه ترك داخلي شعورًا غريبًا عندما استيقظت. ذلك النوع من الأحلام الذي يختفي معظمه من الذاكرة بعد دقائق، لكن أثره يبقى عالقًا طوال اليوم دون سبب واضح. كنت أفكر فيه أحيانًا ثم أنساه، قبل أن يعود فجأة إلى ذهني مرة أخرى. بعد أشهر الصيف، أنجبت أمي أخي الأصغر. "عامر“. كان الحمل صعبًا عليها، الصعود والنزول يوميًا، ترتيب البيت، العمل، الضيق، الحر. ومع ذلك لم تكن تشتكي كثيرًا أمامنا. كانت تحاول أن تجعل كل شيء يبدو طبيعيًا قدر الإمكان، لكن علامات التعب كانت واضحة في ملامحها وفي طريقة حركتها. كنت أراها تجلس أحيانًا لدقائق قليلة ثم تعود مباشرة لإكمال ما كانت تفعله. كنت أراها تتعب أكثر من قبل، حين وُلد، بدا صغيرًا جدًا... قالت أمي إنها رأت حلمًا قبل ولادته. رجل أبيض البشرة، نوراني الوجه، قالت إنه "عامر بن ربيعة"، وبشرها بصبي لذلك سمّته عامر. بقي هذا الحلم يتردد في أحاديث العائلة لفترة طويلة بعد ولادته. بعضهم كان يبتسم عند سماعه، وبعضهم كان يراه مجرد حلم عابر، لكن أمي كانت ترويه بثقة وكأنها ما زالت تتذكر تفاصيله بوضوح. أما أنا فكنت أنظر إلى أخي الصغير النائم في مهده وأشعر أن البيت كله تغير منذ وصوله، وكأن فردًا جديدًا أضاف صوتًا جديدًا إلى الحكاية التي كانت تكبر معنا عامًا بعد عام. لم أفهم معنى الحلم، لكنني أحببت الاسم. كان الاسم ينساب بسهولة على اللسان، وكأنه موجود بيننا منذ زمن. كنت أقترب أحيانًا من مهده وأراقبه وهو نائم، لا يفعل شيئًا سوى التنفس بهدوء، لكن وجوده وحده كان يغيّر شكل البيت. صار هناك صوت جديد، وملابس صغيرة جديدة، وأحاديث جديدة تدور حول طفل لا يعرف بعد شيئًا عن العالم الذي جاء إليه. أصبح البيت الآن مزدحمًا أكثر، كنا ثمانية… والان تسعة، كأن الجدران تضيق أكثر كلما كبرنا. لم تكن الغرف قد تغيرت، ولم تكبر المساحات، لكن عدد الأحلام والاحتياجات داخل البيت كان يكبر كل سنة. كنت أشعر أحيانًا أن البيت يحاول أن يتسع لنا جميعًا بصعوبة، وأن كل زاوية فيه تحمل أثر أحدنا؛ حقيبة مدرسية هنا، غطاء هناك، وملابس معلقة بانتظار يوم جديد. ومع ذلك، ورغم الضيق، لم أشعر يومًا أن البيت خالٍ من الحياة. جاء الشتاء. ومع أول أمطار غزيرة… تغيّر كل شيء، استيقظنا في منتصف الليل على صوت مختلف. لم يكن صوت المطر فقط، كان صوت سقوط الماء داخل البيت. فتحت عيني، وشعرت بالبرد في ظهري، رفعت يدي… فلامست الماء، لم أستوعب في البداية. ثم رأيت أمي تتحرك بسرعة، وأبي يرفع أحد الفرش، والماء يسيل من السقف كأنه قرر أن يسكن معنا. لم تكن نقطة أو نقطتين، كان السقف ينزف. الفرش مبتلّة. الخشب بدأ يتشرّب الماء. والأرض غارقة. حاولنا أن نضع قدورًا وأواني تحت أماكن التسريب، صوت القطرات وهي تضرب الأواني المعدنية كان منتظمًا… كأنه ساعة ليل طويلة. لم ننم تلك الليلة، بقينا نُفرّغ الماء. نجفف. نحمل. نبدّل الأواني حين تمتلئ. كنت أراقب السقف أكثر مما أراقب الأرض، كان مصنوعًا من صفائح معدنية وجذوع أشجار، كنت أسمع الريح تضربه… ثم يسقط الماء من جديد. في الصباح، بدا البيت كأنه تعرّق طوال الليل، حاول أبي أن يسدّ الثقوب، وضع قطع قماش، مواد لاصقة، أي شيء. كنت أراقبه وهو ينتقل من مكان إلى آخر فوق السلم محاولًا إيقاف الماء. كان يعرف أن ما يفعله حل مؤقت فقط، لكننا لم نكن نملك خيارًا آخر. بقيت آثار الرطوبة على الجدران والسقف أيامًا طويلة بعد ذلك، وكلما نظرت إليها تذكرت تلك الليلة؛ صوت المطر، والبرد، وصوت القطرات المعدنية الذي استمر ساعات حتى بدا وكأنه جزء من الظلام نفسه. ومنذ ذلك الشتاء بدأت أنظر إلى المطر بطريقة مختلفة. لم يعد مجرد مطر ينزل من السماء. صار يحمل معه احتمالًا آخر؛ أن تستيقظ في منتصف الليل فتجد البيت كله في معركة صامتة مع الماء، وأن تقضي الساعات تحمل الأواني وتراقب السقف أكثر مما تراقب السماء. لكن الأمطار التالية لم ترحمنا، كانت أقلّ قليلًا… لكن السقف كان قد استسلم. عدنا إلى القدور، عدنا إلى الأصوات المعدنية في الليل، عدنا إلى السهر. أصبح الأمر يشبه عادة ثقيلة أكثر منه حادثة طارئة. ما إن تبدأ السماء بالمطر حتى يبدأ الجميع بالنظر إلى السقف تلقائيًا. لم نعد ننتظر ظهور الماء، بل أصبحنا نتوقعه قبل أن يصل. كانت الأواني تُحضَّر مسبقًا، والفرش تُنقل من أماكنها الحساسة، وكأن البيت كله تعلّم قوانين الشتاء الجديدة التي فرضها ذلك السقف المتعب. في بعض الليالي كنت أستلقي وأحاول النوم مبكرًا، لكنني أبقى منتبهًا للصوت الأول. أول قطرة تسقط كانت كافية لتخبرنا أن الليلة لن تكون عادية. بعدها يبدأ الإيقاع المعروف؛ قطرات متفرقة، ثم متتابعة، ثم ذلك الرنين المعدني الذي يملأ الغرفة شيئًا فشيئًا حتى يصبح جزءًا من الصمت نفسه. في إحدى الليالي، استلقيت وأنا أسمع صوت القطرات، كنت أعدّها في رأسي. واحدة… اثنتان… ثلاث… ثم نسيت العدّ. كنت أفعل ذلك لأشغل نفسي فقط. أحيانًا أصل إلى عشرات القطرات، ثم أضيع في التفكير وأنسى الرقم الذي توقفت عنده. أنظر إلى الظلام فوقي وأتخيل شكل الماء وهو يشق طريقه بين الصفائح الخشبية والمعدنية حتى يصل إلينا. كان السقف يفصل بيننا وبين السماء، لكنه في تلك الأيام لم يعد يفعل ذلك جيدًا. ومع مرور الوقت بدأت الأصوات تختلط في رأسي. صوت المطر في الخارج، وصوت الماء في الداخل، وصوت الريح التي كانت تمر فوق السطح. لم أعد أميز أيها يأتي من السماء وأيها يأتي من البيت نفسه. هذه المرة، قال أبي إنه يجب أن نغادر، لكن أمي قالت شيئًا مختلفًا. قالت: "لن نشتري بيتًا بعد اليوم." صمتت قليلًا، ثم أضافت: "سنشتري أرضًا." لم أفهم يومها كل ما كانت تقصده أمي، لكنني فهمت شيئًا واحدًا؛ أنها لم تعد تثق بالبيوت الجاهزة. كانت تريد بيتًا يبدأ من الصفر، بيتًا تعرف كل حجر فيه، وكل جدار، وكل سقف. كانت تتحدث عن الأمر بحماس لم أره منها منذ فترة طويلة، وكأن فكرة الأرض الجديدة منحتها أملًا بعد أشهر من القلق والتعب. أما أنا فكنت أتخيل الأرض فقط. قطعة واسعة من التراب، لا أعرف شكلها ولا مكانها، لكنني كنت أتخيلها أكبر من أي مكان سكنّاه من قبل. كانت تريد أن ترسم الخريطة بنفسها، أن تشرف على البناء، أن ترى المواد بعينيها. قالت إنها لا تريد أن يُغشّنا أحد مرة أخرى. بدأ أبي يبحث، لكن في العاصمة، كانت الأسعار أعلى من قدرتنا، لم نستطع شراء شيء، كان لا بد من البحث في أطراف "بغداد“. كانت الأحاديث عن الأراضي والأسعار تتكرر كثيرًا في البيت خلال تلك الفترة. أسماء مناطق لم أسمع بها من قبل، وأرقام لا أفهم معناها، ومقارنات بين أماكن قريبة وأخرى بعيدة. كنت أستمع بصمت بينما يتحدث الكبار، وأشعر أن قرارًا كبيرًا يقترب منا ببطء، قرار سيغير حياتنا مرة أخرى كما فعلت الانتقالات السابقة. لكن الشتاء لم ينتظر قراراتنا، لم نستطع البقاء في الشقة. لم يكن السبب المطر وحده. كان هناك شعور عام بأن هذه المرحلة انتهت. الشقة التي بدت في البداية بداية جديدة أصبحت مع الوقت مكانًا مؤقتًا أكثر مما ينبغي. السقف المتسرب، وضيق المساحة، وكثرة المسؤوليات؛ كلها كانت تدفعنا نحو خطوة جديدة حتى لو لم نكن نعرف شكلها الكامل بعد. في إحدى ليالي المطر الأخيرة في الشقة، قبل أن نغادرها نهائيًا، استيقظت فجأة، لم يكن هناك صوت. لا قطرات. لا ريح. كان السقف هادئًا. لثوانٍ قليلة شعرت أن شيئًا ناقصًا. طوال أشهر اعتدت أن أستيقظ على أصوات الماء، حتى أصبح غيابها غريبًا أكثر من وجودها. كان الليل ساكنًا على غير عادته، والهواء ثابتًا، وكأن البيت نفسه أخذ استراحة قصيرة بعد معركة طويلة مع الشتاء. بقيت أحدق إلى الأعلى دون سبب واضح. لم أكن خائفًا، ولم أكن مطمئنًا تمامًا أيضًا. كان مجرد إحساس عابر بأن مرحلة كاملة توشك أن تنتهي، وأننا لن نعود لنعيش هذه الليالي بالطريقة نفسها مرة أخرى. نهضت نصف نهوض، نظرت إليه، شعرت لثانية أنني أنتظر سقوط شيء… لكنه لم يسقط... ثم عدت إلى النوم. أغمضت عيني ببطء، وبينما كنت أغفو من جديد لم أكن أعرف أن تلك الأيام أصبحت بالفعل خلفنا تقريبًا. بالنسبة لطفل في ذلك العمر كانت الحياة تبدو وكأنها تستمر بالشكل نفسه إلى الأبد. لكن السنوات اللاحقة أثبتت لي أن أكثر الفترات إزعاجًا وتعبًا تتحول مع الزمن إلى ذكريات بعيدة، تبقى منها الصور والمشاعر أكثر مما تبقى منها التفاصيل. بعد فترة وجدنا بيتًا… أو نصف بيت. لم يكن على الشارع الرئيسي، بل في أحد الفروع الضيقة. أصحاب البيت قسموه بيتهم الى نصفين بجدار ونحن أخذنا نصفًا... لم يكن بيتًا كاملًا. غرفة الديوان، وفتحوا لها بابًا خارجيًا. ثم قسمنا نحن غرفة الديوان إلى نصفين لتكون غرفتين بوضع خزانة الملابس والبوفيه في المنتصف. كانت غرفة واحدة فقط، استأجرناه مؤقتًا، ريثما يجد أبي وأمي أرضًا مناسبة، ويبدآن البناء. كنت قد سمعت كلمة "البناء" مرات كثيرة قبل ذلك، لكنها بدأت تكتسب معنى مختلفًا في تلك الفترة. لم تعد مجرد كلمة يقولها الكبار في أحاديثهم، بل أصبحت شيئًا ننتظره جميعًا. كنت أتخيل البيت الجديد كل ليلة بشكل مختلف؛ مرة كبيرًا جدًا، ومرة بحديقة واسعة، ومرة بغرفة أستطيع أن أغلق بابها وأجلس فيها وحدي. لم أكن أعرف إن كان أي من ذلك سيتحقق، لكن فكرة البيت كانت تكبر في خيالي أكثر مما تكبر على الورق. كلمة “مؤقتًا” كانت تتكرر كثيرًا في تلك الأيام. — هذه مرحلة مؤقتة. — سنصبر قليلًا. — قريبًا سنبني بيتنا. كانت أمي تقولها بثقة، وكأنها ترى ذلك البيت قائمًا بالفعل في مكان ما. أما أبي فكان يكتفي بهز رأسه أو الحديث عن الأراضي والأسعار والمواد. كنت أراقبهما وأشعر أن كليهما يحمل صورة مختلفة للبيت نفسه؛ أمي كانت ترى الراحة والاستقرار، وأبي كان يرى الطريق الطويل الذي يجب قطعه للوصول إليهما. لكنني بدأت أشعر أن حياتنا كلها مؤقتة، انتقال وراء انتقال، وبيت وراء بيت، ومدرسة وراء مدرسة. كنت ما أزال صغيرًا، لكن شيئًا داخلي بدأ يتساءل متى سنتوقف أخيرًا. متى يصبح هناك مكان لا نغادره بعد أشهر أو سنوات قليلة؟ مكان نستطيع أن نسميه بيتنا دون أن تتبع الكلمة عبارة "إلى حين". الغرفة كانت طويلة… ضيقة… تشبه حافلة متوقفة لا تنوي التحرك، كل شيء فيها متلاصق. حتى الهواء كان يبدو أقل مما نحتاج إليه أحيانًا. في النهار تمتلئ الغرفة بالحركة والكلام، وفي الليل تمتلئ بالأجساد النائمة والأنفاس المتداخلة. كنت أستيقظ أحيانًا قبل الجميع، فأشعر أن المكان كله ما زال نائمًا فوق بعضه بعضًا. الفرش قريب من الباب. الملابس معلقة فوق بعضها.