القسم الرابع
لم تكن المشكلة في الفقر أو البساطة، فقد اعتدنا على حياة متواضعة منذ زمن. المشكلة كانت في ضيق المساحة نفسها. الأشياء الصغيرة التي لا يلاحظها الناس عادة أصبحت مهمة جدًا؛ أين نضع الحقيبة؟ أين نجلس؟ أين نمد أقدامنا؟ وأين نترك شيئًا دون أن يعيق حركة شخص آخر؟ الأصوات لا تحتاج إلى رفعٍ كي تصل، لم يكن هناك باب يُغلق علينا. لا زاوية نختبئ فيها. لا مكان يمكن أن أبكي فيه وحدي. ولا مكان يمكن لأحد أن يغضب فيه وحده. كنت أكتشف للمرة الأولى أن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى زاوية خاصة به، حتى لو كانت صغيرة جدًا. مكان يفكر فيه أو يحزن أو يهدأ دون أن يراه أحد. لكن تلك الغرفة لم تكن تسمح بمثل هذه الرفاهية. كل شعور كان مكشوفًا تقريبًا، وكل تغير في المزاج تلتقطه العيون بسرعة. كان التكدّس واضحًا… ليس في الأثاث فقط، بل في أنفاسنا. حتى الروائح كانت تختلط ببعضها؛ رائحة الطعام، والملابس، والحر في الصيف، والرطوبة في الشتاء. كانت الحياة كلها مضغوطة في مساحة محدودة، وكأن الأيام نفسها تحاول أن تجد مكانًا إضافيًا فلا تعثر عليه. كنا نصطدم ببعضنا دون قصد، نتضايق من أقل حركة، نسمع همس بعضنا حتى لو لم يكن موجّهًا لنا، حتى الليل لم يعد خاصًا. النوم أصبح جماعيًا. والتعب جماعيًا. والصمت أيضًا جماعيًا. أحيانًا يحل الصمت على الغرفة كلها دفعة واحدة. لا أحد يتكلم، لكن كل واحد مشغول بأفكاره الخاصة. كنت أستلقي وأحدق في السقف، وأشعر أن لكل شخص في الغرفة عالمًا كاملًا يدور داخله، ومع ذلك كنا جميعًا محشورين في المكان نفسه، نتشارك الليل نفسه والسقف نفسه والانتظار نفسه. كان هناك ضغط خفي. ليس صراخًا. ولا شجارًا دائمًا. لكن شعورًا بأن المساحة تضيق حول صدورنا. لم أكن أملك الكلمات لوصف ذلك الإحساس وقتها، لكنني أتذكره جيدًا. لم يكن خوفًا، ولم يكن حزنًا خالصًا، بل شعور دائم بأن شيئًا ما ينقصنا. مساحة إضافية، أو نافذة أكبر، أو باب يُغلق، أو ربما مجرد إحساس بأننا وصلنا أخيرًا إلى المكان الذي سنبقى فيه طويلًا. لكن ذلك الشعور لم يكن قد جاء بعد. كان ما يزال ينتظرنا في مكان آخر من المستقبل. حينما قسمنا الغرفة بالخزانة والمكتبة، فصار نصفها “غرفة”، والنصف الآخر “غرفة أخرى”. لكن ذلك كان شكلًا فقط. كانت الخزانة تؤدي دور الجدار أكثر مما صُنعت لأجله. من بعيد يبدو أن هناك غرفتين منفصلتين، لكننا جميعًا كنا نعرف الحقيقة. مجرد حركة بسيطة في الجهة الأخرى تكفي لمعرفة من استيقظ، ومن جلس، ومن ما يزال مستلقيًا. لم يكن هناك شيء اسمه خصوصية حقيقية، فقط محاولة بسيطة لصنعها. الصوت يعبر. والضوء يعبر. وحتى التوتر يعبر. أحيانًا كنت أشعر أن المشاعر نفسها لا تجد مكانًا لتختبئ فيه. إذا كان أحدنا حزينًا شعر البقية بذلك. وإذا كان أحدنا متضايقًا انتقل الضيق إلى الجميع بطريقة أو بأخرى. كنا نعيش قريبين من بعضنا إلى درجة أن تفاصيل اليوم الواحد تصبح ملكًا للجميع تقريبًا. في بعض الليالي، كنت أستلقي وأنظر إلى السقف، لم يكن يسرب ماءً مثل السابق… لكنه لم يمنحني أمانًا أيضًا. ربما لأن الأمان بالنسبة لي لم يكن السقف وحده. كان شيئًا أكبر من ذلك. شعورًا بالاستقرار، أو الإحساس بأننا وصلنا أخيرًا إلى المكان الذي سنبقى فيه طويلًا. لكن ذلك الشعور لم يكن موجودًا بعد. كنت أستلقي أحيانًا وأفكر في البيوت التي عشنا فيها خلال سنوات قليلة فقط، وأشعر أن حياتنا تتحرك أسرع مما أستطيع فهمه. كان هناك شيء يشبه الاختناق البطيء، ليس من نقص الهواء، بل من كثرة القرب. كنت أعرف أننا لا ننتمي إلى هذا المكان، نحن فقط… نمرّ به. كانت هذه الفكرة تزداد وضوحًا داخلي كلما مرت الأيام. لم أحفظ الشوارع المحيطة كما فعلت في الأماكن السابقة، ولم أتعلق بالجدران أو الزوايا أو الطريق المؤدي إلى البيت. كأن جزءًا مني كان يعرف مسبقًا أن هذه المحطة لن تدوم طويلًا. لكن كان هناك فقط… تكيّف. وهذا ما يفعله الإنسان غالبًا. يتكيف. يستيقظ في الصباح، يذهب إلى مدرسته أو عمله، يعود مساءً، ثم يكرر الأمر في اليوم التالي. ومع الوقت يصبح الغريب مألوفًا، ويصبح المؤقت جزءًا من الحياة اليومية حتى لو بقي مؤقتًا. صرت في الحادية عشرة. أنهيت الصف السادس، ولم تكن هناك مرحلة متوسطة في مدرستي، كان عليّ أن أذهب إلى مدرسة أخرى. مدرسة جديدة. وجوه جديدة. أسماء جديدة. لم تكن تلك أول مدرسة جديدة أدخلها في حياتي، لكن الانتقال كان يترك أثره في كل مرة. كنت أحتاج أيامًا أو أسابيع حتى أحفظ الوجوه وأربط الأسماء بأصحابها. في البداية يبدو الجميع غرباء، ثم يتحول بعضهم إلى أصدقاء، وبعضهم إلى مجرد ذكريات تمر في الطريق. كنت ما أزال أذهب كل صباح إلى مخبز الصمون، رائحة الطحين أصبحت جزءًا مني. حتى ملابسي أحيانًا كانت تحمل تلك الرائحة. كنت أعود إلى البيت فأشعر أنها ما تزال عالقة في يدي وشعري. ومع مرور الوقت أصبحت أميز المخبز قبل أن أصل إليه، فقط من الرائحة المتصاعدة في الشارع القريب منه. صاحب المخبز كان ينظر إليّ أحيانًا بطريقة مختلفة. قال لأمي مرة، وهو يضحك نصف ضحكة: "لو كان عندي ولد مثله… كنت تبنيته." ضحكت أمي. أما أنا… فلم أعرف ماذا أشعر، لم أكن أفكر في أن أكون ابنًا لأحد غير والداي، لكن فكرة أن أحدًا يريدني… بقيت عالقة في داخلي. بقيت أفكر في كلامه فترة أطول مما توقعت. لم أفهم لماذا قاله أصلًا. ربما كان يمزح، وربما كان يقصد ما قاله فعلًا. لكنني كنت في عمر يجعل الكلمات البسيطة تترك أثرًا طويلًا أحيانًا. لذلك ظل صوته يتردد في ذهني كلما تذكرت ذلك اليوم. المدرسة الجديدة كانت للأولاد فقط، في البداية كنت منعزلًا، أراقب أكثر مما أتكلم... لكنني تعرّفت بسرعة على كثيرين. شيئًا فشيئًا بدأت أشعر أنني أجد مكاني بينهم. لم أكن من الأولاد الذين يلفتون الانتباه فورًا، ولم أكن الأكثر كلامًا أو الأكثر جرأة، لكنني كنت أجيد المراقبة والاستماع. ومع مرور الأيام بدأت الوجوه الجديدة تتحول إلى وجوه مألوفة، وبدأت المدرسة الجديدة تصبح جزءًا من روتين حياتي كما حدث مع المدارس التي سبقتها. كنت أندمج بسهولة… ثم أبتعد بسهولة، كأنني غربال، كلما اقترب مني أحد، أبقيه قليلًا... ثم أتركه يمرّ. كنت أتعرف على الناس بسهولة فعلًا. أتكلم معهم، أضحك معهم، وأشاركهم أيامي لفترة، لكن شيئًا ما كان يمنع الجذور من أن تمتد عميقًا. لم أكن أشعر بالوحدة، لكنني لم أكن أشعر بالارتباط الكامل أيضًا. كأن جزءًا صغيرًا داخلي ظل واقفًا عند الباب دائمًا، مستعدًا للرحيل إذا اضطر إلى ذلك. لم أكن أعرف إن كنت أبحث عن الصديق الحقيقي، أم أنني ببساطة لا أريد أن أتعلّق، ربما كنت أعرف شيئًا دون أن أعترف به: نحن ننتقل دائمًا، وكل شيء نقترب منه… نتركه، فلماذا أتعب قلبي؟ لم أكن أفكر بهذه الكلمات حرفيًا في ذلك العمر، لكنني أستطيع فهم ذلك الشعور الآن. الانتقالات الكثيرة تترك أثرًا خفيًا في الإنسان. تجعله أكثر حذرًا في التعلق بالأماكن والوجوه. فكلما أحببت شيئًا، جاء يوم وتركته خلفك. وكلما اعتدت على مكان، وجدت نفسك تحمل أغراضك متجهًا إلى مكان آخر. بدأ الاهتمام يقلّ. ليس حزنًا. ولا غضبًا. فقط… برود خفيف. لم يكن برودًا تجاه الناس أنفسهم، بل تجاه فكرة البقاء. كنت أستمتع باللحظة، ألعب وأضحك وأتحدث، لكنني نادرًا ما كنت أتخيل أن تلك الصداقات ستستمر سنوات طويلة. كأن شيئًا في داخلي تعلّم مبكرًا أن الأشياء تتغير بسرعة. كأنني أدرّب نفسي على الفقدان قبل أن يحدث، لكن القدر أرسل لي صديقًا، كان وسيمًا، هادئًا، لطيف الكلام... لم يكن صاخبًا مثل الآخرين. هناك أشخاص يدخلون حياتنا دون ضجيج. لا يحاولون فرض حضورهم، ولا يلفتون الانتباه بطريقة استثنائية، لكنهم يتركون أثرًا أعمق من غيرهم. منذ الأيام الأولى شعرت براحة غريبة معه، راحة لا تحتاج إلى تفسير. اقترب مني دون أن يضغط، وجلس بقربي دون أن يسأل كثيرًا وصار يأتي إلى بيتنا. تعرف على أهلي. وهذا ما أعجبني فيه أكثر من أي شيء آخر. لم يكن فضوليًا، ولم يحاول اقتحام المسافات التي أتركها بيني وبين الآخرين. كان يتعامل مع الأمر وكأنه طبيعي، ولذلك وجدت نفسي أفتح له الباب الذي كنت أغلقه عادة دون أن أشعر. جلس معنا على الأرض، يضحك مع "وسام"، وتحدث مع "سهام" باحترام. للمرة الأولى منذ وقت طويل… شعرت أنني لا أحتاج أن أبتعد. كان شعورًا بسيطًا لكنه نادر بالنسبة لي. أن تجلس مع شخص دون أن تفكر متى ستنتهي هذه الصداقة أو كيف ستتغير الظروف لاحقًا. فقط تجلس وتستمتع بالوقت كما هو، دون حسابات ولا حواجز كثيرة. في البيت، كانت هناك حياة أخرى. في العصر، يخرج الجميع إلى الشارع، الأولاد يلعبون كرة القدم، النساء يجلسن عند الأبواب متجاورات، الرجال يتحدثون في حلقات صغيرة. كانت "بغداد" تختلف عن كل الأماكن التي عشنا فيها سابقًا. الشارع نفسه كان يعيش طوال النهار. أصوات الأطفال، والباعة، والأحاديث المتداخلة من البيوت القريبة. أحيانًا كنت أقف عند الباب وأراقب كل ذلك فقط، وكأن الشارع مسرح كبير لا يتوقف عرضه أبدًا. تعرفنا بسرعة على أولاد الجيران. الأطفال يملكون قدرة عجيبة على اختصار المسافات. مباراة كرة قدم واحدة أو لعبة مشتركة كانت كافية أحيانًا لتحويل الغرباء إلى أصدقاء. لذلك لم يستغرق الأمر طويلًا حتى أصبحت بعض الوجوه مألوفة لنا، وصارت لنا أماكن نلتقي فيها كل عصر تقريبًا. كنا نلعب ونضحك كأننا لم ننتقل من مكان إلى آخر. كان الشارع يعطينا ما لم تعطه لنا الغرفة الضيقة: اتساعًا… هواءً… وصوتًا أعلى من صوت التفكير. كنت أحتاج ذلك أحيانًا. الضحك، والجري، والكرة، والصراخ العشوائي بين الأطفال. كلها كانت تبعد عن رأسي الأسئلة التي بدأت تكثر كلما كبرت. في الملعب الصغير أو في الشارع لم يكن هناك وقت للتفكير كثيرًا، فقط وقت للعب. في أحد الأيام، كان والداي خارج البيت يشرفان على البناء، بقينا نحن وحدنا. كان البيت يبدو مختلفًا حين يغيب الكبار. أكثر هدوءًا من جهة، وأكثر فوضى من جهة أخرى. كنا نشعر بحرية أكبر، لكننا كنا نعرف أيضًا أن أي خطأ صغير قد يتحول إلى مشكلة كبيرة عندما يعود أبي وأمي. كان "وسام" يملك ثقة لا تتناسب أحيانًا مع عمره. يدخل في أي فكرة وكأنه خبير بها منذ سنوات. لم يكن يتردد كثيرًا، ولم يكن يخاف من التجربة. مرة في تفكيك اجهزة الراديو او الساعات، ومرة يحنما يدخل المطبخ. وبدأ يخلط كل ما يجده. طحين. سكر. حليب. بيض. لم يترك شيئًا لم يستخدمه، كان يقول إنه يجرّب وصفة جديدة. أما نحن فكنا نراقبه بين مصدّق ومشكك، ننتظر النتيجة التي سيصل إليها ذلك "الطباخ" الصغير بعد أن خلط نصف محتويات المطبخ تقريبًا. أما أنا و"سهام" و"فراس"، الذي اصبح في السادسة من العمر، فحوّلنا القدر إلى طبل، ظهر القدر صار يُدقّ بإيقاع، غطاؤه صار “صنوجًا” تصدر صوتًا معدنيًا رنانًا. كنا نصفق ونغني، نضحك بصوت عالٍ، لم يكن في الأمر سوء، كنا فقط… أطفالًا. لكن فجأة، جاء صوت من خلف الحائط. كان البيت الضيق يتحول أحيانًا إلى عالم كامل من الخيال. القدر يصبح طبلًا، والغطاء يصبح آلة موسيقية، والفراغ الصغير يتحول إلى مسرح لا يراه أحد غيرنا. لم نكن نفكر بالجيران ولا بالجدران المشتركة ولا بالضجيج. كنا نرى فقط المتعة التي نصنعها من أشياء عادية جدًا. كانت تلك إحدى قدرات الطفولة الغريبة؛ أن تحوّل أبسط الأشياء إلى مغامرة كاملة.