ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 25: القسم الرابع

القسم الرابع

حين لا تكون لديك دراسة تكملها، ولا وظيفة مستقرة، ولا صورة واضحة للمستقبل، يصبح أي عمل مهما كان متعبًا أفضل من الجلوس مع الأفكار طوال اليوم. لكن ذلك لم يستمر طويلًا. وكما اعتدت في مراحل كثيرة من حياتي، ما إن أبدأ بالتأقلم مع وضع جديد حتى تبدأ الظروف بالتغير مرة أخرى. وكأن الاستقرار كان يقترب منا ثم يبتعد قبل أن نمسك به. بعد شهرين تقريبًا، بدأت أوضاع البلد تتغير بسرعة مخيفة. في البداية لم نكن ندرك حجم ما يحدث. كنا نسمع الأخبار ونعتقد أنها بعيدة عنا أو مؤقتة. لكن الأيام كانت تثبت أن ما يحدث أكبر بكثير مما كنا نتخيل. في البداية كانت مجرد أخبار نسمعها هنا وهناك. ثم أصبحت واقعًا نراه كل يوم. بدأ الناس يتحدثون عن شيء جديد لم نكن نسمع عنه من قبل بهذا الشكل: الحرب الأهلية. كانت كلمة ثقيلة على السمع. كلمة كنا نقرأ عنها في الكتب أو نسمع عنها في بلدان أخرى، ثم وجدنا أنفسنا نسمعها يوميًا وهي تتعلق ببلدنا ومدننا وشوارعنا التي نعرفها. بدأت الهويات الطائفية تظهر في كل مكان. أحياء تتغير، وعائلات تنتقل، وأسماء مناطق ترتبط بطائفة دون أخرى. صارت الشكوك تكبر بين الناس. وهذا ربما كان أكثر ما يؤلم. فالمشكلة لم تكن في المباني أو الطرق أو السياسة فقط، بل في العلاقات بين الناس أنفسهم. أناس عاشوا سنوات طويلة جنبًا إلى جنب، ثم بدأ الخوف يدخل بينهم تدريجيًا. وكأن البلد الذي عاش عقودًا مختلطًا بدأ يتشقق من الداخل. ظهرت نقاط التفتيش في مداخل المناطق. وتفتيش بطاقات الهوية الشخصية. كل طريق أصبح يحتاج إلى سؤال. وكل اسم أصبح يحمل خلفه احتمالات كثيرة. أصبح الناس يفكرون قبل أن يتكلموا، ويسألون قبل أن يتحركوا، ويتجنبون طرقًا معينة ومناطق معينة. أشياء لم تكن تشغل بال أحد سابقًا أصبحت جزءًا من الحياة اليومية. وفي الوقت نفسه، بدأت تظهر السيطرات الوهمية. مجموعات مسلحة تنصب حواجز مزيفة على الطرق، توقف السيارات، وتسأل الركاب، ثم لا يعرف أحد ماذا يحدث بعد ذلك. كانت القصص تصلنا ناقصة دائمًا. شخص خرج ولم يعد. سيارة اختفت. أو خبر سمعه أحد من قريب أو صديق. ومع كثرة الروايات أصبح الخوف يعيش في خيال الناس بقدر ما يعيش في الواقع نفسه. كنا نسمع كل يوم قصصًا جديدة. سيارة سُرقت. رجل اختفى. عائلة غادرت حيها. موظف حكومي قُتل. ضابط سابق لم يعد إلى بيته. أصبحت الأخبار تتشابه، حتى فقد الناس قدرتهم على الدهشة. كان الخوف يكبر ببطء، لكنه لا يتوقف. لم يكن خوفًا صاخبًا دائمًا. بل خوفًا هادئًا ومستمرًا. يدخل إلى تفاصيل الحياة الصغيرة. إلى الطرق التي نسلكها، والأماكن التي نزورها، وحتى الأوقات التي نختار فيها الخروج من البيت أو البقاء فيه. ولأول مرة منذ سنوات طويلة، شعرت أن المشكلة لم تعد في البيت أو الدراسة أو العمل. بل في البلد كله. لأول مرة شعرت أن مشاكلي الشخصية أصبحت صغيرة أمام ما يحدث حولنا. الدراسة، والعمل، وحتى الأسئلة التي كنت أحملها داخلي منذ سنوات، كلها تراجعت قليلًا أمام شعور أكبر بأن الجميع يعيش حالة من الضياع وعدم اليقين. وكأن العراق نفسه كان يدخل مرحلة لا يعرف أحد كيف ستنتهي. وفي وسط كل ذلك، كنت أشعر أن حياتي الشخصية والبلد يسيران في مسارين متشابهين بشكل غريب. كلاهما يقف أمام مستقبل غير واضح. كلاهما يبحث عن طريق وسط الفوضى. وكلاهما يحمل جروحًا قديمة لم تلتئم بالكامل بعد. بدأ الناس يختبئون في بيوتهم. شيئًا فشيئًا اختفت الجلسات المسائية أمام الأبواب، وأصبحت الشوارع تفرغ مبكرًا. بعد العصر بقليل تبدأ الأبواب بالإغلاق واحدًا تلو الآخر، وكأن الحي كله يستعد لشيء لا يراه لكنه يعرف أنه قادم. حتى الجوامع التي كانت تمتلئ بالمصلين لم تعد كما كانت. أصبحت مهجورة. لم تعد الأحاديث تدور حول الدراسة والعمل والزواج، بل حول القتل والخطف والمناطق التي لم يعد الناس يجرؤون على المرور منها. في البداية كنا نسمع الأخبار من التلفاز أو من الناس. ثم اقتربت الأخبار منا. ثم دخلت حينا. هنا موظف حكومي قُتل. وهناك ضابط سابق خرج من بيته ولم يعد. وعائلة بأكملها تركت منزلها ورحلت في ليلة واحدة. ومن بين تلك العوائل كانت عائلة صديقي عبدالقادر. أذكر جيدًا ذلك الشعور. كأن الناس لم يعودوا ينتقلون بحثًا عن حياة أفضل، بل هربًا من شيء يطاردهم. ثم جاء الدور على جيراننا. سمعنا أن جارنا المقابل للبيت اختفى عدة أيام. كان الجميع يتحدث عنه بصوت منخفض، ثم في أحد الصباحات انتشر الخبر في الحي كله. وجدوا جثته داخل كراج بيته. لم أصدق الأمر في البداية. كنت أمر من أمام ذلك البيت كل يوم تقريبًا. كان بيتًا عاديًا. كأي بيت آخر. لكن الحرب الأهلية كانت تحول الأشياء العادية إلى قصص رعب حقيقية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد. حتى ابن الخطيب، صديقي الذي عرفته من المسجد، لم يسلم هو الآخر. اختفى لفترة قصيرة، ثم وجدوا جثته ملقاة في أحد الشوارع التي لا تبعد عنا أكثر من عشر دقائق. في تلك الأيام، بدأت أشعر أن الموت لم يعد خبرًا بعيدًا. أصبح يسكن المنطقة نفسها. لم يعد الموت شيئًا نسمع عنه في الأخبار فقط. أصبح جزءًا من الأحاديث اليومية. اسم شخص قُتل في منطقة قريبة، أو خبر عن عائلة غادرت فجأة، أو قصة يرويها أحد الجيران عن حادثة وقعت قبل ساعات فقط. شيئًا فشيئًا بدأ الخوف يقترب من تفاصيل الحياة العادية. يمر في الشوارع نفسها. ويعرف أسماء الناس. وهذا ما جعل الأمر أكثر رعبًا. فالأخبار لم تعد تتحدث عن غرباء بعيدين، بل عن أشخاص قد نعرفهم أو نعرف من يعرفهم. ومع كل قصة جديدة كان الإحساس بالأمان يتراجع خطوة أخرى إلى الخلف. في تلك الفترة، كان أخي عاصم ما يزال يعمل في السوق الكبير في منطقتنا. كانت المحلات تفتح منذ الصباح، لكن الجميع كان يحرص على الإغلاق مبكرًا قبل حلول المساء. كانت الشوارع تتغير ملامحها مع اقتراب الغروب. الحركة تقل، والأبواب تُغلق بسرعة، والناس تسرع في العودة إلى بيوتها. وكأن الليل لم يعد مجرد وقت من اليوم، بل مساحة مجهولة يحاول الجميع تجنبها. الخوف أصبح جزءًا من الروتين اليومي. لكن عاصم لم يكن يشبه أغلب الناس. كان بطبيعته يميل إلى فعل ما يراه صحيحًا حتى لو عارضه الآخرون. لا يحب أن يُفرض عليه شيء بسهولة، ولا يتراجع عن رأيه لمجرد أن الجميع يطلبون منه ذلك. لم يكن متدينًا بطبيعته، وكان يحب الموسيقى كثيرًا. يرفع صوت المسجل في محله، بينما كانت المحلات المجاورة تشغل اللطميات والخطب الدينية عبر مكبرات الصوت. الموسيقى بالنسبة له لم تكن مجرد صوت في الخلفية. كانت جزءًا من يومه وشخصيته ومزاجه. لذلك لم يكن يرى في تشغيلها شيئًا يستحق كل ذلك الاعتراض الذي بدأ يواجهه. في البداية كانت مجرد ملاحظات. ثم تحولت إلى نقاشات. ثم إلى مشاجرات. ثم إلى تهديدات. لكن تلك السنوات لم تكن سنوات عادية. أشياء كثيرة كانت تتحول بسرعة من خلاف بسيط إلى مشكلة حقيقية. والتوتر الموجود في البلد كله كان يجعل أبسط الأمور قابلة للاشتعال. لكننا لم نكن نعرف ذلك. كان يعود إلى البيت ويتصرف بصورة طبيعية قدر الإمكان. يضحك أحيانًا، ويتحدث معنا كالمعتاد. لذلك لم يخطر ببالنا أن الأمور وصلت إلى تلك الدرجة خارج البيت. عاد عاصم إلى البيت كعادته، ولم يخبر أحدًا بما حدث. وفي اليوم التالي رأيته يحمل سلاحًا. لا أعرف إن كان اشتراه أو استأجره أو استعاره من أحد. أتذكر دهشتي في تلك اللحظة. لم أكن معتادًا على رؤية السلاح داخل البيت. ورؤية عاصم يحاول إخفاءه جعلتني أدرك أن هناك شيئًا أكبر مما كنا نعرفه يحدث في الخارج. كل ما أعرفه أنني رأيته يحاول إخفاءه داخل البيت. وحين اكتشفت أمي الأمر، اشتعلت مشاجرة كبيرة. رفضت الفكرة من أساسها. كانت تقول إن وجود السلاح في البيت لن يجلب إلا المصائب. لم يكن غضب أمي بسبب السلاح نفسه فقط، بل بسبب الخوف الذي كانت تحمله في قلبها. كانت تعرف أن البلد يمر بمرحلة خطيرة، وكانت تخشى أن يتحول السلاح من وسيلة حماية إلى سبب لمصيبة جديدة. أما عاصم فكان يكرر أنه لن يستخدمه إلا عند الضرورة، وأنه مجرد وسيلة للحماية. وربما كان يؤمن بذلك فعلًا. ففي تلك الأيام أصبح كثير من الناس يفكرون بالطريقة نفسها. الخوف كان يدفع البعض إلى البحث عن أي وسيلة تمنحهم شعورًا بالأمان وسط الفوضى المتزايدة. لكن أمي لم تقتنع. وبحزم لم أره منها كثيرًا، طلبت منه أن يأخذ السلاح ويغادر. قالت له بوضوح: "هذا السلاح لن يبقى ليلة واحدة في هذا البيت." كانت تتحدث بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش. نبرة الأم التي شعرت أنها إذا تراجعت هذه المرة فقد تفتح بابًا لا تستطيع إغلاقه لاحقًا. وبالفعل غادر عاصم إلى بيت بعض أقاربنا. وبقي البيت هادئًا على غير عادته. لكن ذلك الهدوء لم يكن طبيعيًا. كان الجميع يفكر في الأمر حتى دون أن يتحدث عنه. وكأن شيئًا ثقيلًا بقي معلقًا في الهواء بعد خروج عاصم. لكن ذلك الهدوء لم يكن راحة. كان يشبه الصمت الذي يسبق العاصفة. جلست تلك الليلة أفكر طويلًا. خارج الجدران كانت البلاد كلها تتغير بطريقة مخيفة، وداخل البيت بدأت أشعر أن آثار تلك التغييرات لم تعد بعيدة عنا كما كانت من قبل. لأول مرة أحسست أن الأحداث الكبيرة التي كنا نسمع عنها كل يوم بدأت تمد ظلالها نحو حياتنا الشخصية، خطوة بعد أخرى، بصمتٍ بطيء لكنه واضح. وفي تلك الليلة بالذات... حدث ما كنا نخشاه جميعًا. لم تكن هناك علامة واضحة تنذر بما سيحدث بعد ساعات قليلة. كان يومًا عاديًا مثل عشرات الأيام التي سبقته. تناولنا الطعام، وتحدثنا قليلًا، واستعد كل واحد للنوم. لكن بعض الليالي تحمل في داخلها مصيرًا مختلفًا دون أن تخبر أحدًا بذلك. في هدوء الليلة، كان البيت هادئًا على غير عادته. بعد مغادرة عاصم، خفتت الأصوات تدريجيًا، وغرق الجميع في النوم. أما أنا فكنت مستيقظًا. كانت تلك من العادات التي بدأت ترافقني في تلك المرحلة. كلما ثقل رأسي بالأسئلة أو ضاق صدري بما يدور حولي، وجدت نفسي أستيقظ في جزء من الليل. أقرأ، أو أدعو، أو أصلي، وكأنني أبحث عن هدوء لا أجده في النهار. اعتدت في تلك الفترة أن أقوم الليل كلما استطعت. كنت أقف في زاوية الصالة المظلمة أصلي، بينما بقية أفراد العائلة ينامون متفرقين في أنحاء البيت. كنت أسمع أنفاسهم الهادئة وأشعر بشيء من الطمأنينة. رغم كل ما مررنا به، كان وجود العائلة حولي يمنحني إحساسًا بأننا ما زلنا معًا، وأن البيت مهما كان صغيرًا يبقى ملاذًا من العالم الخارجي. كان الليل ساكنًا. ذلك النوع من السكون الذي يجعل أي صوت صغير يبدو مرتفعًا. لا سيارات تمر، ولا أصوات جيران، ولا حركة في الخارج. فقط ظلام هادئ يلف المكان كله. ساكنًا إلى درجة أنني كنت أسمع صوت أنفاسي. وفي منتصف الصلاة... سمعت صرخة. صرخة سهام. كانت صرخة مختلفة عن أي صوت عادي قد يصدر أثناء النوم. صرخة خرجت من أعماق الخوف. ولهذا السبب عرفت فورًا أن شيئًا غير طبيعي قد حدث. تجمدت في مكاني. للحظة قصيرة جدًا لم أفهم ما الذي يجري. عقلي حاول أن يجد تفسيرًا بسيطًا وسريعًا لما سمعته. حلم مزعج. سقوط شيء. أي شيء. لكن تلك اللحظة انتهت بسرعة. في البداية ظننت أنها استيقظت من كابوس أو حلم مفزع. قطعت صلاتي بسرعة واتجهت نحو مصدر الصوت، لكنني لم أكن أعلم أن الكابوس لم يكن في رأسها. كان داخل بيتنا. وهذه كانت الفكرة الأكثر رعبًا. فالخطر الذي كنا نسمع عنه في الخارج، في الأخبار والشوارع والقصص التي يرويها الناس، وجد طريقه أخيرًا إلى داخل الجدران التي كنا نعتقد أنها تحمينا. في اللحظة التالية شعرت بيد قوية تمسكني من كتفي وتسحبني بعنف. اختل توازني وسقطت بالقرب من أهلي. لم أستوعب ما حدث مباشرة. كل شيء وقع بسرعة شديدة. الحركة المفاجئة، والسقوط، والصوت المرتفع، والوجوه التي ظهرت أمامي دفعة واحدة. كأن الواقع نفسه تبدل خلال ثوانٍ معدودة. رفعت رأسي. ورأيتهم. سبعة رجال. وجوههم مغطاة بالأقنعة. وأيديهم تحمل أسلحة. في مشهد لن انساه أبدأ.