ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 26: القسم الخامس

القسم الخامس

عرفنا لاحقًا أنهم دخلوا إلى بيتنا، حيث تسلل أحدهم أولًا، ثم فتح الباب للبقية من تلك الفتحة التي بقيت مكشوفة لأننا لم نملك المال الكافي لإكمال البناء. كم مرة اشتكينا من نقص المال وتأجيل بعض الأعمال في البيت. لكنها كانت المرة الأولى التي أشعر فيها أن شيئًا بسيطًا كهذا يمكن أن يتحول إلى باب حقيقي للخطر. خلال دقائق قليلة، تحول بيتنا الصغير إلى ساحة خوف. البيت الذي اعتدنا أن ننام فيه ونأكل فيه ونتشاجر ونضحك داخله، أصبح فجأة مكانًا غريبًا لا نشعر فيه بالأمان. وكأن الغرباء انتزعوا منا الإحساس بأن هذا المكان يخصنا. أيقظوا الجميع. أمي. أبي. إخوتي. الكل استيقظوا على أصوات الصراخ والسلاح. أتذكر الوجوه أكثر من الكلمات. وجوه مذعورة خرجت من النوم إلى الكابوس مباشرة. لم يكن لدى أحد وقت ليستوعب ما يحدث أو ليسأل أو يفكر. لا أذكر كل التفاصيل بوضوح. الخوف يفعل ذلك أحيانًا. يحتفظ ببعض المشاهد بدقة مذهلة، ويمحو مشاهد أخرى تمامًا. لذلك بقيت هناك فراغات في ذاكرتي من تلك الليلة، بينما بقيت لحظات أخرى واضحة كأنها حدثت بالأمس. أذكر فقط أن الزمن كأنه توقف وقتها.. كأن كل ثانية أصبحت أطول من المعتاد. كنت أسمع الأصوات وأرى الحركة حولي، لكن الزمن بدا بطيئًا بصورة غريبة. وكأن العقل يحاول أن يستوعب ما يجري بينما الأحداث تسبق قدرته على الفهم. كانوا يبحثون عن عاصم. هذا ما فهمته. وعندها فقط بدأت أفهم سبب السلاح، وسبب التهديدات التي لم نكن نعرف عنها شيئًا، وسبب خوف أمي في الأيام السابقة. شعرت أن الخيوط المتفرقة التي لم نفهمها بدأت تتجمع أمامنا دفعة واحدة، لكن بعد فوات الأوان. كانت تلك الليلة بداية واحدة من أكثر الذكريات قسوة التي ستبقى عالقة في ذاكرتي لسنوات طويلة. لكنني لم أكن أعرف إن كانوا قد جاءوا بسببه تحديدًا، أم أن الدور قد وصل إلينا كما وصل إلى غيرنا. ففي تلك الأيام كانت القصص تتشابه بصورة مخيفة. كل يوم نسمع عن بيت دُهم، أو عائلة تعرضت للتهديد، أو شخص اختفى فجأة. لذلك لم أكن أعرف إن كنا مستهدفين لسبب محدد، أم أننا مجرد اسم جديد أضيف إلى قائمة طويلة من الأسماء التي ابتلعتها الفوضى. وقف أحدهم فوق رأس أبي وسأله: "أين عاصم؟" أجاب أبي بأنه لا يعرف. فهوى مؤخرة السلاح على رأسه. سمعت صوت الضربة. ورأيت الدم. ما زلت أتذكر تلك اللحظة بوضوح. ليس لأنها كانت الأعنف في حياتي، بل لأنها كانت المرة الأولى التي أرى فيها أبي بهذا الشكل. الرجل الذي اعتدت أن أراه قويًا ومتماسكًا بدا فجأة إنسانًا أعزل مثلنا تمامًا. ثم أعاد السؤال. ومرة أخرى قال أبي إنه لا يعلم. كان صوته حادًا ومشحونًا بالغضب. لم يكن يسأل بحثًا عن معلومة فقط، بل كان يتعامل معنا وكأن الحكم قد صدر مسبقًا، وكأن الحقيقة التي يريدها موجودة بالفعل لكنه ينتظر فقط من ينطق بها. كان الرجل يتصرف وكأنه مقتنع أن أحدنا يكذب عليه. لم يرضى بالاجابة ويتنظران يخبره احدنا بمكان أخي. أو ينتظر فقط أن ينهار أحدنا ويعترف. وكلما مرت ثانية إضافية كنت أشعر أن التوتر يزداد داخل الغرفة. لم يكن أحد يعرف ماذا سيحدث بعد لحظة أو بعد دقيقة. وكان هذا الجهل نفسه جزءًا من الرعب. أذكر بكاء إخوتي الصغار. وأذكر الخوف في عيون وملئ قلوبنا جميعأ. لم يكن هناك شخص واحد داخل البيت لم يشعر بالخوف تلك الليلة. حتى الذين حاولوا التماسك كانت أعينهم تفضحهم. فالخوف حين يكون قريبًا إلى هذه الدرجة يصبح شيئًا يمكن رؤيته ولمسه تقريبًا. في تلك الليلة لم يكن هاشم ولا عاصم موجودًا. كنت أنا أكبرالأبناء الموجودين في البيت. ولأول مرة في حياتي شعرت بثقل ذلك. فجأة لم أعد أشعر أنني مجرد واحد من الأبناء. شعرت بمسؤولية لم أكن مستعدًا لها، وكأن السنوات كلها قفزت فوق بعضها في لحظة واحدة وتركتني أمام اختبار لم أختره. شعرت أن عليّ أن أفعل شيئًا. أن اتصدى لهم او أي شيء. أن أقف. أن أصرخ. أن أهاجمهم. أن أحمي أهلي. كانت الأفكار تتزاحم في رأسي بسرعة جنونية. كل ثانية تحمل احتمالًا مختلفًا. وكل احتمال يبدو سيئًا أكثر من الذي قبله. لكن بين التفكير والفعل كانت هناك هوة كبيرة لم أستطع عبورها. لكنني لم أفعل. لم أستطع. كانوا سبعة. ومسلحين. أما أنا فكنت شابًا يقف أمام مشهد أكبر منه بكثير. كنت عاجزأ. واستغرق الأمر سنوات طويلة حتى أتقبل هذه الحقيقة. ففي تلك اللحظة كنت أحاسب نفسي بقسوة. كنت أريد أن أكون أقوى وأشجع وأكثر قدرة على حماية عائلتي. لكن الحقيقة أنني كنت شابًا خائفًا يواجه سبعة رجال مسلحين داخل بيته. وقفت متجمدًا. أضغط على جرح أبي بيدي. وأراقب. ولا أعرف ماذا أفعل. كان الشعور بالعجز أقسى من الخوف نفسه. الخوف قد تحتمله، أما أن ترى الخطر أمامك ولا تملك وسيلة حقيقية لإيقافه فذلك يترك جرحًا مختلفًا في النفس. حين أعاد الرجل السؤال للمرة الثالثة، ردت أمي. لا أتذكر كلماتها حرفيًا. أقسم أنني لا أتذكرها. كأنني وقتها لم اكن أسمع الاصوات ولا أشعر بالزمن في تلك اللحظات كانت الأصوات تصلني وكأنها تأتي من مكان بعيد. حتى اليوم لا أعرف كيف أصف تلك الحالة بدقة. كأن الزمن تباطأ، وكأن عقلي قرر أن يعزل نفسه جزئيًا عن المشهد ليحتمي من شدته. كنت أرى كل شيء، لكنني لا أستوعبه بالسرعة الطبيعية. لكنني أتذكر نبرة صوتها. أتذكر أنها لم تتوسل. ولم تبكِ. أتذكر فقط أنها واجهتهم. وهذا ما بقي محفورًا في ذاكرتي أكثر من الكلمات نفسها. فوسط الخوف والسلاح والصراخ، كانت أمي تقف بطريقة لم أتوقعها. لم أرَ فيها الضعف الذي كنت أتخيله في مثل هذا الموقف، بل رأيت شيئًا آخر تمامًا. الغضب. ثم قالت شيئًا أغضبهم. أتذكر أن الجو داخل البيت تغير فورًا بعد كلامها. كأن شيئًا انكسر في تلك اللحظة. وكأن الخط الفاصل بين التهديد والفعل أصبح أرق من أي وقت مضى. وفي تلك الثواني شعرت أن الليلة لم تصل بعد إلى أسوأ ما فيها، وأن ما سيحدث بعد ذلك سيبقى عالقًا في ذاكرتي سنوات طويلة مهما حاولت نسيانه. شيئًا جعل أحدهم يتجه نحوها فورًا. أمسك بها. وسحبها خارج البيت إلى الكراج. ثم بدأ يضربها. كل شيء حدث بسرعة مخيفة. لحظات فقط فصلت بين وقوفها أمامهم وبين جرّها إلى الخارج. لم يكن لدى أحد منا وقت ليستوعب ما يحدث أو يفكر كيف يتصرف. كنا ننتقل من صدمة إلى صدمة أكبر منها خلال ثوانٍ معدودة. سمعنا الصراخ. سمعنا صوت الضرب. ثم سمعنا أمي تصرخ من الألم. وما زلت أعتقد أن ذلك الصوت كان من أصعب الأصوات التي سمعتها في حياتي. ليس لأنه كان مرتفعًا، بل لأنه كان صوت شخص أحبه يتألم وأنا عاجز عن الوصول إليه أو مساعدته. لاحقًا عرفنا أن معصمها قد كُسر. ذلك المشهد لا يزال يسكن ذاكرتي حتى اليوم. هناك أحداث تمر في حياة الإنسان ثم تصبح ذكرى. وهناك أحداث أخرى لا تتحول إلى ذكرى أبدًا، بل تبقى حاضرة في مكان ما داخل النفس مهما مر عليها من سنوات. وهذه كانت واحدة منها. في تلك اللحظات كان عقلي يصرخ أكثر مما كان جسدي قادرًا على الحركة. كانت الرغبة في التدخل موجودة، لكن الواقع كان أقوى من كل شيء. سبعة رجال مسلحون، وعائلة كاملة تحت تهديد السلاح، وخوف يشل التفكير نفسه. ليس لأنهم اقتحموا البيت. ولا لأنهم كانوا يحملون السلاح. بل لأنني كنت أقف هناك... وأشاهد. كنت أتمنى أن أتحرك. أن أفعل شيئًا. أن أحمي أبي. أن أحمي أمي. أن أقف بينهم وبين الخوف. كنت أريد أن أكون الشخص الذي يحمي الجميع. الشخص الذي يمنع حدوث ما يحدث أمامه. لكن بعض المواقف تكشف للإنسان حدود قوته الحقيقية، مهما كان يتمنى غير ذلك. حتى لو كلفني ذلك حياتي. لكنني لم أستطع. ولسنوات طويلة بعد تلك الليلة، كلما تذكرت تلك الساعات، لم أكن أعود إلى تفاصيل الاقتحام أولًا. كنت أعود إلى ذلك الشعور الثقيل بالعجز. إلى تلك اللحظة التي وقفت فيها أراقب ما يحدث وأنا أعرف أنني لا أملك وسيلة حقيقية لإيقافه. لم يكن أكثر ما يؤلمني ما فعلوه بنا... بل عجزي عن الدفاع عمن أحب. وربما لهذا السبب بقيت تلك الليلة تؤلمني أكثر من غيرها. لأن الجرح لم يكن في الجسد فقط، بل في صورة كنت أحملها عن نفسي، صورة الشاب الذي يفترض أن يحمي أهله إذا احتاجوه. وقبل أن يغادروا، توقف أحدهم عند الباب والتفت إلينا. وبتهديد قال بصوت بارد لم أسمع مثله من قبل: "عندكم ثلاثة أيام فقط. إذا رجعنا بعد ثلاثة أيام ووجدناكم هنا... هذه المرة لن نوقظ أحدًا، مثل ما فعلنا الان وانما نطلق عليكم الرصاص وانتم نيام." ثم أشار إلى سلاحه وغادر. ظللت أنظر إلى الباب بعد خروجه للحظات طويلة. كأن عقلي لم يصدق أنهم رحلوا فعلًا. كنت أتوقع في أي لحظة أن يعود أحدهم أو أن يبدأ شيء جديد من الرعب. بقيت كلماته معلقة في البيت حتى بعد رحيلهم. لم تغادر معهم. بقيت في الجدران، وفي نظراتنا، وفي الصمت الذي ملأ المكان بعد ذلك. وكأن التهديد تحول إلى حضور خفي يجلس معنا داخل البيت. لم يستطع احدأ منا ان ينام تلك الليلة. وكيف يمكن للنوم أن يأتي بعد ذلك؟ كل صوت صغير كان يجعلنا نلتفت. وكل حركة خارج البيت كانت تبدو وكأنها بداية عودتهم من جديد. كانت الساعات تمر ببطء شديد حتى بدا الفجر بعيدًا أكثر من أي وقت مضى. جلسنا متفرقين في أماكننا، ننظر إلى الأرض أو إلى الجدران أو إلى الفراغ. لم يتكلم احد ابدأ ولم ينطق احد بشيء لا حديث ولا أسئلة. كان الخوف والرعب أكبر من الكلام. أحيانًا يصل الإنسان إلى مرحلة لا تعود فيها الكلمات قادرة على التعبير عما يشعر به. ليس لأن المشاعر قليلة، بل لأنها أكبر من أن تُقال. وهذا ما كان يملأ البيت تلك الليلة. حتى أبي، الذي اعتدنا أن نجد لديه جوابًا لكل شيء، بقي صامتًا. وكان صمته وحده كافيًا ليزيد ثقل الموقف. فأبي الذي اعتدنا أن نجد عنده حلًا أو رأيًا أو كلمة تطمئننا، كان يجلس هذه المرة غارقًا في التفكير مثلنا تمامًا. وكأن الجميع كان يفكر في السؤال نفسه: إلى أين سنذهب الآن؟ لم يكن السؤال عن مكان جديد فقط، بل عن الأمان نفسه. شعرنا فجأة أن البيت الذي كنا نعتقد أنه ملاذنا لم يعد قادرًا على حمايتنا. وأن الأيام الثلاثة التي منحونا إياها لم تكن مجرد مهلة، بل عدًّا تنازليًا بدأ بالفعل، وسيجبرنا على اتخاذ قرار جديد يضاف إلى سلسلة القرارات الصعبة التي فرضتها علينا الحياة منذ سنوات. مع شروق الشمس، بدأت أمي تتحرك. كانت يدها مكسورة، لكنها لم تتوقف. خرجت من البيت، وبدأت تتنقل بين بيوت الجيران. ثم فتحت الباب الخارجي على مصراعيه. أتذكر ذلك اليوم بوضوح. كنت أقف بصمت وأراقب الناس وهم يدخلون ويخرجون. رجال ونساء وجيران ومعارف. يتفحصون الأثاث، يرفعون هذا، وينظرون إلى ذاك، ويسألون عن الأسعار. خلال ساعات قليلة، تحول بيتنا إلى ما يشبه المزاد. لم يكن لدينا وقت لنفاوض أو ننتظر. كنا نبيع كل شيء تقريبًا بنصف قيمته. الخزائن. الأسرة. الطاولات. الأثاث الثقيل الذي لن نستطيع حمله معنا. كل قطعة كانت تغادر البيت، كانت تأخذ معها ذكرى من ذكرياتنا. لكن لم يكن لدينا خيار. مرت الأيام الثلاثة بسرعة مخيفة. وقبل انتهاء المهلة، لم يبقَ لنا سوى عدد من الصناديق وحقائب الملابس وبعض الحاجيات الضرورية. أما البيت الذي تعبنا في بنائه، فلم يعد بيتنا. أصبح مجرد مكان يجب أن نغادره. ولأن الوقت لم يكن يكفي للبحث عن منزل جديد. ولن نتمكن من أيجاد مكان اخر بهذه السرعة والمهلة. لذا تواصل معنا الشيخ حميد. بعد أن علم بالأمر. أخبرنا أن منزله في "حي الحشود" فارغ في تلك الفترة، وأن بإمكاننا الإقامة فيه مؤقتًا حتى نجد حلًا آخر. أخبرنا بأنه الان انتقل إلى شمال العراق بسبب الاوضاع المتدهورة ومن كان أنذاك. لم يكن أمامنا خيار أفضل. لذلك حملنا ما تبقى لنا من أشياء، ووضعناها في سيارة النقل مرة أخرى. وأغلقنا الباب خلفنا. لا لأننا أردنا الرحيل... بل لأن الخوف سبقنا إليه. وهكذا غادرنا النهروان. وغادرنا البيت الذي ظننا يومًا أنه سيكون النهاية الأخيرة لرحلاتنا. متجهين نحو "حي الحشود"... دون أن نتخيل أن ما ينتظرنا هناك سيعيد تشكيل مجرى حياتنا بالكامل.

ختام الفصل الخامس