حياة من ورق
القسم الأول____________________________________________
لم تكن هجرتنا هذه المرة تشبه انتقالاتنا السابقة. لم تكن هناك سيارة نقل كبيرة ممتلئة بالأثاث، ولا ضجيج إخوتي وهم يتشاجرون على أماكن الجلوس فوق الصناديق، ولا ذلك الشعور الغريب الذي كان يرافق كل انتقال جديد. هذه المرة كنا نهرب. هربنا من النهروان تحت وطأة الخوف. ثلاثة أيام فقط كانت تفصل بيننا وبين التهديد الذي تلقيناه. ثلاثة أيام تحوّل خلالها بيتنا إلى ما يشبه المزاد العلني، وبعنا فيه معظم ما نملك بأقل من نصف قيمته. وحين انتهت المهلة، لم يتبقَّ لنا سوى بضعة صناديق كرتونية، وحقائب ملابس، وبعض الأغراض التي استطعنا حملها معنا على عجل. تكدسنا جميعًا داخل سيارة "كية" بيضاء مستأجرة، بينما وضعت الأمتعة القليلة في الخلف. انطلقت بنا السيارة على الطريق السريع الرابط بين النهروان وبغداد، تاركة خلفها بيتًا لم يكتمل، وحياة لم تكتمل هي الأخرى. كان الطريق طويلًا ومغبرًا. تراب الصيف الجاف يرتفع خلف المركبات كستارة باهتة، والهواء الساخن يتسلل من النوافذ نصف المفتوحة. جلست قرب الزجاج أراقب المشهد بصمت. كانت بساتين النهروان وأراضيها الزراعية تتراجع شيئًا فشيئًا خلفنا، بينما كانت داخلي تتراجع معها سنوات كاملة من الذكريات. لم أكن أفكر إلى أين نحن ذاهبون. كنت أفكر فقط فيما تركناه وراءنا. كلما ابتعدنا أكثر، ازداد شعوري بأننا لا نغادر مكانًا فقط، بل نغادر جزءًا من حياتنا. عندما اقتربنا من بغداد، بدأ كل شيء يتغير. ازدادت السيارات. وازداد الضجيج. وازدادت رائحة العوادم في الهواء. ثم وصلنا إلى "سيطرة بوابة الشمال"، عند مدخل منطقة حي الحشود. هناك شعرت للمرة الأولى بثقل العاصمة. كانت الشاحنات القادمة من الشمال تمتد في طوابير طويلة، متراصة كأفاعٍ حديدية ضخمة تنتظر دورها للعبور. محركاتها تزأر بلا توقف، وتنفث دخانًا أسود يختلط بغبار الطريق والسماء الرمادية فوقها. كان المكان أشبه بمصفاة عملاقة للبشر والسيارات والقصص القادمة من كل الجهات. على جانبي الطريق، كانت البيوت متلاصقة بشكل يجعلها تبدو وكأنها تتكئ على بعضها خوفًا من السقوط. أسلاك الكهرباء تتشابك فوق الرؤوس كشباك عنكبوت عملاقة، والوجوه تراقب المارة من النوافذ والأبواب الضيقة. تحت الجسر، كان الباعة يصرخون بأصوات متداخلة، يعرضون الماء البارد والكليجة والسجائر على المسافرين المتعبين. وفي المقهى القريب جلس رجال غطت الشمس وجوههم بلون نحاسي داكن، يحتسون الشاي ويراقبون حركة السيطرة العسكرية بصمت. كان الجنود يدققون في الهويات. والناس تدقق في وجوه الجنود. وكل شخص بدا وكأنه يشك بالجميع. في تلك السنوات، لم يعد العبور من نقطة تفتيش مجرد عبور. كان امتحانًا صغيرًا للنجاة. نجح السائق أخيرًا في تجاوز الزحام، وانعطف بنا نحو عمق المنطقة. ومع كل شارع جديد كانت صورة "حي الحشود" تتكشف أكثر. ثم ظهر أمامنا سوق المصب. كان السوق يعج بالحياة بطريقة تكاد تناقض كل ما عشناه في الأشهر الماضية. أصوات الباعة ترتفع من كل اتجاه، وروائح الشواء والأسماك والتوابل تختلط في الهواء، والمارة يتدفقون بين الأزقة والمحال الضيقة وكأن الحرب تقع في بلد آخر. كنت أراقب كل شيء من نافذة السيارة. وجوه الناس. ألوان المحال. أكياس الخضار المبللة بالماء. الأطفال الذين يركضون بين البسطات. شعرت للحظة أن الحياة هنا أقوى من الخوف. أو ربما أكثر اعتيادًا عليه. بعد أن تجاوزنا السوق، بدأت الضوضاء تخف تدريجيًا. دخلنا منطقة سكنية أكثر هدوءًا. ثم توقفت السيارة أخيرًا أمام بيت من طابقين. كان جديد البناء نسبيًا، بواجهة أنيقة وحديثة مقارنة بالبيوت المحيطة به. نظرنا إليه بصمت. لم يكن بيتنا. ولم يكن بيتًا استأجرناه. بل كان بيت الشيخ حميد. الرجل الذي فتح لنا بابه في وقت لم نجد فيه بابًا آخر نطرقه. حين دخلنا إلى الداخل، استقبلتنا برودة التكييف. كان البيت مؤثثًا بالكامل. أرائك فخمة. أرضيات لامعة. وغرف مرتبة بعناية. بدت أشياؤنا القليلة التي أنزلها أبي من السيارة غريبة وسط كل ذلك الترتيب. بضعة صناديق وحقائب متعبة جاءت من بيت هارب، واستقرت في زاوية صالة واسعة لا تشبه حياتنا. وضعت حقيبتي على الأرض. ونظرت حولي. لم أشعر بالفرح. ولم أشعر بالراحة. شعرت فقط أننا ما زلنا عابرين. نجونا من الخوف في "النهروان"، نعم. لكننا لم نصل بعد إلى المكان الذي يمكن أن نسميه وطنًا. وكما حدث في كل مرة سبقتها، كنت أشعر أن هذه المحطة ليست النهاية... بل بداية فصل جديد من سيرة الخوف. بعد سقوط النظام، أراد الرئيس الأمريكي المؤقت أن يحوّل البلاد إلى واحة للديمقراطية بعد عقود مريرة من الدكتاتورية والقبضة الحديدية. لكن تلك "الديمقراطية" الموعودة لم تأتِ وحدها؛ بل جاءت معها طوفان من الأشياء التي حُرمنا منها طويلاً. فجأة، انفتحت الحدود ودخلت إلى البلد السيارات الحديثة، وأجهزة الكمبيوتر، والهواتف المحمولة لأول مرة في تاريخنا. كنا نعيش انتقالاً عنيفاً وسريعاً بين زمنين. في تلك الأيام، اشترينا أول هاتف محمول يدخل بيتنا. تذكرتُ اللحظة التي أمسكتُ فيها بذلك الجهاز الصغير؛ كانت المرة الأولى في حياتي التي أرى فيها هاتفاً لاسلكياً أو ألمسه. بدا لي في البداية أشبه بقطعة من الفضاء الخارجي، شاشته الصغيرة المضاءة بلون فسفوري، وأزراره التي تصدر نغمات رتيبة عند الضغط عليها. لم يكن امتلاك هذا الموبايل ترفاً أو مجرد مواكبة للموجة الجديدة، بل كان ضرورة قصوى فرضها علينا زمن الخوف والشتات. كان هذا الجهاز الصغير هو حبل الوريد الوحيد الذي يربطنا بمن نحب وسط الفوضى التي تبتلع الشوارع. فمن خلاله، كنا نطمئن على أعمامي، وعلى "الشيخ حميد" (أبو مرتضى) صاحب الفضل علينا، وعلى أختي "هيام".. أولئك الذين أجبرتهم الظروف وسوء الأوضاع الأمنية في بغداد على حزم أمتعتهم والانتقال بعيداً نحو الشمال، بحثاً عن أمان افتقدناه جميعاً. كنتُ أراقب والدي وهو يمسك بالهاتف بيد مرتجفة، يضغط على الأزرار ببطء وهو يحاول استيعاب هذه التكنولوجيا الجديدة، وينتظر بصمت قلق خروج صوت "الرنين" من السماعة. وعندما يأتي الصوت من الطرف الآخر، دافئاً وقادماً من جبال الشمال، كانت ملامح والدي ترتخي وتتحول تنهيدته الثقيلة إلى ابتسامة باهتة. لقد منحنا هذا الجهاز القدرة على سماع أصوات أحبتنا، لكنه في الوقت ذاته، كان يذكرنا في كل مكالمة بكم نحن متباعدون، وكم أصبحت المسافات بين العائلات العراقية موحشة وخطيرة. مرت الأيام رتيبة وثقيلة ونحن نتحسس خطانا في هذا البيت، وفي بيئتنا الجديدة. كانت منطقة "حي الحشود" تضج بالحركة؛ بيوت متلاصقة كأنها تشد بعضها بعضاً، محلات لا تغلق أبوابها، وأرصفة يغص بها المارة وسوق "المصب" الذي لا يهدأ صخبه. ومع ذلك، كان هناك حظر تجول غير معلن يفرضه الخوف على الأرواح. الكل هنا خائف، والكل يخشى التحدث مع الآخر أو إطالة النظر في عينيه. في هذا الاكتظاظ البشري المرعب، عشنا في عزلة تامة؛ لم نتعرف على جار، ولم يطرق بابنا أحد. كان الجوار مجرد جدران صامتة تخبئ خلفها مخاوفها الخاصة، تماماً كما نفعل نحن. بعد هروبنا القسري من "ضاحية النهروان" ووصولنا إلى هنا، وجدنا أنفسنا بلا عمل، وكان العوز ينهش أيامنا بضراوة وسط وضع اقتصادي معقد وصعب جداً. في تلك الأيام الخانقة، اضطر أخي "عاصم" إلى الانتقال إلى منطقة أخرى بعد أن وجد عملاً في أحد معامل الجبس. لم يكن عملاً مريحاً؛ بل كان يقضي ليله هناك، ينام في غرفة صغيرة مخصصة للعمال، محاطاً بغبار الجبس الأبيض وتعب الأيام الحافلة بالقلق. كان خروج عاصم يحمل غصة أخرى؛ فقد كان هو السبب غير المباشر في ترحيلنا بعد أن جلب السلاح إلى بيتنا القديم وتسبب في لفت الأنظار إلينا. لكن الشوق والندم كانا يثقلان كاهله، وبعد عدة محاولات منه لاسترضاء أمي واستجداء عفوها ليعود إلى حضن العائلة، غلبتها عاطفة الأمومة وسامحته، ليعود إلينا محملاً بملامح الانكسار والرغبة في التعويض. مع مرور الوقت، شعرتُ برغبة عارمة في كسر طوق هذه العزلة والبحث عن أي خيط يربطني بالحياة. تذكرتُ أن لي زملاء قدامى من أيام "المدرسة الصناعية" يقطنون هنا في منطقة „حي الحشود“. لم تكن صداقتي بهم متينة أو قوية كعلاقتي بصديقَي العمر "أحمد وعماد"، لكنهم كانوا زملاء صف، يجمعنا تاريخ مشترك ومقاعد دراسية واحدة. بعد بحث ومحاولات، تمكنتُ من العثور على عناوين سكنهم. تواصلتُ معهم وبدأتُ أزورهم بانتظام، نجلس معاً ونتحدث في مختلف الأمور، نهرب بالحديث من قسوة الحاضر إلى ذكريات الماضي. كان "بلال" قد افتتح محلاً صغيراً للمواد الغذائية (ميني مارت)، وكان جاره في السوق صديقنا الآخر "مصطفى"، أما "وسيم" فقد كان يدير محلاً لبيع الملابس الرجالية في قلب سوق المصب الصاخب. وسط تلك الأحاديث الممتدة والبحث المستمر عن مخرج من ضائقتنا المالية، سألتهم إن كان هناك أي فرصة عمل لي في أروقة السوق. وبالفعل، أثمرت تلك اللقاءات؛ إذ وجدتُ عملاً في محل لبيع الأطعمة السريعة (الفلافل والبطاطا المقلية). في اليوم الأول لعملي، وبينما كنتُ أقف وراء واجهة المحل الزجاجية، أراقب الزيت المغلي وهو يتناثر، وصوت قرمشة البطاطا، أدركتُ أنني بدأتُ أخيراً أغرس جذوري في أرض هذه المنطقة الجديدة. لم يكن العمل الذي حلمتُ به، لكنه كان خطوتي الأولى للوقوف على قدمي مجدداً، ومواجهة سيرة الخوف بلقمة عيش مغمسة بعرق الجبين. مرت الأيام متشابهة، رتيبة، ومغمسة برائحة الزيت الساخن وبخار الطعام. كان جدولي اليومي يبدأ وينتهي في ذلك المحل الصغير في "سوق المصب"؛ أقضي الساعات الطوال أُقشّر البطاطا والبصل، وأقلي الفلافل، وأمسح الطاولات من بقايا النهار. وفي نهاية العصر، حين يهدأ ضجيج السوق قليلاً، أقف مستسلماً لغسل الأواني والأغراض التي استعملناها، وأنظف الأرضية بماء يمتص تعب جسدي، قبل أن أجر خطاي الثقيلة وأعود إلى البيت. وفي أحد الأيام، حلّت عطلة نهاية الأسبوع. كان البيت غارقاً في صمت غريب، وكأن الجدران تأخذ استراحة محارب. وبينما كنتُ أتجول في أروقته محاولاً طرد الملل، وقفتُ مسمراً أمام مكتبة "الشيخ حميد" الكبيرة. لم تكن مجرد خزانة خشبية، بل كانت محراباً غامضاً يحتشد بكتب التاريخ السياسية والدينية، والكتب الصوفية، ومجلدات ضخمة تتحدث عن الغيبيات والروحانيات وعالم الماورائيات. في تلك اللحظة، ضربت عاصفة من الذكريات عقلي. تذكرتُ أيامنا الخوالي في ضاحية "النهروان"، حين كان الشيخ يزورنا بين الحين والآخر. تذكرتُ تلك الجلسات الليلية الغامضة، وأحاديث الاستحضار، وتعليم أبي ليتقن هذا العمل. وتلك الكتب العتيقة المريبة التي كان يجلبها معه دائماً في حقيبته الجلدية. التفتُّ إلى الرفوف، وإذ بي أرى نفس تلك الكتب التي طالما أثارت رعباً طفولياً في داخلي. انتابني فضول حاد، فضول يشبه المغناطيس الذي يجرني نحو حافة الهاوية. أخذتُ أقلب الكتب بسرعة؛ أسحب هذا وأترك ذاك. وأثناء تقليب الصفحات سقطت من أحد المجلدات ورقة صفراء قديمة كُتب عليها بخط باهت: "سجلات شاكا". حدقتُ فيها لثوانٍ قبل أن أعيدها إلى مكانها وأواصل البحث بين الكتب. حتى استقرت يدي على ثلاثة كتب كانت تتمحور حول الغيبيات، وعوالم الجن والملائكة، وأسرار العوالم غير المرئية. تسللتُ بالكتب إلى الزاوية التي اتخذتها مكاناً لنومي، واستلقيتُ أُقلب الصفحات بقراءة سطحية وسريعة. كانت الكلمات غريبة، تترك في حلقي جفافاً وفي عقلي تساؤلات لا تنتهي. وحينما انتهيت من تلك القراءة الخاطفة، لم يرتوِ فضولي، بل شعرتُ برغبة عارمة، رغبة غير طبيعية، في قراءة المزيد.. وكأن شيئاً خفياً في الغرفة كان يهمس لي بأن أعود.