القسم الثاني
رجعتُ إلى المكتبة، أعدتُ الكتب الثلاثة إلى مكانها وأخذتُ أتفرس في العناوين بحثاً عن صيد جديد. وأثناء تدقيق نظري في الرف السفلي، لمحتُ دولاباً خشبياً صغيراً مغلقاً في قاع المكتبة. لم يتردد عقلي؛ مددتُ يدي وفتحته. هناك، في عتمة ذلك الدولاب، كانت تقبع الأسرار الحقيقية. كانت هناك نسخ قديمة جداً، يفوح منها غبار أشبه برائحة المقابر. أوراقها صفراء متآكلة الحواف. وقعت عيني على كتاب عن "تاريخ السحر والفودو"، ونسخ صغيرة الحجم ومرعبة من كتاب "شمس المعارف"، وطلاسم منسوجة بحبر باهت. لكن، وسط كل تلك الفوضى، استقر نظري على كتاب معين؛ كان ذو نسخة قديمة جداً، مجلد بغلاف جلدي أسود داكن، وخالٍ تماماً من أي عنوان أو اسم كاتب. كان صامتاً بطريقة مستفزة، وكأنه يختارني أنا بالذات. انتابني فضول هستيري. وبحركة خاطفة، التقطته مع بضعة كتب أخرى، ودسستهم تحت ذراعي ميرعاً إلى غرفتي. جلستُ على فراشي، وشعرتُ فجأة بنسمة هواء باردة تلفح رقبتي رغم أن النوافذ كلها كانت مغلقة! فتحت الغلاف الأسود للكتاب المجهول، وقبل أن تقرأ عيني أول سطر، انبعثت منه رائحة تشبه بخوراً قديماً ومحترقاً. أحسستُ بدقات قلبي تتسارع، وثقل مفاجئ يهبط على صدري، وكأن هواء الغرفة قد تبخر. وفي اللحظة التي بدأت فيها الكلمات الغامضة والرموز المرسومة بالحبر الأحمر تتضح أمام عيني، مزق الصمت صوتٌ من الخارج: "سليم! أين أنت؟". كانت أمي تناديني. انتفضتُ من مكاني مذعوراً كمن قُبض عليه متلبساً بجريمة. تملكني خوف شديد من أن تلمح الكتاب؛ فبسرعة ودون تفكير، خبأتُ الكتاب الأسود بعناية بين طيات ملابسي في الخزانة، وأغلقت الدرفة، ثم خرجتُ إليها مسرعاً، بينما كان إحساس غريب يملأ رأسي.. إحساس بأن هناك عيوناً غير مرئية طُبعت على جدران الغرفة، وبأنني منذ هذه اللحظة، لم أعد وحدي أبداً. في تلك الليلة، طار النوم من عيني. كان عقلي يغلي بكثرة التفكير في العالم الآخر، والطلسمات، وما قرأته في تلك الكتب قبل ساعات. شعرتُ بجاذبية خفية تسحبني نحو الخزانة، فلم أقاوم. أخرجتُ الكتاب الأسود، وعدتُ إلى فراشي مستلقياً، وبدأتُ أتصفحه تحت ضوء المصباح الخافت. لم أفهم كل ما كُتب بين دفتيه؛ كانت معظم السطور مشحونة بطلاسم معقدة، وجداول أرقام غريبة، وشروحات مبهمة عن طرق استحضار الجن والكيانات الخفية. كنتُ أُقلب الصفحات بسرعة ملؤها الوجل، إلى أن توقفت عيناي مسمرتين عند منتصف إحدى الصفحات. لم تكن الكلمات هنا مطبوعة كبقية الكتاب، بل كانت مكتوبة بخط يدٍ خشن، وحبر أسود مائل للحمرة، كأنه كُتب على عجَل أو بدمٍ جاف. كانت جملة واحدة، غامضة ومقشعرة للأبدان:
"دَخَلْتُ عَالَمَ مَنْ غَابُوا وَمَنْ حَضَرُوا. فَلَمْ يَعُدْ لِي مَعَ السُّكَّانِ مُسْتَقَرُ. بَيْنَ المَقَابِرِ وَالأَسْرَارِ لِي قَدَرٌ. يَخَافُهُ الجِنُّ وَالإنْسَانُ وَالبَشَرُ. حُرُوفُ اسْمِي مِنَ الإنْصَاتِ مَنْبَعُهَا. فَمَنْ أَنَا.. أَيُّهَا القُرَّاءُ هَلْ ظَهَرُوا؟"
توقفتُ عن التصفح تماماً. تركز نظري كله على هذه الكلمات السائلة. قرأتها المرة الأولى بصوت خافت كالهسيس. ثم عدتُ وقرأتها مرة ثانية، فشعرتُ بوخز خفيف في أطراف أصابعي. توقفتُ لأفكر في معنى الكلمات، لكن عقلي عجز عن تفسيرها. وبدافع فضولٍ مدفوع بجهل تام، قرأتها للمرة الثالثة.. ناطقاً بالحرف الأخير بوضوح. في تلك اللحظة بالذات، انشقّ شيءٌ ما في الفراغ. تغيرت أجواء الغرفة دفعة واحدة وبصورة مرعبة. هبطت البرودة فجأة حتى شعرتُ أن أنفاسي تكاد تخرج كبخار أبيض، برودة قاسية لم تكن قادمة من الطقس، بل كانت تنبعث من جدران الغرفة نفسها. ساد هدوء ثقيل ومكتوم، هدوء غير طبيعي اختفت معه أصوات الكلاب السائبة في الخارج وضجيج السيارات البعيد في "حي الحشود"، كأن الغرفة عُزلت عن كوكب الأرض بالكامل. ثم، سمعتُه. صوت حركة خفيفة، أشبه باحتكاك قماش خشن على الأرضية، يتلوه صوت أنفاس متلاحقة وضعيقة.. قادمة من الزاوية المظلمة خلف خزانة الملابس. أحسستُ بوضوح، وبكل خلية في جسدي، أن هناك "أحداً ما" يقف هناك، يحدق فيّ بعينين لا أراهما، وينتظر. شعر رأسي وقف بالكامل، وتجمد الدم في عروقي. التفتُّ بذعر نحو باب الغرفة، ثم التفتُّ يميناً وشمالاً، وأنا أبتلع ريقي بصعوبة بالغة. حرّكت عينيّ في أرجاء المكان، لكني لم أرَ سوى العتمة الحلكة، وسكون الليل الذي بات يهددني. حاولتُ طرد الأفكار السوداء وإقناع نفسي بأنه مجرد وهم ناتج عن التعب وقراءة هذه السموم. أغلقتُ الكتاب بقوة كمن يغلق بوابة الجحيم، ووضعته بجانبي على الفراش. أغمضتُ عينيّ وضغطتُ عليهما، مستدعياً كل ما أملك من شجاعة لاستجداء النوم.. فغداً لديّ يوم شاق وعمل طويل في محل الفلافل بسوق المصب، ويجب أن أستيقظ مبكراً. لكنني كنتُ أعلم في داخلي، أن الاستيقاظ غداً لن يكون كأي استيقاظ مضى. في الصباح التالي، استيقظتُ قبل المنبه بكثير. لم يكن استيقاظاً طبيعياً، بل شعرتُ كأن يداً غير مرئية قد نفضت عني النوم فجأة. انفتحت عيناي على عتمة الفجر الأولى، وكان أول ما وقع عليه نظري هو الغلاف الأسود للكتاب الراقد بجانبي على الفراش. كان جسدي مثقلاً بالخمول، لكن عقلي كان متيقظاً بشكل حاد، وما زالت أبيات الليلة الماضية تتردد في صدري مثل رجع الصدى. تلمستُ رقبتي؛ كانت البرودة قد تلاشت، وحلّ محلها سكون الصباح المعتاد في "حي الحشود". نسيتُ أو تناسيتُ ما حدث، ودسستُ الكتاب في أعمق نقطة بالخزانة، ثم غادرتُ البيت مسرعاً نحو عملي. عندما وصلتُ إلى "سوق المصب"، كان الضباب الصباحي يلف البسطات والمحلات كأكفان بيضاء باردة. بدأتُ روتيني اليومي كالعادة؛ أخرجتُ أكياس البطاطا والبصل، وبدأتُ بالتقشير. كانت السكين تتحرك في يدي بآلية رتيبة، كنتُ مشتتاً بالكامل، غارقاً في محاولة فهم الجملة وسؤالها:
"فَمَنْ أَنَا.. أَيُّهَا القُرَّاءُ هَلْ ظَهَرُوا؟".
كنتُ أرددها في عقلي بحرقة وفضول، وفي تلك اللحظة من الذهول التام، انزلقت السكين الحادة عن حبة البطاطا لتنغرس في إبهامي. "تباً!".. همستُ بوجع وأنا أضغط على جرحي. كان ينزف بغزارة، وبشكل غريب، سقطت قطرة دم قانية وثقيلة لتستقر مباشرة فوق لوح التقطيع الخشبي، تلتها قطرة ثانية. لم أكن أعلم حينها، في غمرة جهلي، أنني في عالم الماورائيات واللعنات لم أكن مجرد عامل يجرح إصبعه.. بل كنتُ أهدر القربان الأسمى. كنتُ، ومن حيث لا أحتسب، أوقّع بخطوط دمي الدافئ عقدَ ميثاقٍ أبدي مع الكيان الذي استيقظ البارحة خلف الخزانة! في اليوم التالي، بدأت الأعراض تتصاعد بالتدريج. استيقظتُ لأجد أن حواسي قد تبدلت تماماً؛ لقد انفتح فعلأ ما يسمونه في كتب الشيخ بـ "سمع الأثير". الذي قرأتُ عنه البارحة. في طريق السير نحو السوق، كان خطى المارة البعيدة في السوق يأتيني بوضوح غير طبيعي، ولأول مرة، كنتُ أشعر بأن حواسي "مختلفة". كان صوت تقشير البصل يبدو في أذني عالياً جداً. أشعلتُ النار تحت مقلاة الزيت الكبيرة. ووقفتُ في مكاني خلف الواجهة الزجاجية للمحل. بدأ الزيت يغلي، وتصاعدت منه فقاعات متلاحقة وصوت أزيزه المألوف. رفعتُ مغرفة الفلافل وبدأتُ بإسقاط الأقراص في الزيت الحار. تصاعد بخار كثيف، وحين انحنيتُ لأسقط أقراص الفلافل، تجمدت أطراف أصابعي، حدث شيءٌ جعل قلبي يقفز من مكانه. في قاع المقلاة، وسط الزيت المغلي والفقاعات المتراقصة، لم أرَ انعكاس وجهي. رأيتُ وجهاً آخر. كان وجهاً شاحباً، ملامحه مشوهة بفعل تموجات الزيت الساخن، وعيناه غائرتان ومظلمتان تماماً، تبتسمان لي بخبث من تحت السطح الملتهب! انتفضتُ إلى الخلف لا شعورياً، وسقطت المغرفة من يدي لتحدث رنيناً حاداً على الأرض. ليعيدني صراخ صاحب المحل إلى الواقع. مسحتُ عينيّ بسرعة وهززتُ رأسي، وعندما نظرتُ مجدداً.. لم يكن هناك سوى أقراص الفلافل تطفو باللون الذهبي، وزيت يعكس ضوء المصباح الأصفر. _ "ما بك يا ولد؟ أين ذهبت؟" اعتذرتُ منه بتمتمة غير مفهومة، والتقطتُ المغرفة ويدي ترتجف. حاولتُ إقناع نفسي بأنها مجرد هلاوس بصريّة بسبب قلة النوم وبخار الزيت المحترق، بدأ إصبعي المجروح ينبض بألم حارق كأن النار تلتهمه. لكن الرعب الحقيقي كان ينتظرني في اليوم التالي. في اليوم الثالث، تيقنتُ أن اللعنة أصبحت تملك جسداً وظلاً. عند نهاية العصر، غادر الجميع وحلّ الصمت المطبق فبقيتُ وحدي كالعادة لتنظيف المحل وغسل الأواني. سحبتُ خرطوم الماء وبدأتُ أرسل دفقاته على الأرضية الإسمنتية لتجرف بقايا اليوم. انحنيتُ لأمسح الطاولات الخشبية، وفجأة، انقطع صوت ضجيج الشارع تماماً. ساد الهدوء ثقيل كهدوء المقابر. نفس ثقل المكتوم الذي عشته البارحة في غرفتي. توقفتُ عن المسح، وحبستُ أنفاسي. وفي الصمت المطبق الذي لفّ "سوق المصب"، سمعتُ صوتاً يأتي من زاوية المحل المظلمة، حيث تتكدس أكياس البصل الفارغة. سمعتُ حشرجة ناعمة. لم يكن صوتاً غريباً.. بل كان صوت خطى خفيفة، يتبعها هسيس ناعم، كأن أحداً يقف هناك ويقرأ بصوت مقلوب، وبنبرة ساخرة، نفس الأبيات التي تلوتها بالأمس:
"...فَلَمْ يَعُدْ لِي مَعَ السُّكَّانِ مُسْتَقَرُ..." "...بَيْنَ المَقَابِرِ وَالأَسْرَارِ لِي قَدَرٌ..."
تجمدتُ في مكاني، وكانت الممسحة في يدي ترتعش. شعرتُ برطوبة باردة جداً تتسلل إلى أسفل قدميّ، وعندما نظرتُ إلى الأرضية المبللة بالماء، رأيتُ انعكاسي.. لكن الانعكاس لم يكن يمسح الطاولة مثلي. كان انعكاسي في الماء واقفاً، يحدق بي مباشرة بعينين ميتتين، وماداً يده ببطء نحوي، كأنه يحاول سحبي إلى الداخِل! ألقيتُ بالممسحة وركضتُ نحو الخارج دون أن أغلق باب المحل الحديدي بالكامل. خرجتُ إلى الشارع ألهث، وألتفتُ خلفي بذعر، مستنجداً بأضواء "حي الحشود" الصفراء الباهتة وبقايا المارة في السوق. أدركتُ حينها، وبيقين مرعب، أنني لم أعد أقرأ عن العالم الآخر في كتب الشيخ "حميد“.. بل إن العالم الآخر هو من بدأ يقرأني، وأنني أخذتُ معي إلى المحل شيئاً لم يكن ينبغي له أن يستيقظ أبداً. لقد فهمت، والخوف يخلع قلبي، أن قطرات الدم التي سقطت في اليوم الأول، كانت المفتاح الإلهي الذي منح ذلك الشيء الحق في ملاحقتي، والآن.. أصبحتُ طريدته في عالم البشر. كانت الحياة في "حي الحشود" تنقسم بالنسبة لي إلى عالمين منفصلين تماماً؛ نهار صاخب يغرق في تفاصيل البشر، وليل موحش يغرق في أسرار الكِتاب. في النهار، كان المشهد يبدو عادياً جداً وممتلئاً بالحركة. يخرج أبي وأمي كل صباح، يطرقان أبواب الدلالين في المنطقة والمناطق المجاورة. يبحثان بلا كلل عن منزل لنا؛ منزل يكون ملكنا أو حتى بالإيجار، يخلصنا من ثقل الامتنان في بيت الشيخ حميد. وفي نفس الوقت، كان إخوتي الصغار (وسام، وسهام، وفارس) يحملون حقائبهم المدرسية ويتوجهون إلى المدرسة القريبة في الحي، يملأون البيت بضجيج قلق الامتحانات وضحكات الطفولة التي تحاول التشبث بالحياة رغم ظروف الحرب الأهلية في الخارج. بين الحين والآخر، كان أخي "عاصم" يأتي لزيارتنا، يدخل بكتفين منهكتين وملابس يعلوها غبار، حاملاً معه بعض الأكياس الجبس أو خضار وفواكه، ليعوض أمي عن أيام غيابه. ونادراً ما كان يزورنا أخي الآخر "هاشم"، الذي كان يواصل عمله الشاق مع خوالي في محلات المعجنات والحلويات، يأتينا برائحة الدقيق والسكر ليضفي على جلستنا نكهة من زمن مضى. كان هذا هو النهار.. نهارٌ عراقي رتيب، يطحننا بالعمل، والبحث، والعيش. لكن، بمجرد أن يغادر "عاصم" و"هاشم"، وينام الصغار، وتنطفئ مصابيح "حي الحشود" الصفراء الباهتة، كانت أدخل وحدي إلى العالم الآخر. في الليل، عندما يغرق بيت الشيخ "حميد" في صمت يشبه القبر، كان جسدي يتصلب على الفراش. لم أعد أسمع هدوءاً؛ بل كانت الجدران تبدأ بالحركة. من زوايا السقف، ومن الممر الطويل المظلم المؤدي إلى المطبخ، كانت تتسلل إلى أذني أصوات خطا أقدام خفيفة تتجول بجرأة، أقدام حافية تطأ الأرض الخشبية دون أن تترك أثراً. ولم يكن الأمر يقتصر على الخطوات؛ بل كانت تتبعها همسات غامضة، ثم ضحكات قصيرة ومكتومة، تنبعث من خلف خزانة الملابس ومن الصالة الفسيحة، ضحكات ساخرة كأنها تتهكم على محاولاتي للنوم!