القسم الثالث
كنتُ أتقلب بذعر وأنا أضغط بالوسادة فوق أذنيّ، أردد أيات القرانية بعقل مشلول، وأتحسس إبهامي المجروح الذي ينبض بألم حارق مع كل ضحكة تنطلق في الظلام. لقد كان أهلي يبحثون عن منزل في النهار ليخرجونا منه، لكنهم لم يكونوا يعلمون بأنني، في كل ليلة، كنت محاصراً داخل منزل آخر.. منزل يسكنه عابرون من عالم غابوا وحضروا، ينتظرون اللحظة التي يسقط فيها مغلاق عيني ليقتربوا أكثر. أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان، هو أن يمتلك حياتين.. أو ربما ثلاث حيوات، ولا تتقاطع أي منها مع الأخرى. في النهار، كنتُ أرتدي قناع "سليم" الذي يعرفه الجميع. الشاب الهادئ، الابن المطيع الذي يقف وراء واجهة المحل في "سوق المصب" يقلي الفلافل ويمسح الطاولات. كنتُ أراقب شباب الحي وأشعر بغربة باطنية غريبة في داخلي؛ كنتُ أعلم في أعمق نقطة من روحي أنني مختلف عنهم، مختلف عن هذا المجتمع بطريقة لا يمكنني البوح بها لأحد. كنتُ أحمل في داخلي سراً مكتوماً، عتمةً باطنية وأحاسيس تضعني في معزل تام عن العالم والمجتمه والأصدقاء الذين تركتهم في المدرسة. اختلافاً في جوهر نفسي وروحي لو تسربت منه كلمة واحدة، أو لمحوا طيفه في عيني، لظنوا أنني مريض او فقدت عقلي، ولكان أشد فتكاً بي وبهم من رصاص الحرب الأهلية التي هربنا منها. كنتُ أعيش محاصراً برغبة في التواري، كأن جسدي نفسه ليس ملكي بالكامل، بل هو مجرد جدار يخفي خلفه حقيقة أخرى لا تحتملها بيئتنا. هذا القناع الأول.. أما القناع الثاني، فقد كان ينخلع بمجرد أن يطبق الظلام على بيت الشيخ حميد. عندما ينام والداي وإخوتي الصغار وسام وسهام وفارس، أستلقي على فراشي لتفتح تلك البوابة التي ولجتها بجهل مني. الجرح في إبهامي لم يعد مجرد ندبة؛ بل أصبح يشبه وشمًا أسود ينبض كلما اقتربت الساعة من منتصف الليل. في إحدى الليالي، كانت الضحكات المكتومة التي تعودتُ على سماعها قد توقفت فجأة. حلّ مكانه صوت كشخشة أوراق شبيهة بأوراق الكتاب الأسود. فتحتُ عينيّ بذعر، ولأول مرة، لم يكن الصوت قادماً من خلف الخزانة.. بل كان قادماً من السقف! نظرتُ إلى الأعلى، وتحت ضوء مصابيح الشارع الأصفر الباهت المتسلل عبر النافذة، رأيتُ ظلالاً ضخمة متداخلة تتحرك كأسراب من الطيور الميتة تشوه بياض السقف. وفجأة، تجسد من بينها ظلٌ يشبه ملامح رجل طويل القامة، بلا عينين، بل بفراغين أسودين غائرين. لم يتكلم.. بل شعرتُ بكلماته تخترق عقلي مباشرة دون أن تمر بأذني: "أنتَ تبحثُ عن مكانٍ تنتمي إليه يا سليم.. نحنُ نعرفُ مَن تكون.. ونعرفُ العزلةَ التي تأكلك." تلك الكلمات هزت كياني؛ فالكيان لم يكن يهددني بالموت الجسدي، بل كان يلعب على أوتار صراعي النفسي وسري المكتوم! انتفضتُ من فراشي غارقاً في عرقي، وجسدي يرتجف. وفي الصباح التالي، تداخلت البوابتان بشكل مرعب في المحل. كنتُ واقفاً كالعادة أتحرك بآلية بين الزيت والزبائن، وإذ برجل يدخل إلى المحل. كان يرتدي معطفاً طويلاً رثاً رغم حرارة الجو، وجلس في زاوية معتمة. تقدمتُ منه بوجل لآخذ طلبه، وحين رفع رأسه.. تيبست الدماء في عروقي. كان يمتلك نفس الفراغين الأسودين في عينيه! ونظر إليّ بابتسامة خبيثة، وهمس بنبرة لم يسمعها أحد في المحل غيري:
"حروفُ اسمي من الإنصاتِ منبعُها... فمَن أنا؟"
قبل أن أصرخ أو أتراجع، مرّ زبون آخر من أمامي فحجب الرؤية لثانية واحدة، وعندما التفتُّ مجدداً.. كانت الطاولة فارغة، ولم يكن هناك أي أثر للرجل! أدركتُ في تلك اللحظة المرعبة، أن الكيانات التي استدعيتها بدأت تتغذى على نقاط ضعفي وخوفي الداخلي من الانكشاف. لقد عرفوا أنني أعيش في عزلة مزدوجة وسط أهلي، وبدأوا يتشكلون في واقعي النهارى مستغلين هذا التمزق. صرتُ أسير في الشارع وأنا أتساءل بذعر: مَن مِن هؤلاء البشر الذين يمرون بقربي في الحي هو إنسان حقيقي.. ومَن منهم هو الوجع الذي استيقظ من بين صفحات الكتاب الأسود ليقاسمني حياتي؟ وسط هذا التمزق الذي كنتُ أعيشه، كانت أختي "هيام" تراسلنا بين الحين والآخر من ملاذها في شمال العراق. كانت رسائلها المكتوبة أو كلماتها عبر الهاتف تأتينا كأطياف من عالم آخر؛ تصف لنا جمال الشمال، برودة هوائه، والخضار الذي يلف الجبال، والأمان الذي يفتقده كل من يسكن العاصمة. كانت في كل مرة تلحّ علينا، وتطلب من أبي وأمي بصوت مخنوق بالخوف أن نترك بغداد فوراً ونلتحق بها هناك. لكن واقعنا كان أثقل من أمنياتها. كان أبي وأمي يخبرانها بمرارة عجزنا؛ فمن أين لنا بالمال الذي يغطي أجور الطريق الطويل وتكاليف النزوح مجدداً؟ فضلاً عن استقرار إخوتي الصغار في مدارس الحي هنا، والتزامنا أنا وعاصم وهاشم بأعمالنا التي أصبحت حبل الوريد الوحيد الذي يمد العائلة بالعيش. كنتُ أستمع لردود والديّ وأنا ألوذ بصمتي. في تلك الفترة بالذات، كنتُ أعيش صراعاً داخلياً طاحناً؛ عتمةً باطنية واختلافاً في جوهر نفسي وروحي لو تسربت منه كلمة واحدة لظنوا أنني فقدتُ عقلي. كنتُ محاصراً بين هذا السر الكتوم، وبين بوابات الماورائيات التي انفتحت عليّ في الليل بضحكاتها وظلالها المتحركة. ولم أجد مفرّاً من هذا الجحيم إلا أن أحارب خوفي بأيماني وصلاتي؛ لُذتُ بالسجود، وأخذتُ أقاوم هسيس الكيانات بقراءة القرآن آناء الليل وأطراف النهار، مستجدياً الأمان من رب العالمين ليعصم عقلي وروحي من الانزلاق خلف الجدار الأسود. مرت الأيام، وكان الإيمان درعي في الليل، والعمل في "سوق المصب" منبع طاقتي في النهار، والكيانات تتربص بي في الزوايا، تراقب صلاتي وتتحين لحظات ضعفي لتهمس لي بخبث من خلف المرايا والظلال. وفي يومٍ ما، انفتحت نافذة جديدة للأمل. تواصل أبي عبر الهاتف مع جدي وأعمامي الذين انقطعت أخبارهم منذ فترة. علمنا منهم أنهم غادروا أخيراً بيوتهم في "حي الرايات"، وانتقلوا جميعاً للاستقرار في قضاء "الصواري"؛ البقعة الدافئة التي ولدتُ فيها أنا وإخوتي، وكبرنا في أزقتها، ولنا في ترابها وبساتينها أجمل ذكريات طفولتنا قبل أن تجرفنا السنون. هزّ هذا الخبر وجدان والديّ. تذكّرا الأيام الخوالي واول أرض حصل عليها، وبدا كأن صوتاً خفياً يناديهما للعودة إلى الجذور. ولم يكن دافعهما مجرد حنين لدفء البدايات فحسب، بل كان قراراً تمليه الحكمة وفرضه واقع البلد المرير. ففي ظل تلك الفترة السيئة والمظلمة التي كان يعيشها العراق من انفلات أمني واقتتال طائفي، كان الذهاب إلى "قضاء الصواري" فكرة صائبة وملاذاً آمناً؛ فالعيش هناك، وسط جدي وأعمامي الأربعة، يعني التكتل والاحتماء بالعشيرة، وهو الأمان الوحيد المتبقي في زمنٍ صار فيه الغريب مستهدفاً والوحيد مستباحاً. وفي تلك الفترة، اتخذ أبي وأمي قراراً حاسماً: سيتوجهان في نهاية الأسبوع إلى قضاء "الصواري"، لزيارة بيت جدي وأعمامي من جهة، وللبحث والتفتيش عن منزل صغير هناك من جهة أخرى. يلم شملنا بقربهم، علّنا نجد في ظلالهم الدرع الذي يقينا شرور نهارات بغداد المشتعلة.. منزلٍ يعيدنا إلى دفء البدايات، ويخرجنا من إقامة المؤقت الفاخرة في بيت الشيخ حميد، ولم يكونا يعلمان.. أن رحلتهما هذه وإن كانت بحثاً عن أمان الأرض، إلا أنها ستتركني وجهاً لوجه مع ما لا عين رأت في عتمة الليل. وربما قد تكون طوق النجاة الذي طالما انتظرته ليربطني بالواقع، أو ربما، بداية لمواجهة من نوع آخر مع الأسرار المدفونة في أرض الطفولة. كان الوقت في بيت الشيخ حميد بـ "حي الحشود" لا يمر كالأيام العادية، بل كان ينزف ببطء كحبات رمل في ساعة زجاجية موقوتة. البيت في ظاهره كان يفيض بالفخامة؛ طابقان من البناء الحديث، أثاث راقٍ يعكس ثراء صاحبه، وبرودة تكييف تنسيك لهيب الصيف البغدادي الحارق. لكن بالنسبة لنا، لم يكن هذا الترف سوى زنزانة من مخمل. كنا نتحرك داخل الصالة الفسيحة بحذر مفرط، نخشى أن نترك أثراً على السجاد، أو نخدش الطاولات اللامعة، فكل زاوية في هذا المكان كانت تهمس في آذاننا كل صباح: "أنتم ضيوف.. والضيافة لها آخر". كان الضغط النفسي الأكبر يأتي عبر رنات الهاتف المحمول الجديد. في كل مرة يتصل فيها الشيخ حميد "أبو مرتضى" ليطمئن على أحوالنا. كان حديثه مغلفاً بلطف بغدادي عتيق، لكن العبارات المبطنة كانت تقع على قلب والدي كالجمر. كان الشيخ يذكر، بين فترة وآخرى، أن ابنته التي تزوجت حديثاً بدأت تضيق بشقتها المؤجرة، وأنها بحاجة ماسة لاستلام هذا البيت لتبدأ حياتها المستقلة. لم يكن يطردنا علناً، فالقيم والشهامة العشائرية تمنعه، لكن حاجة ابنته كانت تدور كشفرة صامتة تقطع حبال أماننا المؤقت. بعد كل مكالمة، كان الصمت الثقيل يهبط على أبي وأمي. يجلسان بالساعات يتأملان الصناديق الكرتونية التي رفضت أمي تفريغها بالكامل، وبقيت مكدسة في الزوايا كشاهد عيان على رحيل مؤجل. يقول أبي بصوت مخنوق وهو يفرك جبينه المنهك: "يا أم عاصم، الرجل أحرجنا بفضله، وبيوت الأجاويد لا تُسكن قسراً. يجب أن نجد مكاناً بأي ثمن". وترد أمي بتنهيدة أثقل من جبال الشمال: "ومن أين لنا بالمأوى في هذه الفوضى؟ الدلالون يطلبون أرقاماً خيالية، والبلد يشتعل بالطائفية، والغريب في بغداد اليوم مفقود". وسط هذا القلق العائلي الطاحن، كنتُ أنا ألوذ بطرف السجادة الفاخرة، غارقاً في عزلة مزدوجة لا يعلم مداها إلا الله. لم يكن خوفي مقتصراً على البحث عن سقف يحمينا، بل كان هناك شرخ أعمق ينخر روحي؛ عتمة باطنية واختلاف في جوهر نفسي وروحي، أحاسيس متباينة تجعلني أشعر بأنني كائن هبط من كوكب آخر وسط هذه العائلة وهذا المجتمع. كنتُ أنظر إلى والديّ وإخوتي وأتساءل بمرارة: كيف أصارحهم بأنني لستُ الشاب الذي يتمنونه؟ إن قناعي اليومي كابن مطيع وعامل في السوق هو الدرع الوحيد الذي يحميني. كان هذا التمزق النفسي، مع إحساس الذنب لعدم قدرتي على مواساة عائلتي، يجعل صدري ضيقاً كأنني أتنفس من ثقب إبرة. تمر الأيام، والشيخ ينتظر بيته، والوالدان يطرقان أبواب العجز، وأنا أحمل على كتفي ثقل السر، وثقل الضيافة، وساعة الرمل تقترب من الصفر. مع تزايد ثقل الهموم النهارية وضغوط الرحيل، تحولت غرفتي في بيت الشيخ حميد مع معمعة الليل إلى ميدان معركة غير مرئية. لم تعد تلك الخطوات الحافية أو الضحكات المكتومة مجرد مصادفات عابرة تؤرق نومي، بل أصبحت حصاراً حقيقياً يضيق خناقه عليّ كلما انطفأت الأنوار. أدركتُ مبكراً أن الشفاء والنجاة من هذا المستنقع الماورائي الذي ولجته بجهلي لن يأتيا إلا باللوذ بالخالق. قررتُ أن أواجه هذا الرعب الكامن خلف خزانة الملابس بأقوى ما أملك: إيماني، سجداتي، وترتيل آيات الله. لكن الكيان الذي أيقظته بقطرات دمي لم يكن مستعداً للتراجع بسهولة؛ بل بدأ يشن حربه المضادة على محرابي الصغير. في إحدى الليالي، وتحديداً في ثلث الليل الأخير قبل أذان الفجر، نهضتُ من فراشي مستجمعاً شجاعتي. توضأت بماء بارد كان يرتجف له جسدي، وفرشتُ سجادة الصلاة في منتصف الغرفة. كبرتُ للإحرام، وفي اللحظة التي نطقتُ فيها "الله أكبر"، شعرتُ بهبوط مفاجئ في الضغط الجوي داخل الغرفة، كأن الهواء سُحب من المكان دفعة واحدة. بدأتُ بتلاوة سورة الفاتحة بصوت خافت، وفجأة، سمعتُ هسيساً غريباً ينبعث من زوايا السقف. لم يكن صوتاً بشرياً، بل كان أشبه بترتيل مقلوب، كلمات مشوهة ومقطعة تتداخل مع مخارج حروفي وتسبقني بنطق الآيات بطريقة ساخرة ومستفزة. كان الهدف واضحاً: تشتيت ذهني، وبث الرعب في قلبي لأقطع صلاتي وأستسلم. قاومتُ بصعوبة، وتابعتُ التلاوة والدموع تنساب على خديّ من شدة الضغط النفسي. وعندما حان وقت الركوع ثم السجود، وأنزلت جبهتي لتلامس الأرض، شعرتُ أن الأرضية تهتز تحت جبهتي، والكيان يهمس لي: "صلاتك لن تحميك ممن كتب اسمه بدمك". فجأة أنتابني بثقل خرساني يهبط على ظهري! أحسستُ كأن كائناً ضخماً قد جلس فوق كتفيّ، يضغط عليّ بقوة محاولاً إلصاق وجهي بالإسمنت ومنعي من الرفع من السجود. تملكني ذعر شل أطرافي، وفي تلك اللحظة، ترددت في عقلي بحرقة تلك الأبيات التي فتحت البوابة:
"بَيْنَ المَقَابِرِ وَالأَسْرَارِ لِي قَدَرٌ.. يَخَافُهُ الجِنُّ وَالإنْسَانُ وَالبَشَرُ".
كأن الكيان كان يذكرني بالميثاق، ويهمس في أذني مرة أخرى: "صلاتك لن تحميك ممن كتب اسمه بدمك.. أنت ملكنا الآن".