ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 30: القسم الرابع

القسم الرابع

لكن في عمق تلك العزلة المظلمة، تولدت في داخلي قوة غريبة، مزيج من غريزة البقاء والتمسك المطلق بحبل الله. ركزتُ كل ذرة في كياني، وبصوت مخنوق انطلق من أعمق نقطة في صدري، صرختُ وأنا ساجد: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم...".ومع بداية آية الكرسي، شعرتُ بهزة عنيفة تحت جبهتي، وكأن الأرضية تميد بي. تصاعد هواء بارد ولفح رقبتي بعنف كأنه إعصار صغير يدور في أرجاء الغرفة، وبدأت الأصوات المقلوبة تتحول إلى صرخات حادة ومكتومة تتراجع نحو الوراء. جمعت شجاعتي لأكمل الآية وأجبر الظل على التراجع نحو زوايا السقف... ضغطتُ على نفسي وأكملتُ الآية حتى نهايتها: "ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم". في تلك اللحظة تحديداً، انقشع الثقل فجأة. انفتحت الأجواء وعاد الهواء الطبيعي ليدخل رئتيّ، تاركاً إياي مغمى عليَ من التعب. رفعتُ رأسي من السجود وأنا ألهث كغريق نجا للتو من الغرق، والتفتُّ يميناً وشمالاً؛ لم يكن هناك سوى سكون الفجر وظلال الخزانة العادية. ارتميتُ على السجادة مستلقياً من شدة الإنهاك الروحي والجسدي، وجسدي يتصبب عرقاً بارداً. لقد انتصرتُ في تلك الجولة، لكنني كنتُ أعلم بيقين مرعب أن هذه الكيانات لم تعد تكتفي بالبقاء في العتمة؛ لقد أصبحت تخوض معي صراعاً مباشراً على روحي وعقلي، صراعاً سيمتد حتماً إلى نهاراتي وخارج أسوار هذا البيت. حين كان الصباح يشرق، كنتُ أظن أن شمس بغداد قادرة على طرد أشباح الليل، لكنني كنت واهماً. فاللعنة التي بدأت في عتمة بيت الشيخ حميد، سرعان ما مدت أظافرها الخفية لتلاحقني وسط زحام "سوق المصب" وضجيج النهار.كان العمل في محل الفلافل يزداد قسوة مع تدهور الأوضاع الأمنيّة في البلاد. كان السوق يغلي بالبشر؛ باعة خضار يصرخون على بضائعهم، زبائن يواصلون بوجوه شاحبة يملأها الخوف من المفخخات والعبوات العشوائية، وعربات خشبية تجر شقاء اليوم. كنتُ أقف وراء الواجهة الزجاجية للمحل، أتحرك كآلة صامتة؛ أسقط أقراص الفلافل في الزيت المغلي، وأمسح الطاولات الخشبية التي تتراكم عليها بقايا النهار. كنت وسط الزحام، لكنني في الحقيقة كنتُ أعيش في زنزانة انفرادية داخل عقلي. كنتُ أحمل قناعي المعتاد، وأتحفظ على سري وعتمتي الباطنية التي تجعلني غريباً حتى عن زملائي في العمل. هذا الصمت المطبق حولي، رغم الضوضاء، كان الثغرة المثالية التي نفذت منها عيون العالم الآخر. في أحد الأيام، وأنا أقف وسط بخار الزيت الكثيف وأزيزه المتواصل، انتابني شعور حاد بأنني مراقب. التفتُّ ببطء نحو طاولة تقع في أقصى زاوية المحل، بعيداً عن مجرى الضوء. كان يجلس هناك رجل لم ألمحه حين دخل. كان يرتدي معطفاً طويلاً داكناً لا يناسب حرارة الجو، ويضع يده على الطاولة بطريقة غريبة. تقدمتُ نحوه بوجل لتسجيل طلبه، وكلما اقتربتُ منه، كانت الأصوات في السوق تتلاشى بالتدريج، كأن شخصاً ما يخفض صوت العالم من حولي. وحين وقفتُ أمامه، رفع رأسه ونظر إليّ. تسمرت قدماي في الأرض وشعرت بغثيان مباغت. لم يكن الرجل يمتلك عيوناً طبيعية؛ بل كان مكانهما تجويفان مظلمان تماماً، فراغ أسود غائر يبتلع الضوء، لكنني شعرتُ بنظراته تخترق جلد وجهي. ابتسم ببطء، وفي تلك اللحظة، لمحتُ يده الممدودة على الطاولة الخشبية.. كان إصبع إبهامه ينزف دماً دافئاً يسيل على الخشب، تماماً مثل جرحي في اليوم الأول! وقبل أن أتمكن من التراجع أو الصراخ، تحركت شفتاه المشوّهتان وانطلق منهما صوت هسيس ناعم، صوت حاد تردد في جمجمتي مباشرة:

"حُرُوفُ اسْمِي مِنَ الإنْصَاتِ مَنْبَعُهَا.. فَمَنْ أَنَا.. أَيُّهَا القُرَّاءُ هَلْ ظَهَرُوا؟"

كان يقرأ أبياتي! الأبيات التي خطتها اليد المجهولة في الكتاب الأسود. انتفضتُ إلى الوراء، واصطدم ظهري بركن الواجهة الزجاجية لتحدث هزة قوية. أغمضت عينيّ لثانية واحدة من فرط الرعب، وحين فتحتهما.. اختفى الرجل تماماً. كانت الطاولة فارغة، ولم يكن هناك دم، بل غبار رقيق يتطاير تحت ضوء الشمس المائل. _ "سليم! ما بك تزحف للخلف كأنك رأيت مجنوناً؟ انتبه للزيت!".. صرخ بي صاحب المحل بحدة وهو يدفعني من كتفي. تنحنحتُ وأنا أبتلع ريقي الجاف، والتقطت الممسحة بطلب مرتعش. نظرتُ حول في السوق؛ كان الناس يتحركون بشكل طبيعي، بائع الطماطم يصرخ، والسيارات تطلق أبواقها في البعيد. تيقنتُ حينها أنني دخلت مرحلة "الخوف السائل"؛ الرعب لم يعد ينتظر الليل، بل أصبح يستعير وجوه البشر في النهار. صرتُ أنظر إلى وجوه الزبائن بوجل وتوجس؛ هذا الشيخ الذي يطلب صمونه، وتلك المرأة التي تحمل طفلها، وهذا الشاب العابر.. من منهم حقيقي، ومن منهم شيطان يستعير وجهاً آدمياً ليلعب بعقلي؟ أصبح النهار امتداداً للجحيم، ولقمة العيش مغمسة بالخوف، وصراع الداخلي يزداد شراسة وأنا أحاول التشبث بصلواتي وقرآني وسط بيئة لا ترحم الضعيف، ولا تغفر للمختلف. حين انقضى نهار "سوق المصب" اللاهب، وعدتُ إلى بيت الشيخ حميد، كنتُ أحمل في صدري إنهاكاً يهد الجبال. كنتُ أظن أن غرفتي، رغم أهوالها، ستكون مكاناً أستلقي فيه لأغمض عينيّ اللتين أنهكهما البحث في وجوه الناس المستعارة. لكن بمجرد أن أغلق باب الغرفة خلفي وتلاشت أنوار البيت، أدركتُ أن المكان قد "بدّل جلده" تماماً؛ لم تعد الغرفة مجرد مساحة من الإسمنت، بل تحولت إلى كائن حي، رئة ضخمة تتنفس العتمة وتترصد أنفاسي. استلقيتُ على الفراش ولم أطفئ المصباح هذه المرة؛ تركته ينشر ضوءاً أصفر باهتاً يرتجف مع تذبذب التيار الكهربائي البغدادي المعتاد. حدقتُ في السقف، وفجأة، بدأتُ أسمع الأصوات. لم تكن خطى حافية في الممر هذه المرة، بل كانت تصدر من داخل الغرفة.. من المسافة الضيقة المحصورة بين سقف الغرفة وخزانة الملابس الخشبية القديمة. كانت أصوات خربشة حادة، كأن أظافر طويلة وقاسية تحفر في الخشب العتيق. (خرررج.. خرررج) صدى منتظم، يتبعه صوت دحرجة لشيء ثقيل، كأن جمجمة بشرية تدور فوق سطح الخزانة. ثم تتوقف عند الحافة تماماً، لتطل عليّ من الأعلى. تيبّس جسدي في الفراش، وشعرت برغبة عارمة في الصراخ، لكن صوتي كان محبوساً في حنجرتي كالمياه المتجمدة. تزايد الرعب السمعي بالتدريج؛ انطلقت من خلف الجدران همسات متداخلة بلغات غير مفهومة، أصوات بكاء طفل رضيع يتحول فجأة إلى ضحكة عجوز شمطاء، تليها دقات عنيفة على الباب من الخارج (طق.. طق.. طق). وحين ألتفتُ برأسي نحو الباب، يتوقف الدق ويبدأ من نافذة الغرفة المطلة على الحديقة المهجورة. كانت الغرفة تعزف سيمفونية من الجحيم، تهدف إلى دفع عقلي نحو حافة الجنون. ولم يتوقف الأمر عند حدود السمع. نظرتُ إلى جدار الغرفة المحاذي لسريري، وتحت الضوء الأصفر المرتعش، رأيتُ الرطوبة القديمة بدأت تتحرك! كانت البقع الداكنة على الجدار تتشكل ببطء، تترابط خيوط العفن الإسمنتي لتصنع ملامح وجه ضخم مشوه، فمه مفتوح على اتساعه كأنه يبتلع الفراغ، وعيناه عبارة عن شقين يسيل منهما سائل داكن يشبه القطران. ركضتُ بعينيّ نحو زاوية الغرفة، فإذا بظلال الملابس المعلقة خلف الباب تتطاول، تتشابك، لتصنع هيئة جسد نحيل وطويل للغاية، ينحني ببطء نحو فراشي وكأنه يستعد للانقضاض عليّ. هذا الحصار المطبق، هذا الرصد المستمر الذي حرم جفوني من الغموض لعدة أيام متواصلة، رماني في أتون الهذيان. صرتُ في محل الفلافل أتحرك كشبح، عيناي غائرتان يحيطهما سواد شديد، ويداي ترتجفان وأنا أمسك بالسكين أو الملعقة. كنتُ أسمع هسيس الغرفة وسط صراخ باعة السوق، وأرى وجه الجدار المشوه ينعكس في زيت المقلاة المغلي. لقد أصبح الكيان يمتص طاقتي الحيوية، يجفف روحي ليجعلني جسداً بلا إرادة، تمهيداً للخطوة الكبرى التي يبتغيها.. الخطوة التي ستجبرني على فتح الكتاب الأسود مرة أخرى، ليس بدافع الفضول، بل بحثاً عن خلاص مزيف في أول فصول اللعنة.أشد ساعات الخوف قسوة هي تلك التي تجد نفسك فيها خط الدفاع الوحيد عمن تحب. حزم أبي وأمي حقيبتيهما الصغيرتين مع تباشير الفجر الأولى، وأخذوا أخي الصغير عامر معهم، وانطلقا في رحلة طال انتظارها نحو "قضاء الصواري". كانت رحلتهما مدفوعة بغريزة البقاء، بحثاً عن ملاذ آمن يجمعنا بجدي وأعمامي الأربعة، فراراً من الموت المجاني الذي يلتهم شوارع بغداد في تلك الفترة السيئة من تاريخ البلد. تمنيتُ لو كنتُ معهما، لو فررتُ بجسدي وروحي، لكنهما تركا خلفهما بيتاً يحرسه قلقي، وثلاث أرواح بريحة الطفولة أصبحت أمانة برقبتي: إخوتي الصغار وسام وسهام وفراس. غادرا، ولم يكن في حسبانهما أن غيابهما سيكون الثغرة التي انتظرها الكيان لينفرد بي تماماً. في تلك الليلة، كان الهواء ثقيلاً خانقاً داخل بيت الشيخ حميد. طهوتُ العشاء لإخوتي الصغار، وتصنعتُ الضحك والمرح أمامهم لأخفي النبض الحارق الذي بدأ يشتعل في إبهامي المجروح. وبعد ساعات من اللعب البريء الذي كان يبدد وحشة الصالة الفسيحة، نام الصغار في غرفتهم المتلاصقة. توجهتُ إلى فراشي متسلحاً بمصحفي الصغير، والترقب ينهش أطرافي. عند منتصف الليل تماماً، انقطع التيار الكهربائي فجأة. حلّ ظلام حلك صبغ جدران البيت بسواد مطبق، وفي نفس اللحظة، لم تبدأ الأصوات بهمس خافت كالعادة؛ بل بدأت بدويّ عنيف هز أركان المطبخ في الأسفل، كأن أواني النحاس والأواني الزجاجية تُلقى وتُهشم على الأرضية الإسمنتية! تصلب جسدي في الفراش، وقبل أن أتحرك، مزقت الصمت صرخة ذعر مرعبة. كانت صرخة أخي الصغير "فراس". ركضتُ حافياً في الممر المظلم، ودخلت غرفتهم والهلع يخلع قلبي. كان فارس يجلس متكوراً على سريره، وعيناه متسعتان بزاوية غير طبيعية وهو يشير بيد ترتجف نحو الركن المظلم خلف الباب: "أخي سليم.. هناك امرأة.. امرأة طويلة جداً ووجهها شاحب، كانت تقف وتنظر إليّ وتضحك بلا صوت!". لم أرَ أحداً بعيني، لكني شممتُ في أثير الغرفة رائحة بخور قديم وعفن، ورائحة تراب رطب يشبه تراب المقابر، وشعرتُ ببرودة قطبية تنبعث من الأرضية وتتسلل إلى جسدي. لم يكن هناك وقت للشرح أو الخوف؛ تملكتني غريزة الأخ الأكبر وحامي الحمى. جمعتُ إخوتي الثلاثة بذعر، سهام ووسام اللذين استيقظا يبكيان ويلتفان حولي، واحتضنتهم جميعاً في صدري وسط السرير. وضعتُ المصحف الصغير بيننا، وبصوت جهوري، نابع من أعمق نقطة في روحي الممزقة، بدأتُ بتلاوة سورة البقرة وآية الكرسي. كنتُ أصرخ بالآيات في وجه الظلام، أستدعي نور الله ليحمي هذه البراءة. ومع كل حرف كنتُ أنطقه، كان البيت يردّ عليّ بغضب وعنف ماورائي ملموس؛ الأبواب الخشبية في الممر الطويل بدأت تصطفق بقوة هائلة كأن إعصاراً يدور داخل الصالة. وصوت الضحكات النسائية والرجالية المكتومة تداخلت، وتعالت في أرجاء السقف، تحاول طمس صوت تلاوتي وتشويش عقلي. كان الكيان يهاجمني بأقوى ما لديه، يحاول تذكيري بعقد الدم، يهمس في خلفية تلك الضوضاء: "أنت غريب عنهم وعنا.. اتركهم لنا". لكنني صمدتُ، ضغطتُ على إخوتي الصغار الذين كانوا يرتجفون تحت ذراعي، وظللتُ أرتل والدموع الحارقة تنساب على وجنتيّ، أبكي خوفاً عليهم وحرقاً على روحي. خضتُ معركة حياة أو موت بالقرآن والصلاة لعدة ساعات متواصلة، ولم تتراجع تلك الظلال والأصوات الملعونة نحو زوايا السقف والحديقة المهجورة إلا عندما بدأت خيوط الفجر الأولى تشق عتمة "حي الحشود". انقشع الكابوس تاركاً إياي جسداً هامداً مستنزفاً، لكنني في تلك اللحظة تيقنتُ بيقين لا يداخله شك: إن الأشهر الأربعة في هذا البيت يجب أن تنتهي فوراً، وأننا إذا لم نرحل، فإن الفناء سيكون مصيرنا جميعاً.