ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 31: القسم الخامس

القسم الخامس

مع إشراقة شمس اليوم التالي لتلك الليلة الجحيمية، انفتحت بوابة فرج لم نكن نتوقعها. عاد والداي من سفرتهما، ولم تكن ملامح التعب على وجهيهما هذه المرة علامة انكسار، بل كانت تشع ببريق أمل افتقدناه منذ أشهر. قبل أن ينزعا عباءة السفر، بادرتنا أمي بدموع الفرح وهي تحتضن وسام وسهام وفارس: "الحمد لله يا أولادي.. وجدنا البيت! وجدنا الملاذ". جلس أبي يتنفس الصعداء، وروى لنا كيف التقى بأعمامي الأربعة وجدي في "قضاء الصواري"، وكيف تكاتفوا معاً وطرقوا أبواب المعارف حتى عثروا على منزل صغير للإيجار. يقع في زقاق آمن تحيط به بيوت العشيرة من كل جانب. كان الخبر بالنسبة لي كطوق نجاة أُلقي لغريق في لُجّة بحر مظلم؛إن الأمان القبلي والالتجاء للأعمام وسط تلك الظروف السيئة التي يمر بها البلد كان الخيار الصائب الوحيد الذي سينقذ عائلتنا من التشتت، وينقذني أنا من براثن بيت الشيخ حميد. بدأت العائلة فوراً بخلية نحل لا تتوقف. شرعنا بحزم ما تبقى من أمتعتنا البسيطة؛ أمي تجمع الأواني وتدثرها بملابس قديمة داخل الصناديق الكرتونية، وإخوتي الصغار يجمعون دفاترهم المدرسية، وعاصم وهاشم يساعدان أبي في ربط الحقائب الكبيرة وتجهيز كل شيء ليكون مستعداً لوصول سيارة النقل (الحمل). كان الجميع يبتسمون، يتنفسون بحرية لأول مرة منذ أربعة أشهر، وكأن ثقلاً خرسانياً قد انزاح عن صدورهم. كانوا يظنون أننا نودع مجرد سكن مؤقت، ولم يكونوا يعلمون أنني كنتُ أستعد لإغلاق بوابة الجحيم وراء ظهري. بينما كان ضجيج الحركة يملأ الصالة، تسللتُ أنا وحدي إلى الغرفة. ساد سكون مريب في أرجائها، وكانت ظلال الخزانة تبدو باهتة تحت ضوء النهار المائل. تقدمتُ بخطى واجفة نحو الدولاب المغلق، وفتحتُ البوابة الخشبية التي أصدرت صريراً حاداً كأنه أنين عتاب. مددتُ يدي إلى أعمق نقطة، وتلمست أصابعي الغلاف الجلدي الخشن للمصحف الأسود... الكِتاب الأسود الذي سكب دمي ميثاقه. وقفتُ في حيرة تمزق عقلي وصراعي الداخلي يبلغ ذروته: هل أترك الكِتاب هنا في الدولاب لتجده ابنة الشيخ حميد المتزوجة حديثاً ويحل بها ما حل بي؟ أم أن الكيان الذي استيقظ لن يتركني بحالي حتى لو تركتُ كتابه، وأن ميثاق قطرات الدم التي سقطت على لوح التقطيع قد ربط روحي بصفحاته إلى الأبد؟ نظرتُ إلى جرح إبهامي الذي كان ينبض بألم خفيف، وشعرتُ برعشة باردة تسري في عمود الصدري. كأن هسيساً خفياً يهمس لي من بين دفتي الكتاب:

"أينما ذهبتَ في الصواري أو غيرها.. حروفُ اسمنا في إنصاتك.. ونحن معك".

بقرار قادني إليه مزيج من الخوف على الآخرين والجهل المطلق بالماورائيات، رفعتُ الكتاب الأسود بحذر، ودسسته في قاع حقيبتي الشخصية بين ملابسي القديمة، مغلقاً الحقيبة بإحكام كمن يقفل على وباء متفجر. لم أكن أعلم أنني لم أكن أحزم أمتعتي للرحيل فحسب، بل كنت أصححب معي لعنتي الخاصة، وأن حي الصواري الذي ننشده للأمان، سيشهد فصولاً أشد شراسة من صراعي مع العالم الآخر. جاء صباح الرحيل يحمل معه حساً حاسماً، كأنه الحد الفاصل بين ضفتين. استيقظنا مبكراً جداً، وقبل أن تصل سيارة النقل (الحمل)، قمنا بجولتنا الأخيرة لتنظيف بيت الشيخ حميد. كانت أمي تحرص، بأصلها البغدادي العتيق وشهامتها، على أن نترك البيت نظيفاً ولامعاً كما استلمناه، ليعود لابنة الشيخ المتزوجة حديثاً دون شائبة. سحبنا خراطيم المياه ومسحنا الأرضيات والسلالم، وكنتُ أراقب دفقات الماء وهي تجرف غبار الأشهر الأربعة، وأتذكر بذعر انعكاسي المشوه الذي رأيته في الماء قبل أسابيع. كل زاوية في هذا البيت كانت تحمل ندبة من صراعي؛ المطبخ برائحة زيته وانعكاساته، الممر بأبوابه التي كانت تصطفق في ليلة غياب الأبوين، وغرفتي التي كانت تبدل جلدها كل ليلة. تنفستُ الصعداء وأنا أرى الأبواب تُغلق واحداً تلو الآخر، والمفاتيح تُسلم لوالدي ليعيدها إلى أصحاب الفضل. وقبل أن تطأ أقدامنا عتبة الرحيل النهائي، كان عليّ أن أغلق دفاتري القديمة في هذا الحي، وأودع ملامح حياتي اليومية التي عشتها خلف قناعي الصامت. خرجتُ من البيت والأنظار متجهة نحو الترتيبات الأخيرة، فتوجهتُ أولاً صوب "سوق المصب". كان السوق يغلي بصخبه المعتاد، ورائحة الزيت والبهارات تملأ الأثير. دخلتُ إلى محل الفلافل، ووقفتُ أمام صاحب المحل الذي بدت على وجهه علامات المفاجأة. مددتُ يدي لأصافحه وأنا أقول بنبرة يملأها الامتنان والأسف: "أبو جاسم، جئتُ لأعتذر منك.. لن أتمكن من مواصلة العمل معكم بعد اليوم، فالظروف أجبرتنا على الرحيل، وعائلتي ستنتقل للعيش في قضاء الصواري". نظر إليّ الرجل مطولاً، وحلت على ملامحه القاسية مسحة من اللين البغدادي الأصيل، ربت على كتفي وقال: "موفق يا سليم، كنتَ شاباً ناصحاً وأميناً، ويعز علينا فراقك في هذه الأيام الصعبة، ربي يحفظك ويحفظ أهلك". تركتُ المحل وأنا ألتفت للواجهة الزجاجية. نظرتُ إلى الزيت المغلي للمرة الأخيرة، وتذكرتُ تلك الوجوه المستعارة والظلال التي كانت تتربص بي هنا، وشعرتُ بغصة مزيج من الراحة والخوف؛ الراحة لأنني أغادر هذا المكان، والخوف من أن تتبعني ظلاله. ومن السوق، قطعتُ الأزقة السريعة متوجهاً صوب بيوت الأصدقاء؛ "بلال" و"وسيم" و"مصطفى". أولئك الشباب الذين كانوا يمثلون ما تبقى لي من صلة بالواقع وبالأيام العادية التي تلت مرحلة المدرسة الصناعية. التقينا عند ناصية الزقاق، وكانت علامات الصدمة واضحة على وجوههم حين أخبرتهم بنبأ رحيلنا المفاجئ. قال بلال وهو يعانقني: "ستترك بغداد يا سليم؟ كيف سنلتقي والبلد مقطع الأوصال؟". وحاول وسيم ومصطفى التخفيف من وطأة الموقف بكلمات عن الأمان وسط الأعمام في الصواري، متمنين لي حياة جديدة بعيدة عن مفخخات العاصمة. كنتُ أستمع لضحكاتهم وأبادلهم العناق، وفي داخلي يشتعل صراع مكتوم... تمنيتُ لو أستطيع البوح لهم بما يحدث لي في الليل، لو أستطيع إخبارهم عن سر عتمتي الباطنية وعن ميثاق الدم والكتاب الأسود القابع في حقيبتي.. لكنني آثرت الصمت كالعادة. ودعتهم ونظراتهم تلاحقني وأنا أبتعد، مدركاً أنني لا أودع أصدقاء فحسب، بل أودع جزءاً من روحي القديمة، لأعود إلى بيتنا الفاخر وأنا مستعد لمواجهة المجهول. عدتُ أدراجي إلى بيت الشيخ حميد، وكانت خطواتي ثقيلة على إيجاز الطريق، كأن نعل حذائي يتشبث بتراب "حي الحشود" للمرة الأخيرة. حين دخلتُ الصالة، كان المشهد يفيض بغربة من نوع آخر؛ فالبيت لم يكن فارغاً، بل كان الأثاث الفاخر والكنبات الوثيرة والستائر المخملية الثقيلة قائمة في مكانها، تملأ الفراغ بزينة لم تكن لنا يوماً. دخلنا هذا البيت وهو مؤثث بالكامل كمكرمة ومساعدة من الشيخ، ونغادره اليوم تاركين كل هذا الترف وراءنا، لنخرج فقط بحقائبنا الشخصية وصناديقنا الكرتونية البسيطة التي تحوي تفاصيل عمرنا المنهك. كانت تلك المفارقة تؤلمني؛ الأثاث الفخم باقٍ هنا ليستقبل ابنته وزوجها، ونحن نمضي نحو المجهول. وقفتُ وسط صراع نفسي طاحن، أتنقل بنظراتي بين ملامح عائلتي. كان أخي وسام يجلس على إحدى الحقائب الكرتونية يمسح العرق عن جبينه، بينما تنشغل أمي بتهدئة فارس وعامر اللذين بدأ التعب يظهر على ملامحهما الطفولية. حدقتُ في والدي وهو يمسك بمفاتيح البيت التي سيعيدها لأصحاب الفضل، ورأيت في عينيه مزيجاً غريباً من انكسار الرجال أمام الحاجة، وبريق أمل باهت بأن أعمامي سيكونون السند الحقيقي لنا في أرض الصواري. في تلك اللحظات، شعرتُ بغربة مضاعفة تأكل أحشائي؛ غربة المجتمع واسئلتي التي تربض في صدري، وغربة العتمة الباطنية التي جلبتها لنفسي بجهلي. تساءلتُ بمرارة: هل سيغفر لي الله إن تسببت هذه اللعنة بأذى لهؤلاء المساكين الذين يركضون خلف الأمان؟ كانت دقات قلبي تتسارع مع كل دقيقة تمر، وشعرتُ برغبة عارمة في البكاء، لكن قناعي اليومي كان صلباً بما يكفي ليحبس الدموع خلف مقلتيّ. تحركتُ نحو حقيبتي الشخصية القماشية، رفعتها ببطء من بين ركام الأمتعة، فكان ثقل الكِتاب الأسود في قاعها يضغط على ذراعي وكأنه يزن قنطاراً من الرصاص، متناقضاً مع خفة ملابسي البسيطة. أخذتُ نفساً عميقاً، وخرجتُ إلى الباحة الخارجية حيث كانت حرارة الجو البغدادي تشتد، ننتظر الصوت الذي سيعلن بدء نزوحنا الاختياري نحو الجذور، تاركين خلفنا جنة الشيخ حميد وأشباحها. دوت أبواق سيارة الحمل في الخارج، معلنةً بدء حزم الحقائب الكرتونية والصناديق على متنها. تكاتفنا جميعاً؛ عاصم بعضلاته المنهكة، وهاشم الذي جاء ليودعنا قبل أن يلتحق بنا لاحقاً. أنا وأبي. كنا نرفع الصناديق والبهجة تشع من عيون إخوتي الصغار وسام وسهام وفارس، الذين كانوا يقفزون حول السيارة كعصافير أُطلق سراحها للتو من قفص حديدي. كانوا يرون في "قضاء الصواري" ساحة للعب والحرية والأمان بين أبناء عمومتهم، وجدي الذي ينتظرنا هناك بفارغ الصبر. صعدنا جميعاً إلى حوض السيارة الكبيرة، وجلستُ في الخلف محشوراً بين الأثاث والحقائب. وحين تحركت السيارة ببطء، مخلّفة وراءها أزقة "حي الحشود" ومبتعدة عن "سوق المصب"، التفتُّ برأسي نحو الخلف. نظرتُ إلى واجهة بيت الشيخ حميد الفاخرة وهي تبتعد وتصغر شيئاً فشيئاً تحت أشعة الشمس المائلة. وفي تلك اللحظة بالذات، خُيل إليّ أنني ألمح طيفاً شاحباً يقف خلف زجاج نافذة غرفتي في الطابق العلوي.. طيفاً بلا ملامح، يلوح لي بيده ببطء شديد، وابتسامة خبيثة ترتسم في فراغ وجهه المظلم! قشعريرة باردة سرت في عمودي الفقري رغم حرارة الجو، وأنزلتُ عينيّ بسرعة نحو الأسفل، لتستقر نظراتي مباشرة على حقيبتي الشخصية القابعة تحت قدميّ. لمستُ سحاب الحقيبة بيدي المرتجفة. كنتُ أشعر بثقل غير طبيعي ينبعث من قاعها، كأن المصحف الأسود (الكتاب الأسود) الذي يدب في أحشائها يمتلك نبضاً حقيقياً يتزامن مع نبض إبهامي المجروح. تيقنتُ في تلك اللحظة المرعبة، والسيارة تطوي المسافات خارجة من حدود بغداد المتوترة، أنني لم أهرب من اللعنة؛ بل حزمتُها بيدي ودسستُها وسط ثيابي. التفتُّ نحو والدي وأمي وإخوتي الصغار؛ كانوا يضحكون ويتحدثون عن شكل بيتنا الجديد في الصواري، وعن الأمان الذي سنعيشه وسط أعمامي الأربعة وجدي، وعن نهاية أيام الخوف والترقب وسط الغرباء. سحبتُ نفساً عميقاً وأخفيتُ وجهي خلف قناعي المعتاد، مصطنعاً ابتسامة باهتة لأشاركهم فرحتهم، بينما كان صراعي الداخلي يشتعل كالنار في الهشيم. كنتُ أعلم أن "قضاء الصواري" سيفتح لنا أبواب الأمان الاجتماعي والقبلي في نهارات البلد السيئة. لكنه بالنسبة لي، سيكون أرض المواجهة الكبرى مع الكيانات التي لم تعد تكتفي بملاحقتي.. بل أصبحت تسكن في قاع حقيبتي، وتنتظر أول ليلة تنطفئ فيها الأنوار في بيتنا الجديد لتعلن بدء الفصل الأخطر من الميثاق.