ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 33: القسم الثاني

القسم الثاني

كنتُ ألوذ بمصحفي، وأرتل آية الكرسي بصوت خافت جداً كي لا يستيقظ إخوتي الصغار في الغرفة. فالمساحة هنا ضيقة، وأي صوت مرتفع قد يفضح أمري ويكشف عتمتي أمام عائلتي وأعمامي الذين يظنون أننا وصلنا إلى بر الأمان. عشتُ تلك الأيام الأولى في الصواري تحت وطأة رعب مزدوج: رعب الليل وما يخبئه الكتاب الأسود خلف جدران الإسمنت، ورعب النهار الخفي المتمثل في الحفاظ على قناعي كشاب طبيعي وسط بيئة عشائرية لا ترحم، ولا تعرف شيئاً عن الكيانات التي أصبحت تتقاسم معي أنفاسي ولقمة عيشي. مع مرور الأسابيع الأولى في قضاء الصواري، واستقرارنا في ذلك البيت الإسمنتي المظلم ذي المئة متر، بدأت عائلتي تفكر جدياً في كيفية مواجهة شظف العيش وتأمين لقمة الرزق. لم نكن من النوع الذي يرتضي العيش عالة على الآخرين، حتى لو كانوا من أقرب الناس إلينا كأعمامي وجدي. ومن هنا، وُلدت في عقل أمي فكرة ذكية ومكافحة. التفتتْ يوماً نحو جدي وعمي "كريم" وقالت وعيناها تفيضان بعزيمة أثقلتها السنون: "أريد منكم بناء غرفة خشبية صغيرة، بمساحة متر مربع تقريباً.. نضعها أمام البيت، لتكون بمثابة بسطية ومصدر رزق نبيع فيه السجائر، والحلويات، والجبس للأطفال في الزقاق. حين نطقتْ أمي بهذه الكلمات، انقبض قلبي في صدري وهزني حنين جارف مرير؛ تذكرتُ على الفور "محل الأسواق" الذي كنا نملكه في بيتنا الأول في حي النهروان. ذلك المحل الذي كان يمثل عزّنا واستقرارنا قبل أن تجرفنا أمواج التهجير ونخسر كل شيء. ها نحن اليوم نختصر طموحاتنا ومصدر رزقنا في غرفة خشبية بمساحة متر واحد، لكنها كانت تعني لنا الكرامة. برزت هنا شهامة العائلة وعزوتنا؛ انبرى جدي وعمي فوراً للعمل بخلية نحل في ورشتهم. كانت أسعار الأخشاب والمواد الأولية في تلك الفترة من عام 2006 مرتفعة جداً ومكلفة بالنسبة لعائلة نازحة مثلنا. لذا سارعت أمي بطمأنتهم بنبرة يملأها الحياء والمسؤولية: 'أنا أدفع لكم تكلفة الأخشاب والمواد وأعطيكم ثمنها ريثما تستقر أوضاعنا ونتمكن من الوقوف على أقدامنا'. لكنهم، وبأصلهم العراقي الطيب، رفضوا الحديث عن 'أجرة اليد' أو تقاضي أي ثمنٍ لمجهودهم وتعبهم. فتم الأتفاق على دفعت كلفة الأخشاب والمواد الأساسية فقط، ليشرعوا فوراً في تطويع ألواح الخشب وصنع تلك الغرفة الصغيرة التي صُممت بعناية. جعلوا لها فتحة أمامية واسعة تُغلق وتُفتح لتكون واجهة للبيع، وباباً صغيراً على الجانب للدخول، وزودوها برفوف خشبية متراصة على كل جانب من جوانبها الداخلية لتستوعب بضاعتنا البسيطة. كانت تلك الغرفة الخشبية تُبنى نهاراً بعرق الجبين والمحبة، لكنني كنتُ أنظر إليها في غسق المساء بنظرات يملأها التوجس. صرتُ أتخيل أن هذه البسطية الخشبية الصغيرة التي صنعتها أيادي أعمامي النجارين ستتحول هي الأخرى إلى محراب جديد لعزلتي الصامتة وصراعي الداخلي، حيث سأقف فيها لساعات تحت لهيب الشمس أو عتمة الليل. أبيع السجائر للغريب والقريب، وأراقب وجوه الناس العابرة متسائلاً: هل سيلاحقني الكيان حتى إلى هذه الغرفة الخشبية الصغيرة؟وهل ستشهد رفوفها تفاصيل فصول لعنتي القادمة، بينما تظن عائلتي أننا بنينا بأيدينا بوابة للنجاة والرزق؟ حين اكتمل بناء الغرفة الخشبية الصغيرة واستقرت أمام بيتنا الإسمنتي المظلم، بدأتُ العمل فيها ببيع السجائر والحلويات. كانت ساعات وقوفي خلف تلك الفتحة الخشبية بمثابة اختبار عسير لعقلي واختلافي. فالمكان هنا ليس كبغداد حيث كنتُ غريباً لا يعرفني أحد؛ هنا أنا محاط بأعمامي وأبناء عشيرتي الذين يمرون بي طوال النهار، يلقون التحية ويدققون في ملامحي الشاحبة. كان الضغط الاجتماعي والنفسي ينهشني، فكلما سألني عمي أو جدي عن حالي، كنتُ أبتلع ريقي الجاف وأصطنع ابتسامة هادئة لأخفي صراعي وافكاري المكتومة. متظاهراً بأنني مجرد شاب مكافح يساعد عائلته، بينما كانت روحي تحترق بخوف ليل الصواري الموحش. هذا الضغط داخل الزقاق دفعني في أوقات فراغي إلى الهروب نحو الأطراف، حيث تمتد بساتين النخيل الكثيفة التي تحيط بالقضاء. كانَ السير في الطرق الترابية المحاذية لتلك البساتين يوقظ في داخلي ذكريات طفولتنا البعيدة مع إخوتي في هذه الأرض قبل الفوضى. تذكرتُ كيف كنا نسير معاً متوجهين إلى المدرسة، نضحك تحت ظلال سعف النخيل الشامخ، ونركض نحو أشجار "التكي" (التوت) المتدلية أغصانها فوق الجدران الطينية. كنا نتسابق لقطف حبات التكي الناضجة، أو نجمع تلك المتساقطة منها على الأرض الترابية، لنتناولها بأيدٍ صبغتْها العصارة باللون الأحمر الداكن. بلون يشبه تماماً قطرات الدم التي سقطت من جبيني حينما ضربت بالحجر ومن إبهامي على لوح التقطيع في أول يوم للعنة. لكن تلك الذكريات البريئة كانت تخبئ في طياتها ندبة رعب قديمة، استدعاها عقلي المنهك وأنا أقف بين تلك البساتين. تذكرتُ في أحد أيام طفولتنا تلك. حينما أقترحت سهام بأن نسلك الطريق الترابي المختصر, لنستطيع اللحاق بالمدرسة. وفجأة، انشق سكون البستان عن نباح مدوٍّ كأنه الرعد. هاجمني كلب حارس البستان الضخم، أسود اللون، وعيناه تشتعلان بشراسة بدائية. انقضّ عليّ بغتة، وأطاح بجسدي الصغير على التراب، وفتح فكه المرعب فوق رأسي مباشرة، محاولاً تهشيم وجهي وتمزيق ملامحي. لثوانٍ معدودة، شعرتُ بأنفاس الموت الساخنة تلفح جلدي، وخوف وبكاء اخوتي، ولم ينقذني من بين فكيه إلا التدخل الإلهي وصراخ حارس البستان الذي ركض مسرعاً وهو يوجه نداءً صارماً وحاداً للكلب بالتراجع. تراجع الكلب على مضض، لكن نظراته المتربصة ظلت عالقة في مخيلتي طوال السنين. وأنا أسترجع هذه الذكرى الآن وسط أيام الصواري المظلمة، لم تعد الحادثة مجرد ذكرى طفولية؛ بل شعرتُ ببرودة قطبية تكتسح المكان. نظرتُ نحو عمق البستان المحاذي للطريق الترابي، وتحت ظلال النخيل المتشابكة، لمحتُ كلباً أسود ضخماً يقف صامتاً بلا حراك. لم يكن ينبح، بل كان يثبت عينيه الغائرتين نحوي بنظرة واعية وغير طبيعية، نظرة تخلو من شراسة الحيوان وتمتلئ بخبث الكيانات العالم الأخر. شعرتُ حينها أن الكيان الذي يسكن خزانة حائطي داخل الكتاب الأسود، بدأ يستعير حتى وحوش الطبيعة وذكريات طفولتي القديمة ليحاصرني بها. محولاً بساتين الأمان والطفولة إلى ساحة رصد جديدة، تؤكد لي أن الهروب إلى الصواري لم يكن سوى فخ كبير، وأن الأيام القادمة التي سأقضيها في هذه القرية لن تنتهي حتى يكتمل ميثاق الدم بالكامل. مرّ الشهر الأول في قضاء الصواري، وتحولت الغرفة الخشبية الصغيرة أمام البيت إلى روتيني اليومي القاتل. كنا انا وابي نتناوب فيما بيننا بالوقوف والبيع. كنتُ أفتح الفتحة الأمامية مع تباشير الصباح، وأرتب علب السجائر والحلويات والجبس على الرفوف الداخلية التي صنعتها أيادي جدي وعمي. لكن الرزق كان شحيحاً، فالقضاء كان يعيش عوزاً مادياً خانقاً جراء الحصار الأمني وتقطيع أوصال الطرق بين المدن. كان الربح البسيط الذي نجنيه بالكاد يسد رمق يومنا أو يساهم في شراء بعض الحاجيات الضرورية والمواد الغذائية. كان هذا الفقر الجديد يضغط على صدر والدي؛ أراه يجلس في الصالة المظلمة يراجع حساباته القليلة بأسى، وأمي تحاول التخفيف عنه بكلمات الصبر والاتكال على الله. بينما أنا أتحمل تعب المجهول والوقت بلا مقابل حقيقي، واجداً في عملي هذا مجرد قناع أختبئ خلفه من نظرات العشيرة. لكن الرعب الحقيقي لم يكن في شح الرزق، بل في الضريبة الغيبية التي بدأتُ أدفعها داخل هذه البسطية الخشبية. في ظهيرات الصواري القائظة، حين يخلو الزقاق الترابي من المارة ويلوذ الجميع بالبيوت هرباً من الحر، كنتُ أجلس في عتمة الغرفة الخشبية الضيقة. وفجأة، كانت البرودة القطبية المألوفة تخترق جدران الخشب؛ ألتفتُ نحوي فأرى علب السجائر المترتبة على الرفوف تبدأ بالاهتزاز الخفيف دون وجود أي تيار هوائي! ثم يبدأ هسيس الورق.. صوت يشبه تقليب صفحات كِتاب ضخم وسريع يتردد في زوايا المتر المربع الواحد. (فففف.. فففف) صدى حاد يجمد الدماء في عروقي. كنتُ أعلم أنه هو؛ الكيان يذكرني بوجوده، يثبت لي أن الخزانة الحائطية داخل بيتنا المظلم لم تعد تكفيه، وأنه أصبح يتنفس معي وسط بضاعتي البسيطة. تزايد الرعب النفسي حين بدأتُ ألمح تأثير هذه اللعنة على الأطفال الصغار من أبناء القضاء الذين يأتونه لشراء الحلويات. كان بعضهم يتقدم نحو فتحة البسطية، وفجأة يتوقف، وتتسع عيناه بوجل وهو ينظر إلى المساحة المظلمة خلف ظهري، ثم يهرب باكياً دون أن يشتري شيء! كنتُ ألتفتُ بذعر فلا أرى أحداً، لكني أشم رائحة بخور الموتى وعفن الإسمنت الداكن يملأ الغرفة الخشبية. أصبح وجودي بحد ذاته خطراً يهدد استقرار العائلة؛ صرتُ أخشى أن يلاحظ أعمامي النجارون أو عمي الشرطي البحري هذه الظواهر الغريبة، فالعيون العشائرية حادة والشكوك في هذه الأماكن لا ترحم. كنتُ أعيش مواجهة صامتة حارقة، متسلحاً بالصمت المطبق، حابساً أنفاسي وخوفي، ومنتظراً تلك اللحظة التي ستنفجر فيها اللعنة لتعلن نهاية أيامنا الشحيحة في قضاء الصواري. في تلك الساعات الطويلة والراكدة التي كنتُ أقضيها داخل الغرفة الخشبية أمام بيتنا في الصواري، كان عقلي لا يتوقف عن الدوران في ركن مظلم آخر من أركان حياتي؛ ركن الطموح المكسور والدراسة التي حاربتُ من أجلها. كنتُ قد أتممتُ دراستي في المدرسة الصناعية بنجاح، وتخرجتُ من قسم الكهرباء حاملاً أحلاماً دافئة ببناء مستقبل مستقر. و الصدمة التي تلقتها طموحاتي بعد سقوط النظام كانت أشبه بصفعة على الوجه؛ إذ بدأتُ رحلة مريرة في البحث عن كلية أو جامعة أو معهد يقبلني. لأكتشف في نهاية المطاف أن شهادة الإعدادية الصناعية في تلك الفترة الفوضوية قد أُتلفت قيمتها، ولم يعد يُعترف بها رسمياً في معظم أروقة الدولة وباتت ملغاة في نظر الكثير من المؤسسات التعليمية. تلك الصدمة جمدت حياتي. جلستُ في البيت سنة كاملة، سنة بطولها وعرضها مرت دون أن أقدم فيها على شيء، غارقاً في فراغ قاتل تضاعف مع صراعي الداخلي. كان الإحساس بأنني ضيعتُ سنة من عمري هباءً ينهش روحي من الداخل كالعث؛ شعرتُ بمرارة حارقة وأنا أرى أصدقائي والشباب الذين كانوا أصغر مني بمراحل دراسية يبدأون بالتقدم عليّ. يشقون طريقهم في الحياة وأنا قابع في مكاني، أتحول تدريجياً إلى جليس للبيت وظل باهت في زواياه. لكن الإصرار في داخلي كان كبيراً، ورفضتُ تماماً الاستسلام لفكّي هذا الواقع المرير، ولم أكن مستعداً لخسارة السنين القادمة من شبابي. هذا الإصرار هو ما دفعني لخوض محاولة أخرى للبحث، ولكن هذه المرة قررتُ توسيع العدسة والابتعاد عن مركز بغداد. بعد أن سمعتُ من بعض المعارف بهمسة أمل؛ وجود "معهد معلمين مسائي" يقع في أطراف العاصمة، تحديداً في "حي المآب"، ذلك الحي الذي كان يربض في الجانب المقابل لضاحيتنا القديمة "حي النهروان". حزمتُ أمري في اليوم التالي وتوجهتُ إلى هناك.