القسم الثالث
كانت الأرض رطبة قليلًا قرب الماء، ورائحة الطين والنباتات المبللة تملأ المكان. وفي الصباحات الهادئة، كنت أسمع أحيانًا صوت القطار البعيد يصل إلينا متقطعًا عبر الأشجار، فيختلط مع زقزقة الطيور وصوت الماء الجاري داخل الساقية.وبينما نحن بجانب البساتين نركض فجأة صاحت سهام: "انتبهوا! هناك كلب!" توقف كل شيء داخلي للحظة. ثم رأيته.كان كلبًا ضخمًا يركض نحونا بسرعة، يخرج من صدره نباحٌ متقطع وعنيف، وعيناه مثبتتان علينا بطريقة أخافتني أكثر من صوته نفسه. بدا كأنه خرج فجأة من عمق البستان، من مكان لم نكن نراه قبل لحظات.كان كلب حارس البستان، كان الحارس يسكن في بيت كبير من طين وسط البستان. ركض "وسام" بسرعة وهو يصرخ: "اركض! اركض!" أما أنا، فتجمدت للحظة قصيرة قبل أن أبدأ بالركض خلفه. كنت أسمع صوت خطواتنا فوق التراب الرطب، وصوت أنفاسي المتقطعة، والنباح يقترب أكثر فأكثر خلفنا. وحين وصلنا قرب اللوح الخشبي، تعثر رباط حذائي فجأة.في ثانية واحدة فقط، فقدت توازني وسقطت بقوة على الأرض. شعرت بالتراب والحصى يخدشان يدي وركبتي، لكنني لم أفكر بالألم أصلًا. كل ما فكرت به وقتها هو الكلب الذي صار قريبًا جدًا. تجمد جسدي بالكامل.كنت أسمع صوت أنفاسي المرتبكة، وأشعر بأن قلبي يخفق بعنف حتى ظننت أن من حولي يستطيعون سماعه. لم أكن قادرًا حتى على الصراخ. وقبل أن أستوعب ما حدث، كان الكلب فوقي. شعرت بثقل جسده، وبرائحة أنفاسه، وبفكيه يقتربان من وجهي. مددتُ يديَّ بكل ما فيّ من خوف، وأمسكتُ رقبته.كان الكلب يزمجر بصوت منخفض، وأسنانُه ظاهرة بوضوح، بينما عيناه مثبتتان عليّ بطريقة جعلتني أشعر بشللٍ كامل. بقيت ملتصقًا بالأرض، ويداي ترتجفان دون سيطرة، وأنا مقتنع تمامًا في تلك اللحظة أنني سأُعض أو أموت أو يحدث شيء سيئ جدًا.سمعت صراخ "سهام" من بعيد، ثم صوت رجل آخر يقترب بسرعة. كان حارس البستان.بدأ يصرخ باسم الكلب ويحاول إبعاده، بينما بقيت أنا عاجزًا عن الحركة لثوانٍ طويلة. حتى بعد أن تراجع الكلب أخيرًا، بقيت مثبتًا في مكاني أحدق بالأرض وكأنني خرجت لتوي من كابوس. اقترب الحارس وهو يلهث، وأمسك الكلب من رقبته بقوة وهو يعتذر لنا بغضب وتوتر. لكنني بالكاد كنت أسمعه. كنت متجمّدًا في مكاني، أتنفّس بصعوبة، وقلبي يضرب صدري كأنه يريد أن يخرج. بين صدمة وبكاء وخوف, لكن كل ما أتذكره حقًا هو ذلك الشعور. ذلك الشعور البارد الذي مرّ داخلي في تلك اللحظة، وكأن الخوف لم يكن مجرد خوف عادي... بل شيء أعمق، شيء قديم كان يعرف طعم الرعب قبل أن أفهمه أنا بسنوات. لم أشعر بالأرض تحت ظهري، ولا بالتراب على يديّ. كل شيء حدث بسرعة حتى إن عقلي لم يستطع استيعاب ما جرى. بقيت أحدق بالكلب وهو يزمجر أمامي، وأشعر بأنفاسه الساخنة وصوته الخشن يملأ المكان كله. كنت أسمع دقات قلبي أعلى من النباح نفسه، وأشعر أن جسدي كله أصبح باردًا رغم حرارة الشمس. ثم فجأة ابتعد الكلب. سمعت صوت الحارس يصرخ باسمه بعصبية وهو يشد السلسلة بقوة، بينما بقيت أنا جالسًا على الأرض لا أستطيع الحركة. كانت ركبتاي ترتجفان، وأنفاسي متقطعة، وكأن شيئًا داخلي انكسر للحظات ثم عاد ببطء. لم أستطع حتى أن أبكي مباشرة. فقط حين بدأ الصوت يبتعد، وحين رأيت وجوه إخوتي الشاحبة وهم يركضون نحوي، فهمت أنني ما زلت بخير… وأن الكلب لم يعضني فعلًا. عندها فقط انفجرت بالبكاء. بكيت بطريقة لم أفهمها حتى أنا. ليس بسبب الألم، بل بسبب ذلك الرعب الذي دخل جسدي كله دفعة واحدة وبقي عالقًا داخلي حتى بعد انتهاء الموقف. كنت أشعر أن الخوف نفسه التصق بي، وأن قلبي ما يزال يركض حتى ونحن واقفون في مكاننا. مرت السنوات بعدها بسرعة، لكن ذلك المشهد بقي حيًا داخلي بطريقة غريبة. وحتى بعدما كبرت قليلًا، بقيت أخاف من الكلاب خوفًا حقيقيًا، ليس خوف طفل عابر، بل خوفًا يشبه الذكرى القديمة التي لا تغادر الجسد أبدًا. ومع مرور السنوات، بدأت مخاوفي تكبر معي، لكن طفولتي بقيت طفولة مثل بقية أطفال القرية. كنا نقضي ساعات طويلة بعد المدرسة في الشارع الترابي أمام البيوت، نبحث كل يوم عن لعبة جديدة تشغل وقتنا حتى موعد عودة آبائنا من العمل أو حتى تنادينا أمهاتنا للعودة إلى البيت. ومن أكثر الألعاب التي أحببناها لعبة الكرات الزجاجية الصغيرة. كنا نسميها أحيانًا "البلبل" أو "الجلج"، وكانت بالنسبة لنا كنوزًا حقيقية. لكل واحد منا مجموعة يحتفظ بها بعناية داخل جيبه أو في علبة صغيرة يخفيها داخل البيت. كانت الكرات تختلف في ألوانها وأحجامها. بعضها شفاف، وبعضها يحتوي خطوطًا ملونة داخل الزجاج تشبه الدخان أو النار أو الأمواج المتجمدة. وكنت أقضي وقتًا طويلًا أتأملها أحيانًا تحت ضوء الشمس. كان الضوء يمر عبرها بطريقة جميلة تجعلها تبدو كعوالم صغيرة محبوسة داخل كرة زجاجية. نجلس على الأرض ونرسم دائرة صغيرة في التراب، ثم تبدأ المنافسة. كنا نركع على ركبنا ونصوب الكرات بأصابعنا بكل تركيز، وكأن مصير العالم يتوقف على تلك الضربة. وحين يربح أحدنا مجموعة من الكرات كان يشعر بفخر لا يوصف. أما الخاسر فكان يقضي بقية اليوم يحاول استعادتها في جولة جديدة. لكن الألعاب بين الأطفال لا تبقى هادئة دائمًا. فكما كنا نضحك معًا، كنا نتشاجر أيضًا. أحيانًا يختلف اثنان على نتيجة اللعبة. وأحيانًا يتهم أحدنا الآخر بالغش. وأحيانًا يبدأ الشجار بسبب كرة زجاجية واحدة فقط. سرعان ما تتحول الكلمات إلى صراخ، ثم إلى دفعات بالأيدي، ثم يبدأ البكاء. وفي بعض الأيام كانت أخبار شجاراتنا تصل إلى أمي قبل أن أصل أنا إلى البيت. كانت الأمهات يعرفن كل شيء تقريبًا. يكفي أن يبكي طفل واحد أو يشتكي لأمه حتى تنتقل القصة من بيت إلى آخر بسرعة عجيبة. وحين أعود، كانت أمي تستقبلني بنظرة تعرف من خلالها أن هناك مشكلة حدثت. أحيانًا كانت تكتفي بالتوبيخ. وأحيانًا كانت تغضب فعلًا. خصوصًا إذا عاد أحدنا بملابس ممزقة أو بجرح جديد أو بعد شكوى من أحد الجيران. كانت تقول لنا إن الشارع ليس مكانًا للمشاكل، وإن اللعب يجب أن يبقى لعبًا. لكننا كنا أطفالًا، وكنا ننسى النصائح بسرعة أكبر مما نتعلمها. وفي بعض المرات كانت تمنعنا من الخروج للعب لبقية ذلك اليوم. وكان ذلك العقاب بالنسبة لي أشد من الضرب أحيانًا. أجلس قرب الباب أو النافذة أراقب الأولاد في الخارج وهم يركضون ويضحكون، بينما أبقى أنا داخل البيت. أتظاهر بالانشغال بشيء آخر، لكن أذني تكون مع أصواتهم طوال الوقت. كنت أعد الدقائق منتظرًا انتهاء العقوبة أكثر مما أنتظر أي شيء آخر. ورغم غضب أمي أحيانًا، كنت أعرف أنها تفعل ذلك خوفًا علينا. فالعالم خارج البيت لم يكن آمنًا دائمًا. وكانت ترى ما لا نراه نحن الأطفال. ترى الجروح قبل أن تحدث. وترى المشاكل قبل أن تبدأ. أما نحن، فلم نكن نرى سوى الكرة الزجاجية التالية، أو اللعبة التالية، أو المغامرة التالية التي تنتظرنا في آخر الشارع. وفي كثير من المرات كنت أعود إلى البيت غاضبًا أو حزينًا بعد خلاف مع أحد الأولاد، مقتنعًا أنني لن أكلمه مرة أخرى طوال حياتي. ثم أعود للعب معه في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يحدث. هكذا كانت صداقات الطفولة.حروب قصيرة جدًا. وسلام سريع جدًا. حين صرت في العاشرة تقريبًا، بدأ أبي يأخذني معه أحيانًا إلى المقهى في العطل ونهايات الأسبوع. كنت أفرح بذلك رغم أنني لا أقول شيئًا. مجرد خروجي معه كان يشعرني أنني أصبحت أكبر قليلًا، وأنه بدأ يراني قادرًا على مشاركته عالم الرجال ولو من بعيد. كنت أحمل معه كيس الصمون ونسير باتجاه “الصنايع”، ذلك المجمع الصغير المليء بورش تصليح السيارات والحدادة والمحلات القديمة. المكان كله كان حيًا بطريقة مختلفة؛ أصوات المطارق، ورائحة الزيت المحروق، والدخان المتصاعد من اللحام، وضحكات العمال المختلطة بأصوات الراديو القديم. كان أبي يعرف الجميع تقريبًا. كلما مررنا قرب ورشة، يناديه أحدهم: _“أهلا أبو عاصم!” ثم يلتفت إليّ مبتسمًا: _“هذا ابنك؟ كبر الولد.” كنت أبتسم بخجل وأقف قريبًا من أبي، أشعر بشيء يشبه الفخر الصغير داخلي. كنت أحب طريقة احترام الناس له، وطريقته الهادئة بالكلام، حتى صمته كان يملك هيبة لا أفهمها وقتها. في المقهى، كنت أساعد أحيانًا بوضع استكانات الشاي على الطاولات أو جمع الصحون الفارغة. وكان أصحاب الورش يمازحونني دائمًا، يعطونني قطعة حلوى أو بعض النقود الصغيرة، بينما أبقى صامتًا أكثر الوقت أراقب وجوه الناس وحركاتهم. كنت ألاحظ كل شيء. الرجال الذين يجلسون لساعات يتحدثون عن الحرب والسياسة والأسعار، والدخان الذي يملأ السقف ببطء، وصوت الملاعق الصغيرة وهي تضرب حواف الاستكانات الزجاجية. حتى رائحة المكان بقيت عالقة في ذاكرتي؛ مزيج من الشاي الثقيل والدخان والزيت والحديد. وفي أحد أيام الجمعة، وهذا اليوم لن انساه ابدأ حينما قررت أمي أن نذهب جميعًا إلى “دجلة”. منذ الصباح بدأت التحضيرات داخل البيت. أمي تجهز الطعام والخبز والشاي، وتضع الصحون داخل الأكياس، وسفرة الطعام الكبيرة، بينما إخوتي يتحركون بحماس وفرح لأننا سنخرج أخيرًا كنزهة عائلية. حتى أبي بدا مرتاحًا ذلك اليوم أكثر من المعتاد. تاكد أبي من وقود السيارة وحملنا الاكياس وصناديق في الجيب. ركبنا السيارة القديمة وانطلقنا نحو جهة النهر القريبة من “ناحية الصواري”. الطريق كان طويلًا قليلًا، لكنه جميل. الهواء يدخل من النوافذ، والشمس تنعكس فوق البساتين الممتدة على جانبي الطريق، بينما كنت أراقب كل شيء بصمت من مكاني. حين وصلنا، اخترنا مكانًا قريبًا من النهر، أرضًا ترابية مستوية تنتشر حولها القصب والأشجار. كان صوت الماء يصلنا بوضوح، هادئًا ومريحًا بطريقة غريبة، بينما النسيم القادم من جهة النهر يحرك أطراف القصب باستمرار. كانت هناك عائلات كثيرة تجلس قرب الماء، وأطفال يركضون بين الأشجار، ورجال يحملون صنارات الصيد ويتحدثون بصوت مرتفع عن الأسماك الكبيرة التي أفلتت منهم. أما أنا… فكنت أنظر إلى النهر. لا أعرف لماذا كنت أشعر دائمًا أن في الماء شيئًا أعمق من مجرد ماء. كان "دجلة" يبدو هادئًا من الخارج، لكنني كلما أطلت النظر إليه شعرت أن تحته عالمًا كاملًا لا يراه أحد. وذلك الإحساس القديم عاد مرة أخرى. ذلك الشعور القصير والغامض الذي يزورني فجأة دون سبب… ثم يختفي تاركًا خلفه ارتباكًا خفيفًا لا أستطيع تفسيره. قرر أخوتي "هيام و "هاشم" و"عاصم" أن يسبحوا لذا قفزوا في النهر، أما سهام فكانت تجلس بجانب أمي تضحك مع وسام، بينما أبي كان منشغلًا بتحضير الشاي والطعام قرب السيارة القديمة. أما أنا… فبقيت جالسًا قرب حافة النهر وحدي، وقدمي تلامسان الماء. كنت أراقب سطح الماء بصمت، وأتأمل التموجات الصغيرة التي تصنعها الريح فوق دجلة. كان النهر يبدو هادئًا جدًا، هدوءًا يجعل الإنسان ينسى أحيانًا كم يمكن للماء أن يكون مخيفًا وعميقًا. لا أعرف لماذا جاءتني تلك الفكرة فجأة. كنت مهووسًا بالرسوم المتحركة التي كنت اشاهدها. لا اعلم لماذا في هذه اللحظة جاءتني فجأة وأنا اتذكر مشهدًا من "عدنان ولينا" ربما لأنني كنت طفلًا فضوليًا، أو ربما لأن شيئًا ما في داخلي كان يدفعني دائمًا للنظر نحو الأشياء الغامضة أكثر من غيرها. اقتربت قليلًا من الماء، ثم نزلت ببطء. لم أفكر... ولم أخف في البداية شعرت ببرودة النهر تلتف حول قدميّ فقط، ثم ركبتيّ، ثم بطني. كان التيار خفيفًا قرب الحافة، والماء يتحرك ببطء حول جسدي كأنه كائن حي يتنفس بهدوء. فتحت عيني داخل الماء للحظة. وانا ارى وللمرة الاولى هذه المنظر. رأيت اللون الأخضر الداكن يمتد في العمق، وأشعة الشمس تتكسر فوق السطح بطريقة غريبة وجميلة، بينما كانت الأعشاب المائية تتحرك ببطء مع التيار، والأسماك الصغيرة تمر قرب قدمي ثم تختفي بسرعة. كان المشهد هادئًا بطريقة غريبة جدًا. هادئًا أكثر مما يجب. في تلك اللحظة نسيت كل شيء حولي؛ أصوات إخوتي، ضحكات العائلات، حتى حرارة الشمس فوق رأسي اختفت. لم أفكر في شيء، ولا في أنني لا أعرف السباحة، ولم أشعر إلا بذلك السكون العجيب الذي يملأ الماء من الداخل. ثم حدث شيء لا أستطيع تفسيره حتى اليوم.