ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 6: القسم الخامس

القسم الخامس

ثم يدٌ تمسك بي بقوة. كان قلبي قد توقف تقريبًا من الخوف. كانت أختي "هيام" قد أمسكت بيدي وسحبتني إلى الخارج بسرعة. خرجت مبللًا، وثيابي مغطاة بالطين. كان الماء يقطر من شعري ووجهي وأكمام قميصي، بينما وقف الناس ينظرون نحوي للحظات قبل أن يطمئنوا أن شيئًا خطيرًا لم يحدث. أتسخت ملابسي، فحاولت أمي أن تنظف ملابسي بالماء في بيت الحارس قدر ما تستطيع. كانت تمسح الطين عن بنطالي وقميصي وهي تتمتم بكلمات ضجر وخوف في الوقت نفسه. أما أنا فبقيت صامتًا تمامًا. لكنني لم أعد كما كنت قبل دقائق. جلست في زاوية الفناء، مقرفصًا، يدي على رأسي، وأرتجف. أراقب العرس من بعيد. ومختبئًا كل فترة أثناء العرس. كان صوت الموسيقى يصلني متقطعًا. كانت النساء يرقصن ويزغردن، والأطفال يضحكون ويأكلون الكيك ويركضون بين الناس، والرجال يتبادلون التهاني ويتحدثون بصوت مرتفع. كانت روائح الطعام والشاي والدخان تختلط في الهواء، وكان الجميع منشغلين بالفرح. إلا أنا. لم أستطع أن أشاركهم فرحتهم. كلما أغمضت عيني للحظة شعرت أنني أسقط من جديد. لم يكن سقوطًا كبيرًا، ولم أبقَ في الماء إلا ثوانٍ معدودة، لكن تلك الثواني كانت كافية لتعيد إلى داخلي خوف النهر الذي لم يغادرني منذ الحادثة السابقة. كنت أشعر أن الماء يلاحقني بطريقة ما، وكأن بيني وبينه حسابًا لم ينتهِ بعد. تمر الأيام وكانت أيامًا عادية. عادت الحياة إلى إيقاعها المعتاد. أمي تخيط الأقمشة داخل البيت، وصوت ماكينة الخياطة يملأ بعض ساعات النهار. كانت تذهب بين الحين والآخر إلى عاصمة بغداد لشراء بعض الأقمشة ولوازم الخياطة، ثم تعود محملة بالأكياس واللفافات الملونة التي كنت أحب النظر إليها دون أن أفهم شيئًا في أنواعها وأسمائها. وكانت ماكينة الخياطة جزءًا ثابتًا من البيت، كأن لها صوتًا خاصًا داخل ذاكرتي. صوتها المتكرر كان يملأ الغرفة لساعات طويلة، تختلط معه رائحة القماش الجديد والخيوط وطباشير التفصيل. كنت أجلس أحيانًا قرب أمي أراقب قدمها وهي تضغط على دواسة الماكينة، والإبرة تهبط وتصعد بسرعة عجيبة، كأنها لا تتعب أبدًا. كنت أنا وسهام ننتظر انتهاء أمي من بعض الأعمال، ثم نقترب من المكان الذي تتساقط فيه بقايا القماش الصغيرة تحت الماكينة. كانت تلك القطع بالنسبة لنا كنزًا صغيرًا. نجمعها ونفرزها حسب اللون والشكل، ثم نأخذ إبرة وخيطًا ونحاول أن نصنع منها فساتين للدمى. كنا نجلس تحت ماكينة الخياطة أو قربها، عالمنا الصغير تحت عالم أمي الكبير. سهام تمسك الدمية، وأنا أحاول أن أساعدها في شد الخيط أو اختيار قطعة قماش تصلح كفستان. أحيانًا ننجح، وأحيانًا يخرج الفستان أعوج ومضحكًا، فنضحك نحن الاثنين وكأننا أنجزنا شيئًا عظيمًا. كانت تلك اللحظات هادئة جدًا. لا حرب، لا كلاب، لا ماء، لا خوف. فقط أنا وسهام وبقايا قماش صغيرة نحاول أن نصنع منها عالمًا أجمل من العالم الحقيقي. أما نحن، فكنا نعود إلى المدرسة، وإلى كتابة الواجبات المدرسية، وإلى الأيام الصغيرة المتشابهة التي تبدو عادية حين نعيشها، لكنها تصبح لاحقًا جزءًا من الذاكرة التي لا تُنسى. ثم اللعب بعدها في شوارعنا. إخوتي يركضون خلف الكرة مع أولاد الجيران، وأخواني مع صديقاتهن، وأنا كنت أجلس قريب الباب أنظر لهم، تحت شمس العصر الذهبية وهي تميل ببطء نحو المغيب. كنت أراقب الغبار الخفيف الذي يرتفع تحت أقدامهم وهم يركضون، وأسمع ضحكاتهم تتردد بين البيوت الطينية والبساتين القريبة. أحيانًا كنت أرغب أن أشاركهم اللعب، وأحيانًا أخرى كنت أكتفي بالمشاهدة، كأنني أجد متعة خاصة في مراقبة الأشياء وهي تحدث أمامي. كنت أنتظر عودة أبي من العمل. وفي أيام أخرى، كنت أذهب مع أبي إلى “الصنايع”. كان ذلك المكان مختلفًا عن البيت والمدرسة والقرية. هناك كان كل شيء أعلى صوتًا وأكثر خشونة. أصوات المطارق، رائحة الزيت، غبار الحديد، دخان اللحام، ووجوه الرجال المتعبة التي اسودت من العمل تحت الشمس وبين المحركات. كنت أساعد أبي أحيانًا في حمل صينية الشاي والاستكاين إلى أصحاب المحلات والورش. كانوا يطلبون الشاي بالإشارة من بعيد، يرفع أحدهم إصبعين أو ثلاثة أو خمسة، فأفهم العدد وأحمل الصينية بحذر شديد. كانت الاستكانات تهتز قليلًا مع خطواتي، وكنت أخاف أن أسكب الشاي أو أكسر شيئًا. كانوا يفرحون حين أصل إليهم. يقول أحدهم: "عاشت إيدك يا بطل." ويضحك آخر: "كبر الولد، صار يساعد أبوه." كنت أبتسم بخجل، وأشعر بفخر صغير في داخلي. لم أكن أفعل شيئًا كبيرًا، لكن نظراتهم وكلامهم كانت تجعلني أحس أنني صرت جزءًا من عالم الرجال، ولو للحظات قصيرة. وفي أحد أيام الصيف، كان الحر شديدًا جدًا. الشمس كانت قوية إلى درجة أن الشارع بدا كأنه يغلي. خرجت أحمل صينية الشاي إلى محل لبيع قطع غيار السيارات، أمشي ببطء حتى لا تنسكب الاستكانات. كنت أشعر بحرارة الأرض تصعد من تحت قدمي، والهواء نفسه كان حارًا كأنه يخرج من فرن. وفجأة شعرت بشيء دافئ ينزل من أنفي. توقفت في مكاني. لم أفهم في البداية. ثم رأيت قطرات الدم تسقط فوق يدي وقرب الصينية. ارتبكت وخفت، وبقيت واقفًا تحت الشمس لا أعرف ماذا أفعل. لم يكن الألم شديدًا، لكن منظر الدم أخافني كما كان يخيفني دائمًا. ركض أحد الرجال نحوي وأخذ الصينية من يدي، ثم نادوا أبي بسرعة. جاء أبي قلقًا، وجعلني أجلس في الظل، وغسل وجهي بالماء البارد. قالوا إن ذلك من شدة الحر، لكنني بقيت صامتًا، أشعر أن جسدي أضعف من العالم حوله، وأن الأشياء العادية قد تنقلب فجأة إلى خوف جديد. لذا قرر أرجاعي للبيت. كنت أعرف موعد رجوعه تقريبًا من طريقة تغير الضوء في السماء، ومن عدد المرات التي أنظر فيها إلى آخر الشارع. كان حضوره يمنح البيت شعورًا بالاكتمال، حتى عندما لا يقول الكثير. أما أبي الذي كان يبذل جهدًا كبيرًا في العمل طوال النهار، فكانت علامات التعب تبدو واضحة عليه وهو يحمل الأكياس الثقيلة. ومع ذلك، حين يقترب من البيت كانت ملامحه تتغير قليلًا. كنت أراه من بعيد، يمشي بخطوات متعبة، لكن ابتسامة خفيفة تظهر على وجهه عندما يرى أمي أو يسمع أصواتنا من داخل البيت. كنا نركض نحوه أحيانًا لنساعده في حمل الأكياس، أو على الأقل نتظاهر بالمساعدة بينما نحاول معرفة ما الذي أحضره معه من السوق. كان يحمل الخضار أحيانًا، أو بعض الحاجيات المنزلية، وأحيانًا أشياء بسيطة تفرحنا نحن الأطفال أكثر مما يتصور. لم أكن أعرف أن ذلك كان آخر شتاء لنا هنا. في تلك الفترة بدأت ألاحظ أشياء صغيرة لا أقولها لأحد. أشياء تمرّ بسرعة، ثم تختفي، لكنها تترك داخلي أثرًا غريبًا. مرة وجدت ريشة بيضاء صغيرة قرب باب البيت، لا أعرف من أين جاءت. لم تكن هناك طيور قريبة في تلك اللحظة، ومع ذلك بقيت الريشة عالقة في التراب كأنها كانت تنتظرني. حملتها بين أصابعي ونظرت إليها طويلًا، ثم خبأتها في جيبي دون أن أعرف لماذا. وفي مساء آخر، رأيت بومة واقفة فوق نخلة بعيدة قرب البستان. كانت تنظر باتجاه بيتنا بصمت. لم تكن تتحرك كثيرًا، فقط عيناها تلمعان في العتمة الخفيفة. شعرت بقشعريرة صغيرة في ظهري، لكنني لم أخف تمامًا. كان الإحساس أغرب من الخوف، كأن شيئًا في داخلي يعرفها أو يعرف سبب وقوفها هناك. وأحيانًا كنت أنظر إلى الغيوم وقت الغروب فأرى فيها أشكالًا لا يراها غيري. وجهًا بعيدًا، جناحًا مفتوحًا، أو هيئة تشبه شخصًا يقف بين الضوء والظل. وحين أقول لأحدهم: "انظروا، الغيمة تشبه..." كانت الغيمة تتغير بسرعة قبل أن يراها أحد. لم أكن أفهم شيئًا من ذلك. كنت طفلًا فقط. لكنني كنت أشعر أحيانًا أن العالم لا يظهر لنا كل ما فيه، وأن هناك أشياء تمرّ قربنا بصمت، تلمس حياتنا قليلًا، ثم تختفي قبل أن نعرف أسماءها. لم أكن أدرك ماذا تخبئ لنا الأيام، وأن أمورًا كثيرة سوف تتغير لاحقًا بطريقة لم أتخيلها يومًا. كنت أرى أمي تخرج في الصباح الباكر إلى بغداد، تحمل معها قائمة طويلة كتبتها بخط يدها. لم تكن هناك محلات أقمشة كبيرة في قضاء "الصواري"، لذلك كانت تضطر إلى الذهاب إلى العاصمة بين فترة وأخرى لشراء الأقمشة والخيوط والأزرار ولوازم الخياطة التي تحتاجها في عملها. كنت أراقبها أحيانًا وهي تراجع قائمتها قبل الخروج. كانت تعرف بالضبط ما تريد شراءه، وتعرف أسماء أنواع الأقمشة أكثر مما أعرف أسماء الألعاب التي كنت أحبها. بالنسبة لها كانت تلك رحلة عمل عادية، أما بالنسبة لي فكانت بغداد تبدو مدينة بعيدة وغامضة، مدينة أكبر بكثير من عالمنا الصغير المحاط بالبساتين والسكك الحديدية. كانت تطول رحلة السفر أحيانًا، فأجلس قرب الباب أو النافذة أنتظر عودتها. كنت أراقب الطريق كلما سمعت صوت سيارة تقترب، وأشعر بالارتياح حين أراها تعود حاملة أكياسها الكبيرة. لم أفهم الكلمات التي قالها أبي ذات ليلة تحت ضوء الغرفة الخافت. كنت مستلقيًا على فراشي أتظاهر بالنوم، بينما كان هو وأمي يتحدثان بصوت منخفض حتى لا نسمع. كل ما أتذكره أنني سمعت أبي يقول: "لن نبقى هنا..." ثم ساد الصمت للحظات. لم أفهم المعنى الكامل للكلمات، لكن شيئًا ما في نبرة صوته بقي عالقًا في ذاكرتي. كانت نبرة رجل يفكر كثيرًا ويحاول اتخاذ قرار مهم. بعد ذلك بدأت ألاحظ أمورًا صغيرة لم أكن أنتبه لها سابقًا. أحيانًا كان أبي يجلس صامتًا فترة أطول من المعتاد. وأحيانًا كانت أمي تنظر إلى مكان بعيد وهي منشغلة بالخياطة. لم أكن أفهم شيئًا، لكن الطفل بداخلي كان يشعر بأن شيئًا ما يتحرك بهدوء في خلفية حياتنا. في أحد الأيام بعد المدرسة، ذهبت أنا وإخوتي مع عمي عباس إلى المكان الذي يسبح فيه أولاد المنطقة عادة. كان يقع قرب مجرى مائي واسع يشبه النهر الصغير، وهو في الحقيقة جدول كبير من الكونكريت تستخدم مياهه لسقي الحقول والبساتين الممتدة حول القرية. كان الماء يجري فيه بسرعة أكبر من مياه السواقي الصغيرة التي اعتدنا رؤيتها. وصوت اندفاعه كان يُسمع من مسافة بعيدة، خصوصًا في الأيام الهادئة. جلسنا قرب المكان نراقب الأولاد وهم يقفزون إلى الماء ويخرجون منه وهم يضحكون. كان بعضهم يتحدى بعضًا في السباحة لمسافات أطول، وبعضهم يقفز من الحافة العالية وكأنه لا يعرف الخوف. أما أنا فجلست قرب ملابس إخوتي أراقبهم بصمت. كنت ما أزال أخاف من النزول إلى الماء بسبب حادثة الغرق التي حدثت لي سابقًا. كلما اقتربت من الماء عادت إليّ تلك الذكرى؛ لحظة اختفاء الهواء من صدري، والظلام الأخضر تحت السطح، والشعور بأنني أهبط إلى مكان لا نهاية له. لذلك بقيت جالسًا أراقب فقط. لكن شيئًا ما كان ينتظرني هناك، دون أن أعرف.وقبل الغروب اجتمعنا إلى البيت، ونحن جالسون حول سفرة الطعام قال أبي فجأة: "سنبيع البيت وسوف ننتقل قريبًا من هنا." ساد الصمت للحظات. حتى الملاعق التي كانت تتحرك فوق الصحون بدت كأنها توقفت هي الأخرى. سأله عاصم: "إلى أين؟" أجاب أبي بهدوء: "إلى ناحية الجوادين." لم أعرف لماذا، ولم أسأل. كنت أظن أن البيوت لا تترك أماكنها، وأن الأشجار تبقى حيث نراها دائمًا، وأن ما اعتدنا عليه سيبقى كما هو إلى الأبد. كان عقل الطفل يرى العالم ثابتًا لا يتغير، لذلك لم أفهم وقتها لماذا يجب علينا أن نترك بيتنا ونذهب إلى مكان آخر. لكنني أتذكر أنني رفعت رأسي ونظرت إلى أمي. كانت صامتة. لم تعترض، ولم تبدُ متفاجئة. وهذا جعلني أفهم لاحقًا أن الأمر لم يكن قرارًا مفاجئًا، بل حديثًا دار بينهما منذ فترة طويلة. لم أفهم معنى الانتقال بالكامل، لكنني شعرت بشيء ثقيل يتحرك داخلي. شيء يشبه الحزن الذي يأتي قبل أن يفهم الإنسان سبب حزنه. بعد أشهر من الذهاب والإياب، وجد أبي البيت المناسب. بيتًا جديدًا في منطقة "ناحية الجوادين"، واتفق مع صاحبه، ودفع العربون، وبدأت الاستعدادات الحقيقية للرحيل. عندها فقط بدأت أفهم أن الأمر جدي. بدأ البيت يتغير تدريجيًا. لأشياء التي كانت ثابتة في أماكنها بدأت تختفي واحدة تلو الأخرى. الصناديق ظهرت في الغرف، وبعض الأثاث نقل إلى الزوايا، وأمي بدأت ترتب الملابس والأواني بطريقة مختلفة. تركنا كل شيء. حديقتنا التي كانت تعني لنا أكثر من مجرد حديقة. شجرة التين التي كبرت معنا عامًا بعد عام. شجرة البرتقال التي كانت تنشر رائحتها في الربيع حتى يصل عبيرها إلى داخل البيت. أحواض النعناع والريحان القريبة من الجدار. حتى التراب نفسه كان مألوفًا بالنسبة لي. كنت أعرف أماكن الحجارة الصغيرة فيه، وأماكن الظل في الصيف، وأماكن تجمع الماء بعد المطر. كان لدينا دجاج أيضًا. كانت أمي تحب أن تربي الدجاج وتجمع البيض، وتضعه تحت الدجاجة لتفقس الفراخ. كنت أحب أن أراقب الدجاج كل صباح وهي تتحرك تحت الأشجار، تنقر الأرض بحثًا عن الحبوب والحشرات. كانت أمي تجمع البيض بعناية، وترفعه في طرف عباءتها أحيانًا، وكأنها تحمل شيئًا ثمينًا. تركت كل ذلك خلفي. ولم أكن أفهم تمامًا لماذا أشعر أنني أترك أكثر من مجرد بيت. في صباح يوم الانتقال، استيقظنا باكرًا. امتلأ البيت بالحركة. الرجال يحملون الأثاث. الأصوات تتعالى من كل جهة. الأبواب تفتح وتغلق. والغبار يرتفع كلما تحركت قطعة أثاث من مكانها الذي بقيت فيه سنوات طويلة. استأجر أبي سيارة كبيرة لنقل الأغراض. كان إخوتي يساعدون في حمل الأشياء الخفيفة، بينما كنت أنا وأخي "وسام" نقف قرب السيارة نراقب كل شيء بعيونٍ مشدوهة. كان ذلك أول انتقال أراه في حياتي. وأول مرة أشاهد فيها بيتًا يتفكك أمامي قطعة قطعة. كانت الشمس حارة في ذلك اليوم. والشارع الترابي يغلي تحت عجلات السيارة. وقفت أراقب أبي وهو يغلق باب البيت. ليس مجرد إغلاق عادي. بل الإغلاق الأخير. أتذكر تلك اللحظة بوضوح. وضع يده على الباب لثوانٍ قصيرة قبل أن يديره ويغلقه. ثم بقي واقفًا أمامه بصمت. كأنه يودع شيئًا عاش معه سنوات طويلة. التفت بعدها نحو السيارة. لكنني بقيت أنظر إلى البيت. إلى الجدار. إلى الحديقة. إلى الشجرة. إلى النافذة التي كنت أنظر منها كل صباح. شعرت أن المكان كله ينظر إلينا ونحن نغادر. ثم تحركت السيارة. وبدأت البيوت والبساتين تتراجع خلفنا شيئًا فشيئًا. رأيت الحديقة تصغر. ثم الجدار. ثم الشارع. ثم اختفى كل شيء خلف منعطف الطريق. لم أكن أعرف آنذاك أننا لن نعود كما كنا. ولم أكن أعرف أن فصلًا كاملًا من حياتي قد انتهى في تلك اللحظة. كل ما عرفته وأنا أراقب الطريق الممتد أمامنا... أن شيئًا مني بقي هناك. في "قضاء الصواري".

ختام الفصل الأول