قبور و غبار
القسم الأول__________________________
كانت سيارة النقل تتحرك ببطء فوق التراب الجاف، تتبع الطريق الترابي الطويل الذي يقود إلى بيتنا الجديد. كل مطبٍ في الطريق كان يجعل الأثاث يهتز، فتتصادم الخزانة بالطاولة، وتصدر الأبواب الخشبية أصواتًا مكتومة كلما اهتزت السيارة. كانت الأغراض مكدسة فوق بعضها بطريقة جعلت المكان يبدو أصغر مما هو عليه، ومع ذلك كنا جميعًا نجلس بينها كأننا نحرس حياتنا القديمة وهي تنتقل معنا إلى مكان جديد. كانت بداية الشتاء. الهواء أبرد مما اعتدناه في الأيام الماضية، والسماء مغطاة بلونٍ رمادي خفيف. وفي ذلك اليوم لم أكن أفكر كثيرًا في المدرسة أو في الصف الرابع الذي سأبدأه قريبًا، بل كنت أفكر في شيء واحد فقط: أننا نترك مكانًا عرفناه طوال حياتنا ونذهب إلى مكان لا نعرف عنه شيئًا. كنت أنا وهاشم ووسام وعاصم نجلس فوق الأثاث، متشبثين بحافة الخزانة الخشبية حتى لا نسقط كلما اهتزت سيارة النقل. كانت الطريق غير مستوية، وكل حفرة صغيرة تجعلنا نقفز من أماكننا ثم نضحك للحظة قبل أن نعود للتشبث من جديد. الريح تضرب وجوهنا بقسوة أحيانًا، فتدخل عيوننا محملة بالغبار البارد. كنت أفرك عيني بين الحين والآخر، ثم أعود لأراقب الطريق الممتد أمامنا. كانت الأشجار والبساتين التي عرفتها طوال طفولتي تختفي شيئًا فشيئًا خلفنا، وكأن أحدًا يمحوها ببطء من صفحة كبيرة. كنت أغمض عيني أحيانًا. ثم أفتحهما بسرعة. وكأنني أخشى أن أفقد آخر صورة من قريتي قبل أن تختفي نهائيًا. في تلك الرحلة لم أكن أفكر في المستقبل بقدر ما كنت أفكر فيما تركناه خلفنا. كنت أحاول أن أتذكر تفاصيل بيتنا القديم وكأنني أخشى أن أنساها. شجرة التين. شجرة البرتقال. حديقة أمي. الجدار الذي كنت أجلس قربه في العصر. الطريق الذي كنا نسلكه إلى المدرسة. حتى الأشياء الصغيرة جدًا بدأت تمر في رأسي واحدة تلو الأخرى. كنت صغيرًا على فهم معنى الوداع الحقيقي، لكن شيئًا داخلي كان يعرف أن بعض الأماكن لا تعود كما كانت بعد مغادرتها. كلما ابتعدت السيارة أكثر شعرت أن جزءًا من حياتي يبقى خلفها. كنت ألتفت بين الحين والآخر رغم أنني لم أعد أرى شيئًا. البساتين اختفت. والبيوت اختفت. والطريق القديم اختفى. لكنني بقيت أنظر نحو الخلف. كأن النظر وحده يستطيع أن يمنع الأشياء من الرحيل. كانت الشمس الحمراء تميل نحو الغروب خلف سحب الشتاء الخفيفة، فتنعكس ألوانها فوق التراب الممتد بلا نهاية. شعرت للحظة أن النهار نفسه يودعنا، وأن شيئًا ما انتهى بالفعل، لا مجرد انتقال من بيت إلى بيت. السماء كانت بلونٍ باهت، والشمس لم تعد تملك دفء الصيف الذي أعرفه. كانت أشعتها تبدو ضعيفة وهي تتسرب عبر الغبار المعلق في الهواء. حتى الضوء نفسه بدا مختلفًا عن الضوء الذي اعتدت رؤيته في قريتي. الهواء لم يكن نقيًا تمامًا. كان مليئًا بذرات تراب دقيقة تدخل العينين والأنف، وتترك طعمًا خفيفًا في الفم. كنت أتنفس ببطء وأنا أراقب الغبار يرقص خلف عجلات السيارة، وكأنه ذيل طويل يرافقنا طوال الرحلة. الطريق إلى ناحية "الجوادين" لم يكن يشبه طريق بيتنا القديم. كلما ابتعدنا عن الشارع الرئيسي أصبح كل شيء أكثر اتساعًا وأكثر فراغًا. لم تعد هناك بساتين كثيرة كما في قريتنا، ولم تعد الأشجار تملأ الأفق بالطريقة نفسها. كان المكان مفتوحًا أكثر، والسماء تبدو أكبر مما اعتدت عليها. أما التراب فكان مختلفًا أيضًا. لم يكن تراب "الصواري" الداكن الذي أعرفه، بل ترابًا أفتح لونًا، يميل إلى الصفرة والبياض أحيانًا، وكانت الريح تحمله بسهولة فوق الأرض حتى يبدو كأنه ضباب خفيف يتحرك باستمرار. كلما تقدمت السيارة ناحية "الجوادين" بدأت الريح تصفر حولنا بطريقة غريبة. بدأت الريح تهمس في الأذنين، ليست مجرد رياح... بل صرخة الأرض. لم يكن صوتها مجرد هواء يمر، بل شيء يشبه الهمس البعيد. كنت صغيرًا جدًا على أن أفهم سبب ذلك الإحساس، لكن المكان كله بدا لي مختلفًا منذ اللحظة الأولى. كانت الحقول تمتد على الجانبين بلا نهاية تقريبًا، والريح تمر فوقها فترسم تموجات طويلة فوق الأعشاب اليابسة. كل شيء كان يتحرك باستمرار، حتى الأشياء التي تبدو ساكنة. كلما مرت السيارة فوق حفرة أو مطب شعرت أنني سأطير من مكاني. كنت أتمسك بحافة الخزانة بقوة، بينما ضحك "هاشم" وهو يصيح: لا ترخى! ضحك الجميع. أما أنا فابتسمت فقط. لم أكن خائفًا من السقوط وحده. كنت خائفًا من ذلك الشعور الغريب الذي يرافق البدايات الجديدة. الشعور الذي يخبرك أن حياتك على وشك أن تتغير، لكنك لا تعرف بعد كيف ولا لماذا. وفي تلك اللحظة، بينما كانت سيارة النقل تقترب أكثر فأكثر من "الجوادين"، لم أكن أعلم أن هذا المكان الجديد سيحمل لي أكثر الذكريات غرابة وخوفًا في حياتي كلها. رفعت يدي عاليًا، كان التراب المائل إلى الصفرة يلتصق بين أصابعي، والسماء تبدو وكأنها كتلة مشغولة لا تكف عن التغير رغم هدوء النهار. لم يكن هناك ظل. ولا صوت غير زمجرة الريح. كانت الريح مختلفة هنا. ليست كالريح التي عرفتها في قريتي بين البساتين والنخيل، بل ريح مفتوحة، لا يعترض طريقها شيء. تأتي من بعيد وتستمر في السير كأن الأرض كلها ممر طويل لها. كنت أسمع صفيرها وهي تمر بين الحقول الفارغة، فأشعر أن المكان أوسع مما يجب. البيوت بدأت تظهر... بيت... ثم بعده مسافة طويلة حتى بيت آخر. كان كل منزل يقف وحده تقريبًا، كأنه جزيرة صغيرة وسط بحر من التراب. لم أكن معتادًا على ذلك. كأن كل عائلة هنا لا تريد أن تسمع أنفاس الأخرى. ثم بدأنا نلتف في طريق ترابي جانبي. في قضاء "الصواري" كانت البيوت أقرب، وكانت أصوات الناس تصل إلينا بسهولة. أما هنا فكل شيء متباعد. حتى الأصوات تبدو وكأنها تضيع في الطريق قبل أن تصل. ثم بدأ المشهد يتضح أكثر كلما تقدمت السيارة. نظرت إلى الجهة اليمنى. لم أرَ بساتين. ولم أرَ أشجارًا كثيرة. كانت الأرض منبسطة ومفتوحة على مد النظر، تتخللها آثار عجلات قديمة وطرق ترابية متفرقة لا أعرف إلى أين تنتهي. لا إسفلت. لاأرصفة. فقط أرض مفلوحة قديمًا. رأيت هياكل حجرية في أماكن متفرقة، ودوائر من حجارة كبيرة موضوعة بطريقة غريبة. لم أفهم وقتها ما هي، لكن الطفل داخلي حاول أن يمنحها تفسيرًا خاصًا به. كنت أتخيل أحيانًا أنها بقايا بيوت قديمة، وأحيانًا أخرى أظن أن أحدًا بدأ ببنائها ثم رحل قبل أن يكملها. أو أن فرسانًا سيجلسون حولها في الليل، أو أن شيئًا يحدث هناك حين لا يرانا أحد. حتى البيوت القليلة التي كانت تظهر من بعيد بدت مختلفة. كانت متباعدة جدًا. كل منها يبعد عن الآخر مئات الأمتار، كأن كل بيت لا يريد أن يقترب من الآخر. وكان كل بيت يعيش وحده تقريبًا، كأن الناس هنا تعودوا على المسافات. لم يكن هناك ذلك الشعور المألوف الذي أعرفه في قضاء "الصواري"، حيث الجار قريب من جاره، والأطفال يملؤون الأزقة طوال النهار. لهذا بدأت أشعر بشيء من الغرابة. ليس خوفًا حقيقيًا. بل ذلك الإحساس الذي يصيب الطفل حين يدخل عالمًا جديدًا بالكامل. سألت أخي وأنا أراقب المكان: "أين الناس؟" فضحك وقال: "موجودين... لكن البيوت متباعدة هنا." عدت أنظر من جديد عبر جانب السيارة. كانت الريح تحرك الأعشاب اليابسة فوق الأرض، وترفع دوامات صغيرة من الغبار ثم تتركها تتلاشى بعد أمتار قليلة. وكلما ابتعدنا أكثر عن الطريق الرئيسي شعرت أن العالم الذي أعرفه يبتعد خلفنا أكثر فأكثر. وأخيرًا انعطفت السيارة في طريق ترابي أضيق. نحو البيت الكبير ذو الطابقين. يقف وحده بعيدًا عن الطريق. كأنه نسي نفسه هناك. كما صخرة وحيدة تواجه الريح. قال أبي: "وصلنا." نظرت أمامي بسرعة. كنت أتوقع شيئًا يشبه بيتنا القديم. حديقة. أشجارًا. أصوات أطفال. أو حتى شارعًا يشبه الشارع الذي تركناه. لكنني لم أرَ شيئًا من ذلك. كان هناك بيت يقف وسط أرض واسعة، تحيط به مسافات فارغة من كل جهة تقريبًا. بدا أصغر مما تخيلت، وأكثر وحدة. لا شارع رئيسي بقربه. لا مصابيح تضيء الطريق. ولا بساتين كثيفة تحيط به. فقط التراب... والريح... والسماء. شعرت بشيء غريب يتحرك داخل صدري. كأن هذه الأرض ليست مجرد مكان للوصول إليها، لم يكن خوفًا. ولم يكن حزنًا. كان إحساسًا يصعب عليّ وصفه حتى الآن. كأن هذه الأرض تخفي شيئًا لا أعرفه بعد. وحين نزلنا من فوق سيارة النقل، وقفنا جميعًا ننظر حولنا. أمي. أبي. إخوتي. وأنا. لم يكن هناك شيء يشبه بيتنا القديم. في تلك اللحظة شعرت للمرة الأولى بالغربة الحقيقية. ليست غربة مدينة أو قرية. بل غربة المكان الذي لا يحمل أي ذكرى لك. كل شيء حولي كان جديدًا. الجدران. الأبواب. الأرض. الطريق. حتى الهواء بدا مختلفًا.كنت أنظر إلى البيت وأحاول أن أحبه. وأحاول أن أقنع نفسي بأنه بيتنا. لكن الأمر لم يكن يحدث بهذه السرعة. فالبيوت تحتاج وقتًا حتى تتحول إلى ذكريات. وتحتاج أصواتًا وضحكات ومشاجرات وأيامًا طويلة حتى تصبح جزءًا من أصحابها. أما في ذلك اليوم فكان مجرد بيت جديد وسط أرض واسعة لا أعرف عنها شيئًا. وكان ذلك أول درس تعلمته هنا في ناحية "الجوادين“: أن بعض الأماكن لا تستقبلك بالدفء من اللحظة الأولى... بل تجعلك تقف صامتًا، وتنتظر طويلًا حتى تفهمها. عن يمين البيت مباشرة، وقبل أن أرى البيت كله بوضوح، لفت انتباهي شيء آخر. كانت هناك بيتين قديمين تبدو مهجورة. جدرانها الإسمنتية عارية، والحديد يخرج من السقف كأصابع سوداء ممدودة نحو السماء. لم يكن فيها باب واضح، ولا نوافذ مكتملة، وكأن أحدًا بدأ بناءها ثم توقف فجأة وغادر إلى غير رجعة. وقفت أحدق فيها لثوانٍ طويلة. كانت ساكنة تمامًا. لكن منظرها لم يكن مريحًا لطفل في مثل عمري. أما إلى اليسار، وعلى مسافة ليست بعيدة، ربما خمسين مترًا أو أكثر بقليل، فكانت هناك مجموعة حجارة كبيرة موضوعة بشكل دائري. لم تكن دائرة مثالية تمامًا، لكنها بدت مقصودة. كانت الحجارة متقاربة من بعضها بطريقة جعلتها تبدو كأنها بقايا شيء قديم جدًا. ربما أساس بناء قديم، أو مكانًا كان الناس يجتمعون فيه منذ سنوات طويلة. بدت لي كموقع أثري قديم... أو كأنها مكان تُقام فيه طقوس سرية في الليل. كل ما شعرت به وقتها أنها غريبة. غريبة فقط. وكان هذا كافيًا ليجعلني أستمر بالنظر إليها كلما التفت نحوها. أما أمام بيتنا مباشرة، فكان أقرب جار يبعد عنا حوالي ثلاثمئة متر. بيت وحيد... ثم فراغ. كنت أُدير رأسي ببطء، أبحث عن شيء أعرفه... فلم أجد. حاولت أن أبحث بعيني عن شيء مألوف. أي شيء. شجرة. شارع. محل. مجموعة أطفال. حتى صوت راديو قادم من بيت قريب. لكنني لم أجد شيئًا. كان الصمت مختلفًا هنا. في "الصواري" كنت أسمع الناس طوال الوقت. صوت باب يفتح. طفل يبكي. امرأة تنادي أبناءها. أصوات الدجاج. أصوات السيارات. أما هنا فكانت الريح تحتل مكان كل تلك الأصوات. كلما هدأ الجميع سمعتها من جديد. تمر فوق الأرض. تمر بين البيوت. تمر قرب الجدران. وكأنها صاحبة المكان الحقيقية. شعرت لأول مرة أن الليل في هذا المكان سيكون مختلفًا. ولم أكن أعرف لماذا جاءتني هذه الفكرة. ربما لأن المسافات كانت واسعة أكثر من اللازم. وربما لأن البيوت غير المكتملة الواقفة قرب بيتنا بدت كأنها تراقب المكان بصمت. كنت أنظر إليها بين لحظة وأخرى. هيكل إسمنتي فارغ. نوافذ بلا زجاج. وأعمدة حديد خارجة من السقف. لم تكن مخيفة فعلًا. لكنها لم تكن مريحة أيضًا. وكان خيال طفل في عمري قادرًا على تحويل أي مكان مهجور إلى قصة كاملة. قال "وسام" بصوت صغير: "أين نحن؟" كان المكان واسعًا إلى درجة أنني لم أعد أسمع أصوات الناس كما اعتدت في قريتنا. لا أصوات أطفال يلعبون قرب الجدار، ولا أحاديث جيران تصل إلى داخل البيت، ولا ضحكات متداخلة من أكثر من منزل. فقط الريح. والفراغ. وصوت خطواتنا ونحن ننزل الأغراض من السيارة. وقفت التفت بعيني ببطء.