كان الشاب الأسمر يقف في زاوية باحة التدريب الخلفية المعزولة، وعلامات الإنهاك بادية على جسده وهو يلوح بالسيف الحديدي الثقيل في الهواء. كان يعلم في قرارة نفسه أن كل هذا العرق لا فائدة منه؛ فمهما تدرب، لن يصل إلى أي نتيجة حقيقية في قتال مباشر؛ لأنه ببساطة يمثل "الصفر المطلق" (0 نقطة طاقة) في عالم تحركه الهالات. توقف فجأة عن الحركة، وتصلب جسده عندما التقطت مسامعه صوت خطوات خفيفة تقترب منه بانتظام. التفت ببطء ليرى "أكي" تقف بزيها الجديد كخادمة في القصر، وقالت بنبرة يعلوها التهيب: — مرحباً سيدي البطل.. أنا آسفة جداً على الإزعاج، ولكن السيد ليون والسيد كايل يرغبان في حضورك إلى الورشة الملكية الآن. نظر الثالث إليها باهتمام وتدقيق، «تباً.. ماذا يريدان مني في هذا الوقت؟ هل يخططان لشيء جديد؟». وضع السيف أرضاً، وحافظ على قناعه الهادئ قائلًا: — أوه، مرحباً أكي.. كيف حال عملكِ الجديد ابتسمت أكي بارتياح وقالت: — أنا في أفضل أحوالني يا سيدي، وكل هذا بفضلكم.. شكراً لك. في الحقيقة، لم يكن الثالث يهتم برعايتها أو مشاعرها؛ بل كان يسعى فقط لفتح حديث معها ليفهم ما يخطط له البطلان؛ فبما أنها خادمتهم المقربة منذ مدة ولم تفارقهم، فلا بد أنها تلتقط بعض الأسرار والخطط. سألها بنبرة عفوية مصطنعة: — إذن.. أتعرفين لماذا يريدني البطلان في ورشتهما تحديداً؟ ردت أكي ببراءة: — يقول السيد ليون إن البطل كايل قد صنع شيئاً خاصاً من أجلك، ويريد منك رؤيته. أومأ برأسه: — حسناً.. قودي الطريق إذن. طوال الأشهر الماضية، كان روتينه ينقسم بين غرفته الباردة وباحة التدريب، لكنه كان يستغل بعض الليالي للتسلل بحذر شديد متجولاً في أروقة القلعة الشاسعة، ليرسم في عقله "خريطة تسمح له بالهروب يوماً ما. بينما كانت أكي تتقدمه بخطوات خفيفة وهو يتبعها بصمت، التفتت إليه فجأة وقالت بتردد: — بالمناسبة سيدي البطل.. أسفة على وقاحتي ، ولكن هل لي أن أعرف اسمك الحقيقي؟ لقد سألت السيد ليون وكايل ، لكنهما يتجنبان الأمر دائماً ويبدو أنهما لا يعرفانه أيضاً! ساد صمت قصير في الممر الحجري، قبل أن يجيب الثالث ببرود وجفاف: — لقد نسيته.. لذلك، ناديني بأي شيء تشائين، هذا لا يهم. نظرت إليه أكي بعمق، وظهرت مسحة من الحزن والشفقة في عينيها: — أوه.. هذا أمر مؤسف حقاً يا سيدي.. ولكن، عليك اختيار اسم جديد لنفسك هنا، فالاسم هو أول خطوة لتثبت وجودك في العالم. تنهد الثالث بضيق مكتوم: «لماذا يصر الجميع في هذا العالم المقزز على مسألة اختيار اسم؟ نحن نتخاطب ونتكلم بالفعل، فهل سيزيد الاسم أو ينقص من حقيقتي أي شيء؟!». توقفت أكي فجأة عن المشي، ونظرت إلى ملامحه الجادة، ثم انفجرت بالضحك بنبرة عذبة: — هههه، سيدي البطل.. أنت شخص مضحك وغريب الأطوار حقاً! حدق الثالث فيها بصمت، وأخذ يحلل تغير ملامحها؛ لم تعد خائفة ومذعورة كما كانت في الحانة، بل أصبحت تبتسم وتتحرك بأريحية. وتحولت عيناه نحو أعلى رأسها، حيث تبرز أذنا القطة الحمراوان وهما تتحركان مع ضحكتها، ولمح ذيلها من الخلف. وفي تلك اللحظة، شرد عقله تماماً وغرق في "تفكير علمي تشريحي": «أتساءل.. كيف هو الهيكل العظمي لجمجمتها؟ كيف تتصل قنوات الأذن العلوية هذه بالدماغ؟ وهل تمتلك فقرات إضافية في عمودها الفقري لتتحكم بالذيل؟ هذا مثير للاهتمام استغرق في التحديق الشاخص بها لثوانٍ طويلة، بينما بدا الأمر لأكي وكأنه غارق في تأمل جمالها والنظر إليها بإعجاب! شعرت الفتاة بالخجل الشديد، واحمرت وجنتاها، فوقفت بوقار مصطنع لتخفي ارتباكها، واستمرت في المشي السريع بينما تابع خطواته خلفها ببرود. خلف الأسوار الخلفية للقصر، كانت المنطقة أشبه بمدينة لوجستية مصغرة تحتوي على مخازن ومبانٍ عسكرية. توقفت أكي أمام مبنى ذي مدخنة ضخمة ينبعث منها حرار ووهج، وفتحت الباب قائلة: — مرحباً سيد ليون.. لقد أحضرته معي. دخل الثالث، وبدأت عيناه ترصدان وتراقبان المكان بمسح أمني شامل. كانت الورشة فسيحة للغاية، تتوسطها طاولة خشبية ضخمة مليئة بالمخططات الهندسيّة، وفي الزاوية فرن حدادة عملاق يتقد باللهب، بينما اصطفت طاولات مثبتة على طول الجدران الرخامية، امتلأت بأدوات ميكانيكية غريبة، وتروس، وأحجار بلورية مشعة تعرف على بعضها كبطاريات طاقة طُورت حديثاً. على إحدى الطاولات الجانبية، كان كايل يجلس بتركيز شديد، واضعاً عدسة مكبرة على عينه، وهو يثبت قطعاً معدنية دقيقة مع قطعة أخرى باستخدام أدوات صهر صغيرة. تقدم ليون بابتسامته المعهودة: — أوه! مرحباً بك يا رفيقي.. شكراً لكِ يا أكي على إحضاره. تفضلوا بالجلوس جميعاً. بمجرد دخولهم، أغلق ليون الباب . وفي تلك اللحظة، لمح الثالث شخصاً يقف بجانب الموقد المتأجج؛ كان رجلاً ضخم البنية من الأعلى، عريض المنكبين، ذو لحية بيضاء كثيفة.. لكنه قصير القامة للغاية بشكل لا يناسب ضخامته التالت كان أيضا قصير القامة بالكاد أطول من درون قليلا تفاجأ الثالث في سره: «قزم! التفت القزم درون، ونظر إلى البطل الثالث بحدة وتمعن، ثم تقرب بخطوات قصيرة وسريعة من طاولة كايل، وهمس له بصوت منخفض ومضطرب: — هيه.. يا فتى.. هل أنت متأكد أن هذا رفيقكم الثالث طبيعي وبخير؟ اللعنة.. إن نظرته تلك تخيفني وتجعل قشعريرة تسري في جسدي! نظر كايل نحو درون، ثم التفت إلى الثالث وانفجر ضاحكاً بهدوء: — ههههه! ربما تبدو نظراته غريبة بعض الشيء أيها العجوز درون، لكنه شخص لطيف وهادئ في الحقيقة، فلا تقلق منه. تحدث ليون بنبرة جادة غيرت الأجواء: — حسناً بما أننا اجتمعنا هنا بالكامل.. فقد أحضرناك لأن هناك أموراً يجب أن نتناقش فيها جلس الجميع على المقاعد الخشبية المحيطة بالطاولة الكبيرة. ساد صمت ثقيل لثوانٍ، انمحت فيه الضحكات، ليفتتح كايل الحوار بملامح صارمة وعينين حادتين: — اسمعوا جيداً.. من هذه اللحظة، أي حديث يدور داخل هذه الورشة هو سر ولا يجب لأي مخلوق خارج هذه الغرفة -وخصوصاً الإمبراطور وحاشيته- أن يعرف عنه ذرة واحدة! نظر الثالث إليه بغرابة وتشكك: «سر؟ عن الإمبراطور؟ هل بدأ هؤلاء المجانين بالتخطيط للانقلاب أم ماذا؟». تابع ليون الحديث، موجهاً نظره نحو الجميع: — ولكن قبل أن ندخل في التفاصيل.. سيد درون، أكي، وأنت يا رفيقي التالت.. هل أنتم مستعدون حقاً للمشاركة معنا في هذه الرحلة حتى النهاية؟ جميعكم هنا يعلم الجريمة التي اقترفها الإمبراطور يوليوس.. ارتسمت الكآبة والجدية المفرطة على وجه ليون الذهبي، وتابع بصوت يملؤه عبء الأبطال: — لقد قام باستدعائنا قبل الأوان بقرون بدافع الجشع العسكري، وبهذا التصرف الأناني كسر توازن الختم وحكم على هذا العالم بالدمار الشامل بعد 500 عام عندما يصل الملعون الثاني.. لذلك، نحن لم نعد نتدرب لخدمة تاجه ؛ بل اجتمعنا في هذه الورشة لنخطط سراً، ولنبحث عن طريقة نصلح بها الختم وننقذ هذا العالم وأجياله القادمة بعد 500 سنة! ساد صمت مطبق في الورشة، وبدا التأثر والولاء على وجه أكي ودرون.. لكن وسط هذا هدوء.. انشق الصمت فجأة عن صوت ضحكة ساخرة، خافتة . التفت الجميع نحو البطل الثالث، الذي كان يضع رجلاً فوق الأخرى، وشقت وجهه ابتسامة متهكمة وهو يقول بقهقهة باردة: — هههه.. بعد 500 سنة؟! تباً .. هل أنت متأكد فعلاً من بقاءك لكل هذه المدة الطويلة لتفكر في مصير العالم حينها؟!