أُقتيد الأبطال نحو القصر الإمبراطوري الشاهق، حيث خُصص لكل منهم جناح فاخر يعج بخدمٍ من الفتيات والجواري، وجُهّزت لهم ملابس حريرية مطرزة تتناسب مع ثقافة وهوية هذا العالم الجديد ومكانة الأبطال فيه. ولم تكد تمضي ساعات قليلة حتى صدرت الأوامر الإمبراطورية باستدعائهم إلى وليمة كبرى أُعدت على شرفهم، بحضور كبار النبلاء وقادة الجيش والشخصيات السياسية النافذة. خرج الشاب الأول من غرفته الفسيحة بخطى مترددة، تتبعه خادمة شابة تنظر إليه بمهابة وإعجاب، وقالت بصوت ناعم: — من هنا يا سيدي البطل.. الإمبراطور والضيوف في انتظارك. احمرّت وجنتا الشاب خجلاً من اللقب، وفرك مؤخرة رأسه بارتباك قائلًا: — لا داعي لمناداتي بالبطل.. ناديني فقط "ليون"، هذا هو الاسم الذي اخترته لنفسي هنا. وفيما هو يتحدث مع خادمته، انشق الرواق عن الشاب الثاني الذي خرج من جناحه بكبرياء وثقة. ألقى كايل نظرة فاحصة، دقيقة، ومحللة على رداء ليون وهالته المستكينة، ثم تقدم صوبه بخطى واسعة، راسمًا ابتسامة ودودة على محياه: — مرحباً.. هل يمكننا التحدث قليلاً بينما نسير؟ التفت إليه ليون بترحيب صادق: — مرحباً يا.. معذرة، ما الاسم الذي اخترته؟ رد الثاني بنبرة حادة واثقة: — نادني "كايل". — حسناً يا كايل، أنا ليون بالمناسبة. يبدو شكلك مختلفاً بعض الشيء.. من أي منطقة أنت في عالمنا الحقيقي؟ أجاب كايل وهو يراقب الممرات: — أنا من الشرق. اتسعت عينا ليون بدهشة: — غريب! أنا من أقصى الشمال.. كيف إذن نستطيع فهم لغة بعضنا البعض بهذه السهولة؟! في تلك اللحظة، أصابت الشابين لمحة من الإدراك المفاجئ؛ إنهما لا يتحدثان لغتهما الأم، بل يتحدثان لغة غريبة تماماً لم يتعلماها قط، ومع ذلك يتدفق اللسان بها ويفهمانها كأنها لغتهما الأصلية. صمت كايل لبرهة يحلل الأمر بمنطقه البارد، ثم قال: — ربما هذا تأثير جانبي آخر لطقس الاستدعاء.. لقد برمج عقولنا لنناسب هذا العالم. ساد الصمت بينهما للحظات، قطعه ليون بنبرة انخفضت فيها النبرة وامتزجت بالحزن: — كايل.. ما رأيك في ما قاله الإمبراطور يوليوس عن حماية مملكته؟ الأمر غريب وغير متوقع.. صحيح أننا نسينا أسماءنا، لكنني ما زلت أذكر عائلتي بدقة، أذكر تفاصيل حياتي وما كنت أفعله هناك.. ولا يمكنني العودة إليهم الآن. تنهد ليون، ثم اشتعلت في عينيه الواسعتين شرارة النبل الفطري وأكمل: — لكن.. علينا أن نبذل قصارى جهدنا في هذا العالم. أنا متأكد من أننا سنبلي حسناً، فنحن أبطال في النهاية، وهناك أرواح تعتمد علينا. اندهش كايل داخلياً من موقف ليون النقي؛ كان يبحث عن ثغرة أو طمع، فوجد أمامه كتلة من المثالية الأخلاقية. ابتسم كايل ابتسامة مبهمة وقال محفزاً إياه: — أنت محق تماماً.. يبدو أنني أنا من كنت قلقاً ومبالغاً في التفكير بلا سبب. رد ليون بابتسامة طيبة: — أنا كذلك خائف، ولكن علينا تجاوز الأمر. لنذهب الآن فالإمبراطور ينتظرنا.. بالمناسبة، كان معنا شخص ثالث في الساحة، أين هو؟ شحذ كايل نظراته وأجاب ببرود: — لا أعرف، لم أره منذ نهاية الفحص. يبدو أن حالته صعبة.. فالجهاز أظهر أنه لم يحصل على أي قدرة أو طاقة. تعاطف ليون فوراً وقال: — معك حق، حالته تدعو للقلق.. من الأفضل أن يساعد بعضنا بعضاً إن أردنا النجاة هنا. أومأ كايل برأسه في خبث مكتوم: — هذا بالضبط ما أردت مناقشته معك.. ولكن يبدو أنني قفزت للاستنتاجات مبكراً. لنلج القاعة. انفتحت الأبواب الخشبية الضخمة المرصعة بالذهب، لتدخل أقدامهما قاعة ملكية مرعبة في اتساعها، تضج بالحشود من رجال ونساء يرتدون أفخر الملابس المخملية والحريرية، وتتوسطها طاولات عملاقة امتدت عليها شتى أصناف الأطعمة والخمور واللحوم النادرة. ما إن خطوا خطوتين بالداخل، حتى انكبّ عليهم حشد من النبلاء والسياسيين كذباب جائع، وامتزجت الأصوات بلهفة وطمع: — سيدي البطل! كيف حالك؟ — سيدي البطل.. هل ستسحق أعداءنا وتنقذنا مثل سلفك العظيم؟ — سيدي البطل، هل تحتاج معدات سحرية أو جوارٍ؟ ما هو اسمك؟ دوى صوت الإمبراطور يوليوس الطاغي من عمق القاعة ليفض الزحام: — تراجعوا! إنكم تزعجون أبطالنا بأسئلتكم. السيد ليون، السيد كايل.. تفضلا بالدخول من هنا. أشار لهما الإمبراطور نحو غرفة اجتماعات ملكية ملحقة بالقاعة، تتوسطها طاولة مستديرة عليها مقاعد مخصصة، يجلس عليها قلة من كبار قادة الجيش والكهنة النافذين. توجهت النظرات السياسية الثقيلة نحو الشابين بمجرد دخولهما. جلس ليون وكايل في مقعديهما، وبدأ الجميع يتبادلون نظرات التقييم الصامتة. أراد ليون إظهار احترامه، فالتفت نحو الإمبراطور قائلاً بتهذيب: — نريد شكر الإمبراطور على هذا الاستقبال الحافل وهذه الوليمة. رد الإمبراطور بابتسامة دبلوماسية واسعة: — لا داعي للشكر، أنتم أبطالنا وأمل الإمبراطورية. في تلك الأثناء، كان كايل يمرر عينيه الحادتين على الجالسين، ولم يلمح أثراً لصديقهم الأسمر، فتوجه بالسؤال مباشرة وبنبرة فضولية: — أين الشخص الثالث الذي كان معنا في الكولسيوم؟ لماذا لم يحضر؟ تلاشت الابتسامة عن وجه الإمبراطور ليحل محلها برود سياسي جاف، وتنحنح قائلاً: — آه.. ذلك الفتى. لقد استدعينا كاهناً متخصصاً إضافياً ليحاول إيقاظ طاقته مجدداً في الجناح، ولكن.. لم يحدث شيء. يبدو حقاً أنه لا يملك ذرة طاقة واحدة في روحه، وهذه حالة نادرة ومثيرة للسخرية لم نسمع بها من قبل في تاريخ المعمورة. على أي حال لا تقلقوا بشأنه.. لقد قال إنه متعب للغاية وخلد إلى النوم. ثم اعتدل الإمبراطور في جلسته ليكمل بجدية: — غداً صباحاً سيبدأ تدريبكم الفعلي. سأعرفكم على أفضل المعلمين والقادة في المملكة ليكونوا مدربيكم الشخصيين، لتتعلموا كيفية صقل الطاقة وتوجيه مهاراتكم المقدسة والقتالية. لذلك.. استمتعوا بهذه الليلة واسترخوا. وفي تلك الليلة الذاتية.. وفي الجناح البعيد والمظلم أسفل أروقة القصر.. لم يكن البطل الثالث نائماً كما ادعى الإمبراطور. كان الفتى الأسمر يجلس على الأرض الباردة وحده، واضعاً رجلاً فوق الأخرى بجلسة متقاطعة متقوقعة على نفسها. لم يلمس الطعام الفاخر الموضوع أمامه، وكانت عيناه الغائرتان المحاطتان بالهالات السوداء تحدقان في السقف بنظرة سهو مطبقة، نابعة من عقل استسلم لانتظار الكارثة، محاولاً في صمته الموحش فك شفرة هذا الكابوس الذي وجد نفسه فيه.