أسطورة العهد والدنس: كيف دمرنا كل شيء

الفصل 4: إختراع

مع إشراقة شمس الصباح الجديد، كان القصر الإمبراطوري يضج بالحركة. خرج ليون وكايل إلى الساحة التدريبية الشاسعة الملحقة بالقصر، حيث كان في انتظارهما الفريق التوجيهي الذي عينه الإمبراطور بعناية لتشكيل قواهما: ​الفارس المخضرم "كنوت"، وهو رجل ذو جسد فولاذي صلب مكلل بالندوب، والمسؤول عن تدريبهما الجسدي وفنون القتال بالسيف. وبجانبه السيدة "سمارا"، وهي امرأة شابة فاتنة في مقتبل العمر، ذات عيون حذرة متقدة بالذكاء، أوكلت إليها مهمة تلقينهما تاريخ هذا العالم ، وجغرافيته السياسية، وتوازنات القوى بين الممالك. وأخيراً، رجل عجوز قصير القامة، بملامح حادة ولحية بيضاء كثيفة تدل على أنه من جنس "الأقزام" الشهير بالحدادة والهندسة، ويدعى "درون"، وقد استُدعي خصيصاً ليعلم كايل أسرار المعادن بحكم امتلاكه مهارة [الصانع الأول]. ​مرت الأيام والأسابيع في تدريب شاق ومتواصل. أظهر ليون خلالها قوة بدنية وقتالية غير طبيعية؛ فبالرغم من أن جسده البشري ما زالت له حدود مادية ترهقه، إلا أن طاقته الذهبية المقدسة كانت تتدفق خلف ضرباته كشلال لا ينضب، مما جعل الفارس كنوت يدرك أنه يدرب كياناً سيتجاوز حدود البشر قريباً. ​أما كايل، فقد كان معجزة حقيقية بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بدمج مهارته المقدسة [الصانع الأول] مع معرفته العلمية والتكنولوجية التي أحضرها من عالمه السابق، بدأ في ابتكار مخططات واختراعات تُعتبر في نظر سكان هذا العالم بمثابة "معجزات إلهية" أو تكنولوجيا خارقة سابقة لعصرها. كانت المشكلة الوحيدة التي تواجه كايل هي خزان طاقته المحدود (1000 نقطة)، حيث كانت طاقته تستنزف بسرعة كأنها تيار كهربائي ضئيل لا يكفي لتشغيل محركاته العملاقة. ​في ليلة من تلك الليالي، داخل الورشة الملكية المليئة بأدوات السباكة والبلورات، كان كايل يناقش خطته الأخيرة مع القزم درون. مد كايل ورقة جلدية مرسومة بدقة وقال: — سيد درون.. ما رأيك في هذا المخطط الهندسي؟ أنا أسميه "بطارية الطاقة الحيوية". ​أمسك القزم درون المخطط، وقرب العدسة المكبرة من عينيه وهو يحملق في التروس والدوائر السحرية المرسومة، ثم هز رأسه مقطباً حاجبيه: — التصميم عبقري يا فتى.. لكن ما فائدته عملياً؟ نحن في هذا العالم بالكاد نملك طاقة حيوية تكفي لأجسادنا للدفاع عن أنفسنا، فكيف سنضحي بطاقتنا لشحن هذا الشيء المعدني الأصم؟ من أين ستأتي بالطاقة الفائضة؟ ​انفجر كايل ضاحكاً بثقة ونبرة لعوبة: — ههههه! من حسن حظي، أيها العجوز، أنني أصادق شخصاً يملك طاقة لانهائية مطلقة، ولكنه لا يعرف كيف يوجهها أو يستفيد منها حتى الآن! ​اسودّ وجه القزم درون وتملكه الرعب، وهبط صوته إلى همس مضطرب: — أتقصد.. البطل ليون؟ يا لك من مجنون! أتريد سحب طاقة بطل مقدس وضخها في قطعة حديد؟ لا يجب عليك العبث بهذه الأمور! لوّح كايل بيده بلامبالاة قائلًا: — لا تقلق أيها العجوز.. إنه صديقي، وقد وافق على مساعدتي بملء إرادته. ​صمت القزم لبرهة وهو يتأمل جرأة هذا الشاب الأسود الشعر، ثم تنحنح وسأل بنبرة فضولية خافتة: — بمناسبة الحديث عن الأصدقاء.. ماذا عن البطل الثالث؟ ذلك الفتى الأخر لم يذكر اسمه لأحد حتى الآن، ولم أره يخرج من جناحه سوى بضع مرات خطفاً، وليس هناك أي معلومات عنه.. هل هو بخير؟ ​تنهد كايل ببرود، وأصلح ياقة قميصه قائلًا: — أممم.. كيف أصف لك الأمر؟ حسناً سأخبرك بسر، ولكن إياك أن ينطق به لسانك أمام أحد في القصر.. ذلك الفتى لا يملك ذرة طاقة واحدة في روحه. الجهاز لم يخطئ، هو حرفياً فارغ. ​اندهش القزم درون وصاح بصوت مكتوم: — هذا مستحيل! هذا منافٍ للطبيعة! حتى الحيوانات والوحوش تمتلك طاقة، فهي مصدر نبض الحياة والروح في هذا العالم! كيف يعيش إذن؟! رد كايل وهو ينظر إلى نماذج اختراعه: — أعلم أنها حالة غريبة وتثير الريبة.. لكن لا تقلق، بفضل اختراعي لهذه البطارية، سأغير قوانين هذا العالم؛ سأجعل حتى أولئك الذين لا يملكون طاقة قادرين على استخدامها وتخزينها وخوض المعارك! ​بعد مرور بضعة أيام من العمل المستمر وتطويع المعادن، أبصرت "البطارية" النور لأول مرة. في البداية، كانت الطاقة الذهبية المقدسة لليون قوية وجبارة لدرجة أنها تفجر الصفائح المعدنية وتتلف البطاريات فور شحنها. لكن كايل، بعبقريته المنطقية، أعاد تطوير الهيكل واستخدم سبائك أكثر تحملاً ومقاومة لطاقة الآلهة، حتى نجحا أخيراً في تحقيق أول إنجاز أسطوري مشترك لهما في هذا العالم الجديد. ​داخل الورشة الصامتة، كان كايل يمسك بأسطوانة معدنية منقوشة بخطوط زرقاء، تشع من داخلها نبضات ذهبية دافئة ومرعبة، وقال بنبرة لا تخلو من الذهول: — انظر إلى هذا يا ليون.. إنها بطارية مشحونة بالكامل بطاقتك المقدسة. أنا نفسي لا أصدق أن هذا الشيء بين يدي الآن! ​تقدم ليون وربت على كتف كايل بابتسامة فخورة ونقاء عهد ساد بينهما: — عمل مذهل يا كايل! ماذا عن الاختراع الآخر الذي أخبرتني عنه؟ هل جهزته؟ أومأ كايل برأسه، وعيناه تلمعان ببريق حاد: — أجل.. وبوجود هذه البطارية كمصدر وقود، سيكون هذا السلاح فتاكاً وخارجاً عن توقعات أي جنرال في هذه الإمبراطورية. والآن، نحتاج إلى تجربة كفاءته. ​نظر ليون نحو باب الورشة، وتذكر الفتى الثالث ، وقال بنبرة دافئة تملؤها الأخوّة الصادقة: — حسناً إذن.. لنذهب الآن للقاء رفيقنا الثالث المنعزل في جناحه. أنا متأكد من أنه سيحب الهدية التي صنعناها لأجله؛ فهي خطوته الأولى ليكون معنا! ​وفي ذات الوقت، في الجناح المظلم البعيد.. كان الفتى الأسمر يجلس في نفس وضعيتة، وأرجله متقاطعة، ونظرة السهو تجمدت على محياه.