أسطورة العهد والدنس: كيف دمرنا كل شيء

الفصل 5: سلاح جديد

أنهى البطل الثالث ساعات تدريبه اليومية القاسية؛ بالنسبة لفتى لا يمتلك ذرة طاقة واحدة في روحه، لم يكن التدريب الجسدي سوى نوع من التعذيب غير المباشر والممنهج لجسده الهزيل. ​عاد بخطى واهنة تعثرت أكثر من مرة إلى غرفته المنعزلة، والتي بدت أقرب بزنزانة من غرفة في أسفل أروقة القصر الإمبراطوري. فبعد أن حظر عليه الإمبراطور يوليوس الخروج إلى العلن أو إظهار وجهه أمام النبلاء حماية لسمعة "الأبطال"، باتت حياته محصورة بين تدريب نهار قاصٍ، ودراسة جغرافية جافة، وعزلة ليلية . ​جلس بهدوء كعادته، يحدق في السقف الكالح ويتساءل في نفسه عن جدوى وجوده. لم يبدُ عليه الحزن، ولم يذرف دموع الشفقة على حاله، بل بدا كأنه كيان مُجرد من العواطف البشرية، يراقب الموت ببرود. حدّث نفسه بنبرة ساخرة: «الحياة غريبة حقاً.. لم أكن أفعل شيئاً في عالمي السابق، وأتيت إلى هذا العالم الكابوسي لكي لا أفعل شيئاً أيضاً..» ​فجأة، انشق سكون الليل عن صوت همس حذر يقترب من خلف باب زنزانته: — هل هناك أحد بالحراسة؟ أجابه صوت مألوف: — لا، الرواق خالٍ تماماً.. أسرع. ​لم تكن الأصوات سوى لـ "ليون" و"كايل". انفتح الباب ببطء، فدلف الشابان بسرعة وأغلقا الباب خلفهما بإحكام. كانت الغرفة شاحبة، لا تحتوي سوى على سرير أرضي وفانوس زيتي منخفض الإضاءة يلقي ظلالاً مشوهة على الجدران. ​ظل الثالث جالساً في قرفصائه بالوسط، متجمداً بطريقته الغريبة، وبدا وجهه خالياً من أي مبالاة بقدومهما. التفت إليهما ببطء، وشقّت وجه الأسمر ابتسامة هادئة نافقة: — مرحباً.. ​خلال فترة التدريب الطويلة، لم يلتقِ الثلاثة إلا في بضع مرات خاطفة، ولم يستطيعوا الحديث مطولاً؛ أولاً بسبب رقابة الإمبراطور الصارمة الذي كان يتعمد إخفاء الثالث لعيبه ونقصه، وثانياً لأن شخصية الثالث الانطوائية والحذرة لم تكن تجيد التعامل مع البشر. ​تقدم ليون بخطوات حذرة وقال : — كنا نريد الحديث معك بشدة منذ زمن. ​نظر الثالث إليهما بنظرة عميقة، شاخصة ومبهمة. في داخله، كانت هناك رغبة طفولية حذرة للحديث مع بشر من نفس عالمه، لكن عقله الملتوي سرعان ما سحق تلك الرغبة مستعيضاً عنها بجدار من البارانويا: «لماذا هما هنا؟ في هذا الوقت المتأخر؟ ماذا لو كانت هذه مكيدة من الإمبراطور؟ ربما أرسلهما لتصفيتي بما أنني بلا فائدة قتالية، وألتهم طعام القصر مجاناً؟» ​قال بنبرة جافة وهو يشير للأرض: — اجلسا.. ​ثم تحولت عيناه الذابلتان بحدة نحو شيء طويل ثقيل كان يحمله كايل بين يديه، ملفوفاً بقماش كتاني سميك. في تلك اللحظة، بلغت شكوك الثالث ذروتها وتأكد أن الموت قد حان. ​جلس الشبان على السرير الأرضي، وبدأ ليون يتحدث بنبرة صادقة يملؤها الأسف: — اسمع.. نحن نأسف بشدة بشأن ما حدث لك في يوم الفحص.. يبدو أن هذا العالم ليس عادلاً دائماً مع الجميع. ​صمت ليون لبرهة، يراقب رد فعل صديقه الأسمر، لكن الثالث لم يرمش، ولم يصدر أي حركة، بل استمر في التحديق نحو الأسفل وهو يغرق في دوامة تفكيره المرعبة: «كيف يحاولان قتلي؟ كيف سأهرب؟ هناك حراس بالخارج.. هاهي نهايتي المحتومة، لن أستطيع النجاة أبداً.. كلاهما يملك طاقة مرعبة، وأنا مجرد جسد فانٍ لا يقارن بهما.. أفضل خيار الآن هو مجاراتهما بالحديث، التلاعب، وربما الكذب.. هذا المدعو كايل ذكي للغاية وسيكتشف أمري، وحتى هذا الليون النقي ليس سهلاً كما يبدو.. تباً!» ​أكمل ليون كلامه مقاطعاً حبل أفكار الثالث السوداوية: — ..ولكن لا تقلق! نحن لم ننسك قط، ونريد مساعدتك بكل قوتنا لتتخطى هذه الحالة وتدافع عن نفسك.. لذلك، أحضرنا لك شيئاً خاصاً! ​تغيرت نظرة الثالث فوراً، وتصلب جسده وهو يحدق في القطعة الملفوفة. تقدم كايل بابتسامة فخورة، وأزال القماش الكتاني ببطء، لينجلي الغبار عن سيف غريب الشكل، ميكانيكي التفاصيل؛ كان نصله رقيقاً وحاداً للغاية، بينما كان مقبضه عريضاً وضخماً يحتوي على تجاويف معدنية معقدة.. سلاح يبدو متناقضاً ومخيفاً في تصميمه. ​تحدث كايل وعيناه تلمعان بزهو المهندس: — هذا.. إنه أروع اختراعاتي على الإطلاق! هذا السيف يحتوي على البطارية المشحونة بطاقة ليون المقدسة.. بفضله، ستتمكن أنت -حتى بدون امتلاك طاقة- من إطلاق طاقة مقدسة مدمرة ! ما رأيك؟ هل تريد تجربته؟ ​حدق الثالث في السيف الميكانيكي، واشتعل عقله بالذعر: «سيف بطاقة مقدسة؟ هل هي مكيدة دنيئة ليقولوا أمام العامة أنني متّ خطأً أثناء التدريب؟ أو ربما جعلوني حقل تجارب لسلاحهم الجديد؟ تباً.. لم أظن أنهما ذكيان وخابثان بهذه الطريقة! ولكن.. مما هما خائفان؟ لماذا لا يقتلانني وحسب في الغرفة؟ آه.. بالطبع! بسبب الشعب والإشاعات، فالبطل في نظر الإمبراطورية شيء مقدس ولا يمكن تصفيته علناً دون مبرر!» ​نهض الثالث ببطء، وحافظ على قناعه البارد قائلًا: — حسناً.. لِمَ لا؟ لنخرجه للساحة. ​خرج الثلاثة متسللين تحت جنح الظلام إلى ساحة القصر الشاسعة. لكن خطتهم لم تكتمل؛ إذ رصدهم أحد حراس الليل الفطنين، وهرع فوراً لإبلاغ سيد القصر. ولم تكد تمر دقائق حتى حضر الإمبراطور يوليوس متوشحاً بردائه الملكي، وخلفه كبار قادته، وصرخ بصوت طاغٍ غاضب: — أنت! ألم أصدر لك أمراً صارماً بألا تخرج من جناحك أو تظهر وجهك في القصر؟! ​ثم التفت ورأى البطلين الآخرين يقفان بجانبه، فتغيرت نبرته فوراً إلى دبلوماسية مصطنعة: — آه.. معذرة يا أبطال، لكن هذا الفتى لا يملك ذرة طاقة، وخروجه في الليل قد يؤذيه ويؤذي سمعة المملكة. ​تحدث ليون بثبات وشجاعة مدافعاً عن صديقه: — لا تقلق أيها الإمبراطور، نحن من أخرجناه بملء إرادتنا.. نريد تجربة سلاح جديد اخترعه كايل خصيصاً لأجله. ​وجه الحاكم نظرته الثقيلة نحو الأسفل، فرأى السيف الميكانيكي الغريب والنصل الرقيق، وعقد حاجبيه بطمع: — ما هذا الشيء؟ ​تحدث كايل بفخر: — هذا ثمرة إنجازي المشترك مع ليون.. سلاح ميكانيكي سيمكّن أي شخص -حتى لو كان بلا طاقة- من إطلاق هالة مقدسة ذهبية! ​لم يكن كايل المدرك بمنطقه العلمي أنه اخترع للتو "سلاح دمار شامل" سيهز موازين القوى . وفهم الإمبراطور يوليوس، بذكائه السياسي الماكر، حجم المكاسب المرعبة التي بين يديه فوراً، فتغيرت نبرة صوته لتمتلئ بالطمع والجشع: — آه! حقاً؟! لو أخبرتني بهذا الإنجاز العظيم مسبقاً يا كايل، لوجدت لك شخصاً أكثر كفاءة ونخبة من الجنود ليستخدمه ! ​قاطعه كايل بصرامة : — لا.. أنا لم أصنعه للإمبراطورية، لقد صنعته له هو خصيصاً! بعد رحلتنا التدريبية ورؤيتنا للوحوش، أدركت أن البشر العاديين يواجهون الخطر بهالاتهم، لكنه هو لا يملك شيئاً ليحمي نفسه.. لذلك، هذا السلاح موجه لحمايته هو فقط. ​نظر الثالث إلى هذا الحوار الساخن، واعتصر الرعب أحشاءه: «مسرحية.. إنها مسرحية قذرة! يريدون قتلي بوجود شهود يشهدون أنني متّ نتيجة حادث مأساوي أثناء تجربة سلاح ميكانيكي فاشل! اللعنة.. لا يمكنني الهرب الآن.. هل أقول إنني لا أريد التجربة؟ تباً، هاهي فرصتي الوحيدة للنجاة.. لم يكن يجب أن أوافق منذ البداية وأخرج معهما، لقد وقعت ضحية طمعي وغبائي بمجرد سماعي بكلمة سلاح!» ​التفت ليون نحو الثالث بابتسامة مشجعة: — حسناً يا رفيقي.. هل أنت مستعد لتجربته وإطلاق قوتك الأولى؟ ​صمت الثالث لوهلة، وتجمدت ملامحه، ثم قال بنبرة حازمة وقاطعة: — أنا آسف.. ولكنني لا أريد تجربة هذا الشيء. ​اندهش البطلان؛ واتسعت عينا كايل بصدمة: — ماذا تقصد؟ لقد صنعناه لأجلك! لا تخف.. لقد راعيت في هندسته أنك لا تستخدم الطاقة الحيوية، وزنه خفيف للغاية ومع التدريب المستمر سيناسب بنيتك! ​صرخ الثالث في سره بجنون: «اللعنة عليك! إنه ذكي للغاية ويحاول إرغامي بشتى الطرق على الانتحار بالسيف! لكن تباً لكم، لن تستطيعوا إجباري!» ثم نطق بصوت بارد وحجة مقنعة ظاهرياً: — لا.. لن أجربه. أنا لست حقل تجارب، وأي خطأ بسيط في تفريغ هذه الطاقة المقدسة الضخمة داخل جسدي العادي قد يقتلني مباشرة في مكاني. ​احترم ليون وكايل رغبته وخوفه المنطقي؛ فحجته كانت عقلانية تماماً لجسد بلا طاقة. لكن الإمبراطور يوليوس، الذي كان يسيل لعابه طمعاً في رؤية السلاح الفتاك، استغل الموقف فوراً وقال بخبث: — حسناً، لا تقلقا يا أبطال.. لن يضيع جهدكما الهندسي سدى الليلة! ​ثم التفت ونادى بعينين قادتين على أحد حراس النخبة: — أنت! تقدم.. أنت من سيجرب هذا السلاح الآن. بما أنك متدرب مخضرم وطاقتك الحيوية المرتفعة [10,000 نقطة] تحميك، فلن يقتلك تفريغ السلاح إن حدث خطأ. ​تردد الحارس وتراجع خطوة للخلف برعب، لكنه علم أن عصيان أمر الإمبراطور يعني الموت المحتوم بالسيف أيضاً. تقدم وأخذ السيف الميكانيكي بيد مرتجفة، بينما شرح له كايل باختصار كيف يضغط على مقبض التشفير لتفريغ البطارية الكامنة. ​وقف الفارس بوضعية مستقيمة صلبة، وأطلق هالته الحمراء المتقدمة المقدرة بعشرة آلاف نقطة، ولوّح بالسيف في الهواء مرتين لإحساس وزنه.. وفي الضربة الثالثة، ضغط على المقبض! ​فجأة.. حدثت الكارثة! انفجرت من داخل السيف هالة ذهبية مقدسة عاتية وجبارة، تعارضت وتصادمت بعنفوان مرعب مع الهالة الحمراء الأصلية للفارس. حدث رفض ميكانيكي هائل بين الطاقتين، مما أدى إلى صعق الفارس وصرخه من شدة الألم الحارق، ليسقط السيف من يده أرضاً وهو يرتعد وعضلاته تتشنج. ​في تلك اللحظة.. التفت الثالث نحو البطلين ليون وكايل، ورمقهما بـ "نظرة حادة، ثاقبة، وقاتلة".. نظرة ترجمها عقل ليون وكايل فوراً وبصدمة على أنها: "لقد كنتُ محقاً.. لقد تنبأتُ بالخطر بذكائي المذهل وعلمتُ بخلل السلاح قبل أن ينفجر، ونظرتي لكم هي عتاب لأنكم كدتم تقتلونني بجهلكم!" ​بينما في الحقيقة، كان لسان حال الثالث يقول في رعب مطلق: «أرأيتم؟! لقد كانت مكيدة قتل حقاً! لقد تأكدت شكوكي بنسبة مئة بالمئة! تباً لكم يا لعناء ، كدتم تسحقون عظامي لولا حذري!» ​هرع كايل فوراً نحو السيف ليفهم الخلل الهندسي، وتبين لعقله المنطقي أن المشكلة تكمن في تضارب الهالات الحية؛ فالسلاح يضخ طاقة ذهبية، وإذا امتلك المستخدم هالة مغايرة (كالحمراء)، يحدث انفجار مرتد. أمسك كايل السيف بنفسه، وقرر إثبات كفاءة اختراعه؛ أطلق طاقته الزرقاء الحادة، ، تم كبحها وداورها داخل جسده بقوة وبشكل مغلق، ثم ضغط المقبض وأطلق طاقة السيف.. ​ونجح الأمر باكتساح! انفجرت الطاقة الذهبية المقدسة من النصل، وأحاطت بجسد كايل كشرنقة حارقة تعزز بنيته الجسدية وتمنحه قوة مرعبة، بينما ظلت طاقته الزرقاء الأصلية محفوظة داخل قنوات جسده بتوازن ميكانيكي مثالي. ​اتسعت عينا الإمبراطور يوليوس بابتسامة جشعة مرعبة؛ لقد أدرك أنه حصل الليلة على سلاح فتاك يستطيع منح قوة الآلهة لأي جندي يكبح طاقته، سلاح سيجعله يفوز بأي حرب غزو قادمة ضد الممالك الأخرى. ​تقدم ليون نحو الثالث، وأحنى رأسه بنبرة يملؤها الندم والأسف الشديد: — أنا آسف حقاً يا رفيقي.. لقد كدنا نؤذيك بجهلنا، لم نفكر أبداً في احتمال تعارض الطاقات وأن الأمر كان من الممكن أن يقتلك.. سامحنا. ​نظر الثالث إلى ليون، ثم رفع كتفيه ببرود وازدراء مصطنع كأنه يقبل الاعتذار ترفعاً، بينما تملكه زهد كامل بكل ما يحدث حوله. استدار ببطء وعاد نحو زنزانته المظلمة، وعقله يغلي بأفكار الهروب: «لقد نجوت من الموت لليوم بأعجوبة .. لكن هؤلاء المجانين لن يتوقفوا. عليّ أن أجد طريقة بأسرع وقت ممكن للهرب من هذا الجحيم والإمبراطورية قبل أن يبتكروا طريقة أخرى للتخلص مني!»