قبل أن ينغرس نصل السيف في عنق الفتاة المنهارة، دَوى في أرجاء الحانة صوت ارتطام حاد. طار كأس شراب خشبي ثقيل مستهدفاً رأس الرجل الأصلع مباشرة، لينكسر عليه متناثراً. توقف السيف في الهواء، والتفت الرجل الأصلع والشرر يتطاير من عينيه الجاحظتين، ليجد أمامه شابين غريبين يقفان بثبات، وقد سحب كل منهما سيفه في وجهه. زأر الرجل بغضب أعمى وعروق رقبته بارزة: — أأنتم أيها الحثالة تتجرأون على التدخل؟! لا بأس.. بضعة رؤوس إضافية الليلة ستكون كافية لتتعلموا الأدب! لمعت هالة كايل فجأة، وانتشرت في المكان بلهب أزرق حاد. بعد أسابيع من التدريب المتواصل، تضاعفت طاقته الحيوية لتصل إلى 1300 نقطة، وهو ما يضعه في مرتبة "فارس مبتدئ". نظر إليه الرجل الأصلع، وانفجر ضاحكاً بسخرية هزت الجدران: — هههههه! أتريد إخافتي بهذه الهالة الهزيلة والضعيفة يا فتى؟! وفي لمح البصر، أطلق الرجل الأصلع العنان لطاقته الخاصة؛ انبعثت منه هالة بنية داكنة، ثقيلة وقاتمة، بلغت قوتها 2000 نقطة، لتندفع في أرجاء الحانة كالموجة، ساحقة هالة كايل الزرقاء ومسببة ضغطاً خانقاً. ارتسم العبوس على وجه كايل، والتفت نحو ليون الذي كان يهم بالتقدم، وقال بنبرة قاطعة: — لا داعي للتدخل يا ليون.. سأتعامل مع هذا الوغد بمفردي! اندلع القتال الشرس؛ تقدم الرجل الأصلع بسرعة تتجاوز الحدود البشرية، وهبط بسيفه العريض الثقيل نحو رأس كايل كمقصلة موت. بتراجع خاطف تفادى كايل النصل بشعرة واحدة، لكن السيف كان يعود إليه بسرعة عبر طعنة مستقيمة. تجنبها كايل بأعجوبة، وقفز بخفة فوق طاولة خشبية قريبة. لم يمهله الرجل؛ إذ اندفع مجدداً وضرب الطاولة بسيفه، لتحطم القوة العضلية الخشب إلى شظايا متطايرة في الهواء. استغل كايل اللحظة الخاطفة وتشتت انتباه الرجل، فالتف حوله بسرعة جنونية، ووجّه سيفه نحو ساق الرجل الأصلع المكشوفة.. لكن حركة كايل بالسيف كانت بطيئة ومفتقرة للخبرة. لمح الرجل الأصلع الحركة بفضل خبرته القتالية، وبدلاً من تفادي السيف، دار بجسده ووجه ركلة عنيفة وهائلة مدعمة بطاقته البنية نحو صدر كايل، قاذفاً بجسده أمتاراً ليصطدم بقوة بالمدخنة الحجرية للحانة وسقط أرضاً. سعل كايل بقوة وشعر بألم حارق؛ فالضربة تسببت في كسر بأحد أضلاعه نتيجة الصدام العنيف بين الهالتين الزرقاء والبنية، والذي ارتد ضرره بالكامل نحو الجانب الأضعف.. نحو كايل. ضحك الرجل الأصلع وهو يتقدم متبختراً: — أنت لست سيئاً.. لكن إياك أن تتفاخر مجدداً أمام أسيادك! استل ليون سيفه بملامح مظلمة، وتقدم بخطوات وئيدة نحو الرجل لينتهي من هذه المهزلة بطاقته الطاغية، لكن كايل نهض بصعوبة، ومسح الدم عن فمه وصاح بعناد: — لا يا ليون! تراجع.. قلت لك سأتولى أمره بنفسي! توقف ليون بعد سماع هذا الإصرار وأعاد سيفه لغمده مراقباً بحذر. التفت كايل نحو الأصلع وشقت وجهه ابتسامة ساخرة: — أنت.. لم ترَ شيئاً بعد. بشكل مفاجئ، رمى كايل سيفه أرضاً بلامبالاة، وفتح حقيبته الجلدية ليخرج منها زوجاً من القفازات المعدنية الضخمة والغريبة، شبه ميكانيكية، تفوق حجم يديه بكثير. ارتداهما وبدأ يفكر بمنطقه العلمي: «حتى لو كانت طاقتي الحيوية ضعيفة، يمكنني تعويض الفارق بالتكنولوجيا والتخزين.. السيف لا يناسبني، لقد اكتشفت الليلة أنني فاشل في المبارزة، والقبضات هي الحل!» وقف كايل لمواجهة خصمه مجدداً. حدق الرجل الأصلع بحدة وريبة في السلاح الجديد، وفي ذات الوقت، حاول الفرسان الحراس المرافقون للأبطال التدخل لإنهاء الفوضى، لكن ليون وقف أمامهم ومنعهم بحزم لإعطاء رفيقه فرصته. عمت الحانة فوضى عارمة، ووقف الزبائن يشاهدون العرض بذهول، بل إن بعض المجانين والسكارى بدأوا يضعون مراهنات مالية على الفائز! أخذ كايل شهيقاً عميقاً، وضغط على مفتاح التشفير داخل قفازاته الفولاذية.. وفجأة، تحول كل شيء! تغير لون هالة كايل من الأزرق البارد إلى الذهبي النقي الساطع. ولمع ضوء أصفر مقدّس وجبار في أرجاء الحانة، لدرجة أن الفوانيس كادت تنطفئ أمام نوره. اندهش الرجل الأصلع، وتراجع خطوة للخلف وهو يشعر برعب غريزي ينهش روحه: «طاقة مقدسة؟! طاقة الآلهة؟!» ومع زفير كايل، تحرك بسرعة إعصارية جنونية خارقة للطبيعة. ظهر فجأة بجانب الرجل الأصلع، الذي كانت ردة فعله أبطأ بكثير من سرعة كايل الحالية المدعمة بطاقة ليون المخزنة. بام! وجه كايل لكمة حديدية مرعبة لخاصرة الرجل، ثم التف بسرعة البرق إلى الجانب الآخر ووجه لكمة مدمرة أخرى لوجهه. انتهى الأمر. سقط الرجل الأصلع الضخم جثة هامدة فاقداً للوعي في مكانه.. كل هذا القتال العنيف والدمار حدث في ثانية واحدة فقط! هذا هو الفرق الشاسع والمطلق بين الطاقة الحيوية العادية والطاقة المقدسة للآلهة. لكن في نفس اللحظة، سقط كايل على ركبتيه بتعب شديد؛ فجسده البشري لم يتحمل الضغط الهائل للطاقة المقدسة، ناهيك عن الكسر الذي تعرض له سابقاً. ركض ليون فوراً نحوه ليساعده على الوقوف، بينما توجه الفرسان الحراس نحو الرجل الأصلع المقيد؛ فحتى لو استيقظ هذا الوغد، لن يرى النور مجدداً، فقد عبث مع أبطال الإمبراطورية، وكل ما حدث سيصل إلى مسامع الإمبراطور يوليوس قريباً. في خضم تلك الفوضى العارمة والدمار داخل الحانة.. لم يكن البطل الثالث متواجداً لمشاهدة النصر. بمجرد أن اصطدم الكأس برأس الرجل واشتعل القتال، طبّق الثالث خطته إستغل الوضع اندفع نحو الفتاة المستغيثة الملقاة على الأرض، وأمسك بيدها الارتجافية بقوة وجرها خارجاً من باب الحانة الخلفي مستغلاً انشغال الجميع بالمراهنات والقتال. كان يركض بها مسرعاً في الأزقة الملتوية للمدينة، يلتف يميناً ويساراً ويغير اتجاهاته بذكاء وحذر لقطع أي أثر للملاحقة. بعد مسافة طويلة، تملكهما التعب، فتوقفا في زاوية زقاق مهجور لالتقاط الأنفاس. نظرت إليه الفتاة بعيون واسعة ممتنة، بينما أخذ الثالث يمرر عينيه عليها يقيمها . كانت فتاة تبدو أكبر منه سناً، ربما في الخامسة والعشرين من عمرها، لكن ملامحها لم تكن بشرية بالكامل؛ كانت تمتلك أذنين ناعمتين كآذان القطط أعلى رأسها، ومع تدقيق النظر، لمح ذيلاً يتحرك باضطراب خلف ثيابها الرثة.. وشعرها كان أحمر قاني كاللهب. تحدثت الفتاة وهي تحاول استجماع أنفاسها بنبرة متقطعة: — شكراً لك.. شكراً لك يا سيدي.. لقد أنقذت حياتي من موت محقق، أنا مدينة لك بوجودي. صمت الثالث قليلاً، ونضر نحوها بي طريقة غريبة قائلًا: — أنتِ.. من جنس أشباه الوحوش، صحيح؟ نظرت الفتاة بحياء وخوف نحو الأرض وأومأت برأسها: — نعم.. أنا كذلك. سألها مباشرة وبلا مقدمات عاطفية: — إذن ما الذي حدث؟ لماذا أراد ذلك الرجل الضخم قطع رأسك علناً في الحانة؟ صمتت الفتاة، وارتسمت على محياها علامات الحزن الشديد وعدم الرغبة في نبش الماضي. فهم الثالث ذلك فوراً، لكنه لم يكن يملك ترف الوقت لعواطفها؛ فهذه كانت فرصته الذهبية للهروب من رقابة الإمبراطور والأبطال، لكنه يحتاج إلى خطة نجاة في هذا العالم المتوحش، فالهروب العشوائي وحده يعني الموت. تحدثت الفتاة في سرها وهي تنظر إلى ملامحه الهادئة: «هذا الشاب عرّض حياته للخطر لإنقاذي.. على أقل تقدير، هو يستحق أن يعرف الحقيقة السيئة وراء مطاردتي.» تنحنحت وقالت بصوت مكسور: — ذلك الرجل الأصلع.. إنه اليد اليمنى لأكبر تاجر عبيد في هذه المنطقة. قبل عام من الآن، اضطررت لاقتراض مبلغ ضخم من المال منهم لإنقاذ أخي الأصغر من مرض عضال أصابه.. لكنه توفي في النهاية رغماً عن كل شيء. وطالبني تاجر العبيد بإعادة المال مع فوائد خيالية وغير معقولة وفي وقت محدد وقصير جداً.. وإن لم أفعل، سيأخذني كـ "عبدة" ويبيعني في سوق لتسديد الدين. واليوم، جاء رجله لتنفيذ الأمر.. وكنت أحاول الهرب منه، لذلك أراد قتلي لأنني خدعته.. في تلك اللحظة، تجمد الثالث في مكانه، وأخذ يعيد تقييم الوضع هندسياً ولوجستياً في عقله، وسرعان ما بدأ يلعن حظه العاثر في سره بجنون: «للعنة! اللعنة على هذا الحظ النتن! لا يمكنني استخدام هذه الفتاة لمساعدتي في الهروب.. إنها بنفسها مطاردة ومطلوبة لتاجر عبيد نافذ! والهروب معها في هذا العالم المليء بالوحوش وبلا طاقة يعني موتي المحتوم ! تباً لي.. حلي الوحيد الآن هو العودة فوراً مع رفيقيّ المجنونين، وتجنب محاولاتهما لتصفيتي والتمسك بهما حتى تظهر فرصة هروب حقيقية وأكثر أماناً.. تباً، ماذا فعلت في حياتي ليحدث لي كل هذا الجحيم ؟! !» أخفى إحباطه خلف قناعه البارد، والتفت نحو الفتاة قائلاً بنبرة جافة غريبة فاجأتها: — حسناً.. يمكنكِ الهرب الآن والاختباء في أي مكان. أنا متأكد من أن رفاقي في الحانة قد تعاملوا مع ذلك الرجل الأصلع ولن يلاحقكِ الليلة.. ساد صمت غريب في الزقاق، ثم أردف الثالث ببرود وهو يستدير للمغادرة: — وداعاً.. التف عائداً بظهره نحو طريق الحانة ليقنع ليون وكايل بأنه "ضل الطريق" أثناء ملاحقة الخاطف، لكن الفتاة خطت خطوة نحوه، وقالت بصوت مرتجف يملؤه التردد والأمل الأخير: — انتظر.. أرجوك يا سيدي! أنا آسفة حقاً.. ولكن، هل يمكنني أن أطلب منك خدمة ؟