في زاوية الحانة المدمّرة، ساعد ليون صديقه كايل على النهوض بعد أن تسببت الطاقة المقدسة في إنهاك جسده. أخرج ليون ترياقاً صغيراً وتناوله كايل، لتبدأ حالته الجسدية في التحسن تدريجياً ويهدأ ألم أضلاعه. التفت كايل برأسه يمنة ويسرة وسط حطام الحانة، يفتش بعينيه القلقتين عن رفيقهما الأسمر. انتابه شعور سيء، فوقف بسرعة رغم أوجاعه وبدأ يبحث في الزوايا.. لكن لم يكن هناك أي أثر للبطل الثالث. هرع الشابان إلى الخارج، وما إن وطئت أقدامهما عتبة الحانة حتى لمحا الثالث قادماً من بعيد وتلك الفتاة ذات الشعر الأحمر تسير خلفه توجه ليون إليه مسرعاً ونبرته يملؤها القلق الفطري: — أوه! أين ذهبت يا صاح؟ لقد قلقت كثيراً من أن مكروهاً قد أصابك في هذه الفوضى! نظر الثالث إلى ليون بنظرته الخالية من أي مشاعر، ثم ألبس وجهه قناع الابتسامة المزيفة وقال بهدوء: — آه.. لا تقلق. لقد أخرجت الفتاة من الحانة فقط حتى تهنأ الأجواء وتتفرغا لحل المشكلة دون عوائق. قاطعه كايل من خلف ليون وهو يعرج متكئاً على كتفه، وعلامات العبوس على وجهه: — وهل كان عليك ضرب ذلك الضخم بكوب الشراب أولاً؟! كان بإمكاننا حل الأمر سلمياً ومنطقياً دون قتال ! نظرت الفتاة ذات الأذنين والذيل نحو ليون بفزع ممزوج باحترام شديد، ثم تحولت نظرتها إلى كايل باهتمام وامتنان. تقدم ليون نحوها بابتسامته الواثقة قائلًا: — مرحباً بكِ.. أنا ليون، وهذا كايل، وهذا... — توقف ليون ونظف حنجرته بذكاء قبل أن ينطق بكلمة بطل — ..لا تقلقي، لقد تكفل كايل بأمر ذلك الرجل بالداخل ولن يجرؤ على ملاحقتكِ. انحنت الفتاة انحناءة بسيطة يملؤها الحياء والارتجاف وقالت بصوت متهدج: — شكراً لكم.. شكراً لكم على مساعدتي، أنا مدينة لكم بحياتي. لوّح ليون بيده بلامبالاة طيبة: — أوه، لا بأس، هذا واجبنا.. فنحن أبـ... — تذكر الحراس فنظف حنجرته مجدداً وصمت. هنا، تدخل الثالث بنبرته الجافة، محركاً عينيه بأسلوب غريب ومرن، كأنه يملك كرتين تدوران في محجريهما أو يتحدث بهما دون كلام، قائلًا: — إنها تقول بأنها تحتاج إلى مساعدة. قبل دقائق.. في الزقاق المظلم: قبل أن يعود الثالث بالفتاة إلى الحانة، استوقفته قائلة برعب: — هل يمكنني أن أطلب منك خدمة يا سيدي؟ نظر إليها الثالث بتلك الطريقة الغريبة؛ عينان تتحركان بحذر لتقييم المحيط. تابعت الفتاة بتوسل: — سيدي.. من ثيابك وهيئتك تبدو وكأنك نبيل ذو شأن. ما رأيك أن تتخذني خادمة شخصية عندك؟ سأعمل لديك بجد لمد سنتين كاملتين دون مقابل، فقط لأسدد لك دين إنقاذي! استغرب الثالث في سره، وسخر من استنتاجها: «أنا نبيل؟ ههههه! يبدو أن ملابس القصر الفاخرة قد خدعتكِ!»، لكن عقله الالتوائي وجدها فرصة لإبعاد الشبهات عنه ورمي الحمل على البطلين، فقال بنبرة جافة: — آسف لقول هذا.. لكنني لست نبيلاً، ولا أملك حتى منزلاً. ولكن.. الشخصان اللذان معي بالداخل يملكان نفوذاً أكبر، يمكنكِ سؤالهما وربما يساعدانكِ إن كنتِ ترغبين في الاختباء أو الهرب من تجار العبيد. بالعودة إلى الحاضر: حكت الفتاة قصتها الأليمة لليون وكايل في طريق عودتهم للعربة. تأثر الشابان بشدة من حجم الظلم الذي تعرضت له، وتحدث ليون بنبرة حزينة: — الحياة في هذا العالم صعبة وقاسية حقاً.. بالمناسبة، أنتِ من عرق أشباه الوحوش ، لم أرَ أحداً من عرقكم من قبل، لم أسمع عنكم إلا في كتب التاريخ بداخل القصر. ارتسمت مسحة حزن عميقة على وجه الفتاة، وهبطت أذناها القطبيتان لأسفل وهي تقول: — أجل يا سيدي.. كنا عرقاً منتشراً ومزدهراً في أرجاء العالم سابقاً. ولكن قبل قرنين من الزمن، قاد الإمبراطور الأسبق حرباً شعواء وضارية ضد شعبي بسبب خلاف سياسي . تمت مطاردتنا، وقتلنا بلا رحمة، واستعباد عائلاتنا. وحتى عندما تولى الإمبراطور الراحل الحكم ومنحنا بعض الحقوق الطفيفة، كان جنسنا قد تقلص وتلاشى بالفعل.. وما زلنا حتى اليوم مكروهين ونُعامل كعبيد في نظر البشر. أطرق ليون رأسه بآسف: — أنا آسف حقاً لأنني نبشت هذا الماضي المؤلم.. ساد صمت ثقيل بين المجموعة في العربة، ليرفعه ليون بسؤال لطيف: — ما هو اسمكِ إذن؟ أجابت بخفوت: — اسمي هو "أكي". ابتسم ليون بنقاء: — حسناً يا أكي.. استعدي لترافقينا إلى القصر، لن يجرؤ أحد على مسّكِ بسوء هناك. ساد الصمت مجدداً داخل العربة المهتزة، لكن "أكي" كانت تحدق في ليون بنظرات غريبة ومضطربة، حتى قطعت الصمت قائلة بنبرة حذرة: — معذرة.. سيد ليون، لكن يجب أن أسألك سؤالاً غريباً.. قد لا يرى البشر العاديون هذا الأمر، ولكننا كعرق أشباه وحوش نتمتع بحواس غريزية فائقة وقوية للغاية.. أنا أستشعر وجودك الآن، طاقتك ليست طبيعية.. إنها فوق الجميع، وجودك يشع بهالة مهيبة.. هل أنت.. كيان مقدس؟ انفجر ليون ضاحكاً بحرج ولطف: — أوه! ههههه.. يبدو أنكِ كشفتِ أمري بسرعة! ثم اقترب من أذنها وهمس بنبرة سرية: — بالمناسبة.. نحن الأبطال المستدعون الذين يتحدث عنهم الجميع والذين أحضرهم الإمبراطور من عالم آخر. توسعت عينا أكي بصدمة ورعب مطلق، واهتز جسدها بالكامل قبل أن تنحني هذه المرة انحناءة أعمق بكثير، تكاد جبهتها تلمس خشب العربة، وصاحت بولاء أعمى: — أكي.. تحيي الأبطال المقدسين! تدخل ليون بسرعة وارتباك ماداً يديه ليوقفها: — لا داعي لكل هذا الرسميات أرجوكِ! كما أن هذا الأمر سر عسكري خطير داخل الإمبراطورية، إياكِ أن تخبري به أحداً! بعد عودتهم إلى القصر الإمبراطوري الشاهق، وبسبب حاجة ليون إلى خادمة تعتني بمتطلبات تدريبه الشاق وضخام طاقته، أصدر الإمبراطور يوليوس أمراً بتعيين "أكي" كمساعدة خاصة للبطل ليون. مرت الأيام والأسابيع في روتين قاصٍ. وفي أحد الأيام، بينما كان ليون يتدرب في ساحة القصر تحت أشعة الشمس الحارقة، كانت أكي تقف بجانب الأعمدة الرخامية تراقبه بذهول. كانت هالته الذهبية تتألق في مستوى مرعب وخارج عن المنطق الكوني، وحتى طريقة استيعاب جسده البشري لتلك الطاقة تحسنت وتطورت بشكل مذهل مع كل ضربة سيف. حدثت أكي نفسها بمرارة وحزن وهي تراه يتفوق على نفسه: «يا لِلأسف الشديد.. كل هذه العظمة، وكل هذا النقاء..» توقف ليون عن لوح السيف فجأة، ولمح تلك النظرة الحزينة المنكسرة في عينيها. مسح عرقه وتقدم نحوها قائلًا: — إذن.. ما الذي يحزنكِ يا أكي؟ أرى في عينيكِ غصة. ارتبكت ونكست رأسها: — آسفة سيد ليون.. إنه لا شيء، مجرد أفكار عابرة. توقف ليون لثوانٍ، وتغيرت ملامحه الفخورة لتصبح أكثر جدية وهبوطاً، وقال بصوت خافت: — هذا غريب.. لقد لاحظت هذا النوع بالذات من النظرات الحزينة والمشفقة في عيون الكثير من الفرسان والقادة الكبار عندما يرون تدجيج هالتي الذهبية.. هل رؤية قوتي تجلب لكم البؤس والتشاؤم؟ تصلب جسد أكي وصاحت برعب: — لا! لا.. ليس الأمر كذلك بل... — ثم توقفت وعضت شفتها السفلى بخوف. ألح ليون بنبرة دافئة: — بل ماذا يا أكي؟ تحدثي براحة، أنا صديقكِ. قالت بصوت يرتجف من وطأة الحقيقة: — آسفة سيد ليون.. هذا شيء لا يجب على خادمة مثلي أن تنطق به.. ولكن.. الجميع يشعر بالحزن والشفقة لأن.. لأن وجودكم هنا يعني أن هذا العالم سيتم تدميره وسحقه قريباً! ليس الأمر خطأك، وليس بسبب شر فيك.. لكن الأمر مرتبط بوجودكم كأبطال مستدعين في غير وقتكم! ارتسمت ملامح سهو وجمود على وجه ليون، ونظر إلى الأفق البعيد حيث الشمال المحظور، ثم تنهد براحة مريرة وقال: — آه.. فهمت. إذن أنتِ تقصدين قصة الأبطال والملعون الأول. ، بينما تابع ليون بصوت هادئ وثابت: — وصية البطل السابق كانت واضحة؛ الملعون الأول كان سيموت ويقضى عليه تماماً بعد 500 عام فور استنزاف طاقته المحبوسة في الختم، ليأتي مكانه ملعون ثانٍ ويستدعى له الأبطال كدورة طبيعية.. لكن الإمبراطور الحالي لم يطبق الوصية، واستعجل الاستدعاء بدافع الطمع العسكري، وكسر الختم قبل أوانه.. وهكذا حكم على عالمكم بالدمار الشامل نتيجة عدم وجود من يواجه الملعون التاني . استجمعت أكي شتات نفسها وسألته بذهول: — أنت.. أنت تعرف كل هذا؟! كنت تدرك هذه الحقيقة التفت إليها ليون، ولمعت عيناه الذهبيتان ببريق مرعب وثبات لا يتزعزع، وقال بابتسامه الأبطال الحقيقيين: — أجل.. لقد أدركت ذلك . ولكن لا تقلقي.. لن أسمح لهذا العالم بأن يُدمر. سأحاول إيجاد ثغرة، وسأبحث عن طريقة لإصلاح هذا الختم وسحق الملعون.. حتى لو كلفني ذلك العيش والقتال لمدة 500 عام كاملة!