حقوق النشر © د. محمد جمال جميع الحقوق محفوظة هذا العمل أصلي ومحفوظ الحقوق، ولا يجوز إعادة نشره أو استخدامه دون إذن من صاحبه. الطبعة الأولى — 2026 --- ❄️ مِنْ أَرْشِيفِ الشِّتَاءِ 🤍📖 𝑫𝒓. 𝑴𝒐𝒉𝒂𝒎𝒆𝒅 𝑮𝒂𝒎𝒂𝒍 ───── ◇ ───── المخطوط الأول — 2026
📖 الفصل الأول: حِينَ يَبْدَأُ العَدُّ 🤍
مات أبي مرتين في تلك الليله.
مرةً حين اخترقه السيف، ومرةً حين عرفتُ أن اليد التي قتلته كانت تمسح على شعري كل مساء. حين سقط، لم أصرخ. انتظرتُ أن ينهض. كان أبي يفعل ذلك دائمًا؛ يسقط، ثم ينهض، ينفض الغبار عن ثيابه، وينظر إليّ كأن شيئًا لم يحدث. انتظرتُ أن يقول:
— تعال.
لكنه لم يقلها. ظلَّ مكانه. والدم بدأ يتحرك من تحته. تراجعتُ حين بلغ حذائي. لم أعرف لماذا أخاف منه. كنت أعرف الأحمر في الرايات، وفي الفاكهة، وفي جمر الموقد. لكن هذا الأحمر لم يكن لونًا أعرفه. كان يخرج من أبي. رفعتُ عيني. القاتل واقف. السيف في يده.
واليد... عرفتها.
عرفتُ أصابعها، وطريقة قبضتها، وحتى صوت خطوها حين تقترب من بابي ليلًا. كانت اليد نفسها ترفعني حين أسقط، وتفتح لي الباب في الصباح، وتمسح على شعري حين يغلبني النوم. والآن كانت تحمل سيفًا يقطر من أبي. لم أفهم.
كنتُ في الخامسة. وكان عالمي صغيرًا بما يكفي لأصدق أن أبي لا يموت، وأن بيتنا لا يحترق، وأن اليد التي أعرفها لا تؤذي من تحب. في تلك الليلة، كذبت الأشياء الثلاثة.
التفتُّ. النار كانت قد وصلت إلى الستائر. الدخان يملأ الممرات. أبواب تُخلع. حديد يصطدم بحديد. وخطوات غريبة تركض في البيت كأن أصحابها يعرفونه أكثر منا. ثم سقطت رايتنا. تعلقت بطرف البرج لحظة، قاومت النار، ثم اشتعلت. راقبتها وهي تهوي. لم أكن أعرف ماذا تعني الراية. لكنني كنت أعرف أنها كانت فوقنا دائمًا. وحين اختفت في النار، شعرتُ أن شيئًا آخر اختفى معها. اقتربتُ من القاتل. نظرتُ إليه. قلت:
— ابي...
لم يجب. رفع عينيه إليّ. التقت عينانا. لم أرَ غضبًا. ولم أرَ رحمة. رأيتُ شيئًا لم أفهمه. شيئًا يشبه رجلًا اكتشف، متأخرًا جدًا، أن ما جاء ليقتله كان آخر شيء يريد خسارته. ارتجفت يده. مرة واحدة. ثم سكنت. وسكن معها كل شيء. من آخر القاعة جاء صوت امرأة. لم أرَ وجهها. لكنني عرفت الصوت.
كانت امي! كانت تناديني وتقول: — تعال.
ركضت. خطوة. خطوتان. ثم توقفت الدنيا. يدٌ أمسكت بي من الخلف. صرختُ وحاولت الإفلات.
— دعني!
لكن اليد لم تتركني، بل أحكمت قبضتها عليّ كلما حاولتُ الإفلات. استدرتُ. رجل لا أعرفه. درعٌ أثقله الدم، وأنفاسٌ متقطعة، وعينان لا تنظران إليّ كطفل فقط. نظر إليّ طويلًا. ثم قال:
— لا تنظر خلفك.
فنظرت. طبعًا نظرت. رأيت القصر مشتعلًا. الخيول تجري بلا فرسان. النوافذ تضيء بالنار. والدخان يصعد فوق الأسوار حتى خُيّل إليّ أن السماء نفسها تبتعد عنا. وفي قلب الخراب... كان هناك شخص واحد واقف. لم يركض. لم يحاول النجاة. كان ينظر إلى النار. فقط. كأن احتراق القصر لم يكن كارثة بالنسبة إليه. كأنها كانت نهاية شيءٍ انتظرها طويلًا. لم أعرف من يكون. لكنني حين رأيت وجهه، شعرتُ بشيء لم أعرف له اسمًا يومها.
كرهته.
ولم أعرف لماذا. شدني الرجل بعيدًا. ومع كل خطوة، كان البيت يختفي خلف الأشجار. النار تصغر. الصراخ يبتعد. والعالم الذي عرفته يتكسر خلفي دون أن أفهم أنه يتكسر. سألته وأنا ألهث:
— من انت؟
لم يجب. ظل يمضي. حتى غاب آخر خيط من الدخان خلف الأشجار. عندها فقط قال:
— أرثان.
ثم صمت. لم أسأله إلى أين يأخذني. كنت ألتفت خلفي كلما ابتعدنا، حتى لم يعد هناك شيء أراه. ظللت أقول لنفسي إنني نجوت. نجوت. حتى صدقتُها. ثم جاءت الضربة. لم أرَ من ضربني. لم أشعر إلا بالأرض وهي تقترب، والظلام وهو يبتلع كل شيء. وحين فتحتُ عيني... لم أعرف أين أنا. لم أعرف أين أبي. ولا أمي. ولا القصر. حتى اسمي... لم أتذكره. لم يبقَ من تلك الليلة إلا صور متقطعة: سيف يقطر. راية تحترق. وجه لا يندم. ويد كنت أعرفها. ومنذ ذلك اليوم، كلما أغمضت عيني... عادت النار. وعاد ذلك السؤال. كنتُ أظن أنني نجوت.
لكنني لم أكن أعرف بعد... ممّن.
لم يكن آدم يعرف متى بدأ الحلم، لكنه تذكّر النار. قصرٌ يحترق، وصوت حديد يتردد في مكان بعيد، وشخص يقف وسط الخراب، يحدق في النار دون أن يتحرك. حاول أن يرى وجهه، لكن ملامحه ظلت غارقة في اللهب، وكلما اقتربت الصورة منه تراجعت أكثر، حتى لم يبقَ منها شيء يمكن الإمساك به.
فتح آدم عينيه، لكنه لم ينهض. ظل مستلقيًا للحظات، يحدق في السقف، وأنفاسه أثقل مما ينبغي. كانت يداه باردتين رغم دفء الفراش، وقلبه لا يزال يحمل ذلك الاضطراب الغامض الذي تتركه الأحلام حين تكون أقرب إلى ذكرى منها إلى حلم. أدار وجهه نحو المدفأة، وبقي يتابع الجمر الأحمر المتوهج تحت الرماد، بينما بدأت ملامح الغرفة تستقر أمامه من جديد؛ العوارض الخشبية فوق رأسه، والنوافذ العالية، والمدفأة، ثم السيف المعلّق على الجدار المقابل.
بقي نظره على السيف لحظة، ثم أبعد عينيه عنه. لم يعرف سبب ذلك الشعور الذي تركه فيه، لكنه كان يعرفه جيدًا؛ ذلك الإحساس الذي يأتيه أحيانًا حين يقترب من شيء لا يستطيع تذكّره.
كأن ذاكرته تقف خلف باب مغلق، وهو لا يملك مفتاحه.
جلس على حافة السرير، ومد يده إلى قميصه الموضوع على الكرسي القريب. ارتداه، ثم اتجه إلى النافذة وأزاح الستارة قليلًا. كان الفجر يقترب، والضوء الشاحب يتسلل ببطء من خلفها، بينما تحركت الستائر الثقيلة مع الريح.
كان القصر يستيقظ ببطء.
في الباحة، تحرك أحد الخدم حاملًا مصباحًا، وتبدل حارسان عند البوابة، بينما راحت الخيول تضرب الأرض بحوافرها خلف الضباب. ظل آدم يراقب المشهد للحظات، ثم ترك الستارة واتجه نحو الباب.
وقبل أن تصل يده إلى المقبض، جاء الطرق.
ثلاث طرقات هادئة.
توقف آدم لحظة. ثم قال:
— ادخل.
تحرك مقبض الباب ببطء، ثم انفتح على مهل، فتسللت إلى الغرفة نفحة باردة من الممر.
ظهرت خادمة من الجن عند العتبة، تحمل إبريقًا نحاسيًا بكلتا يديها. تصاعد منه بخار خفيف، التف حول وجهها للحظة قبل أن يتبدد في دفء الغرفة.
كان شعرها الأسود طويلًا، ينساب خلف كتفيها في خصلات ناعمة، وقد أفلتت بعض خصلاته حول وجهها. وبين تلك الخصلات ظهر طرف أذنها المدببة للحظة، قبل أن يحجبه الشعر من جديد.
تقدمت خطوة، ثم أغلقت الباب خلفها.
كان وجهها هادئًا على نحوٍ يلفت النظر؛ بشرة قمحية دافئة، وعينان واسعتان بلون العسل الصافي، يلمع فيهما شيء يصعب تحديده. كان أنفها صغيرًا، وشفتاها ممتلئتين قليلًا، وفي ملامحها ذلك التوازن النادر بين الرقة والفتنة.
أما قوامها، فكان ممتلئًا بانحناءات أنثوية ناعمة ومتناسقة، ينساب تحت ثوبها البسيط دون أن يفقدها شيئًا من أناقتها. لم تكن تحتاج إلى زينة تلفت النظر؛ كان حضورها وحده كافيًا. رفعت عينيها إلى آدم.
— صباح الخير، يا سيدي.
كان آدم لا يزال واقفًا قرب النافذة. التفت إليها، وبقي ينظر إليها لحظة قبل أن يقول:
— ألم أقل لكِ يا مارتا ألا تناديني يا سيدي؟
مالت برأسها قليلًا، وارتسمت عند طرف شفتيها ابتسامة صغيرة.
— أعرف أنك تكرهها... لكنني أحب أن أسمعك وأنت تعترض.
— قلت لكِ، ناديني آدم.
ازدادت ابتسامتها قليلًا.
— كما تشاء... سيد آدم.
رفع آدم حاجبه.
— مارتا.
ضحكت بخفة، ثم تجاوزته نحو الطاولة.
— ماذا؟ لقد نفذت طلبك.
تابعها بنظره.
— بطريقة لا تُطاق.
وضعت الإبريق على الطاولة، ثم التفتت إليه.
— ومع ذلك لم تطلب مني أن أخرج.
اكتفى آدم بنظرة قصيرة إليها، ثم تركها تذهب إلى المدفأة. اقتربت منها، ومدت يديها فوق الجمر الخافت.
— استيقظت قبل قليل؟
— نعم.
بقيت عيناها على النار.
— حلمت مجددًا؟
ثبت آدم عينيه عليها. لم تلتفت. مرّت لحظة. ثم أخرى.
كان فيها ادم استعجل أنها كيفت عرفت فا قال لها:
— كيف عرفتِ؟
رفعت عينيها إليه.
— لأنك حين تستيقظ من ذلك الحلم، تنظر إلى السيف قبل أن تنظر إلى أي شيء آخر.
سكن وجه آدم. التفت إلى السيف المعلّق على الجدار. ظل ينظر إليه لحظة. ثم عاد إليها.
— أنا لم أخبرك بهذا.
ابتسمت ابتسامة صغيرة.
— لم تحتج إلى ذلك.
تقدمت نحوه. توقفت أمامه، ثم رفعت يدها إلى ياقة قميصه وعدلتها بهدوء. لم يبعد آدم يدها.
كانت يدها دافئة، ولم تكن لمستها غريبة عنه؛ كانت ألفةً اعتادها حتى كفّ عن ملاحظتها.
وحين اقتربت منه، حمل معها الهواء رائحة خفيفة تشبه المطر حين يلامس أرضًا عطشى؛ رائحة نظيفة وهادئة، مرّت به كشيء يعرفه دون أن يعرف من أين عرفه. خفض آدم عينيه إليها.
— أحيانًا أشعر أنك تعرفين عني أشياء أكثر مما أعرفها عن نفسي.
توقفت يدها. رفعت عينيها إليه. كان في نظرتها شيء لم يستطع قراءته.
— ربما لأنك تنسى أكثر مما تظن.
— وأنا لا أنسى بهذه السهولة.
ابتسمت ثم قالت:
— إذن ربما هناك أشياء تجعلك تنسى.
لم يجب. ظلت لحظة أخرى أمامه، ثم أنزلت يدها وعادت إلى الطاولة. أخذت الإبريق وصبّت له الشراب.
— اشرب.
نظر آدم إلى الكأس.
— ما هذا؟
— شيء يعيد إليك لون وجهك.
— وهل فقدته؟
ناولته الكأس.
— منذ سنوات.
أخذها منها. بقيت عيناه عليها.
— مارتا...
— نعم؟
تردد قليلًا.
— هل قلت شيئًا وأنا نائم؟
توقفت يدها فوق الإبريق. وللمرة الأولى منذ دخلت الغرفة، اختفت ابتسامتها. نظرت إليه طويلًا. ثم قالت بهدوء:
— قلت شيئًا.
شد آدم أصابعه حول الكأس.
— ماذا قلت؟
لم تجبه. خفضت عينيها إلى الإبريق، وكأنها تبحث عن شيء فيه. ثم قالت بهدوء:
— لا أظن أنك تريد أن تعرف.
ظل آدم ينظر إليها. لم يسألها مرة أخرى. وفي الطرف الآخر من الغرفة، انكمشت إحدى الجمرات تحت الرماد. توهجت للحظة. ثم انطلقت منها شرارة صغيرة، ارتفعت في الهواء قبل أن تنطفئ. عاد الصمت إلى الغرفة. لكن عيني آدم لم تعودا إلى مارتا. عادتا إلى السيف.
وظل السيف معلقًا في مكانه... كأنه كان يعرف ما قاله آدم أكثر منه.