ظل السيف معلقًا في مكانه... كأنه كان يعرف ما قاله آدم أكثر منه. وضعت مارتا الإبريق جانبًا، لكنها لم تتحرك. بقيت واقفة إلى جوار الطاولة، تنظر إليه بصمت. رفع آدم عينيه إليها. كانت ابتسامتها قد اختفت، وحل محلها هدوء غريب لم يطمئنه ثم قال:
— مارتا... ماذا هناك؟
لم تجبه. تقدمت نحوه خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت أمامه. تبعها آدم بعينيه، ثم وضع الكأس على الطاولة.
— ماذا سمعتِ؟
مدت مارتا يدها ببطء، وأمسكت بطرف قميصه عند صدره. بقيت عيناها معلقتين بعينيه لحظة، ثم قالت:
— هل أنت متأكد أنك تريد أن تعرف؟
ابتلع آدم ريقه.
— نعم... أخبريني.
اقتربت أكثر. لم يبقَ بينهما سوى مسافة صغيرة. مالت نحو أذنه، لكنها لم تتكلم. انتظر آدم، وقد انعقد حاجباه، بينما راحت عيناه تبحثان في وجهها عن إجابة.
— ماذا قلتُ وأنا نائم؟
ابتعدت مارتا قليلًا، وظلت تنظر إليه لحظة طويلة.،
— لقد قلت...
توقفت.
اتسعت عينا آدم، وشد فكه.
— ماذا؟
اقتربت من أذنه مرة أخرى، وتركت لحظة صمت متعمدة.
— «أحبك، مارتا».
بقي آدم ساكنًا. ثم خرج النفس المحبوس من صدره ببطء، وانخفض كتفاه كأن حملًا ثقيلًا انزاح عنه.
راقبته مارتا، وظهرت ابتسامة صغيرة عند طرف شفتيها.
— ظننت أنك قلت شيئًا أخطر.
رفع آدم عينيه إليها، وقد امتزج الارتباك بالراحة في ملامحه.
— وأنتِ جعلتِني أظن أنني قلت شيئًا سيهدم العالم.
مرر يده على وجهه، ثم أضاف:
— كدتِ تقتلينني.
ضحكت مارتا بخفة. اقتربت منه، ورفعت يدها إلى خده، ثم قالت بنبرة أكثر هدوءًا:
— ربما كان أخطر من ذلك بالنسبة لي.
وقبل أن يجد آدم ردًا، مالت نحوه وقبّلته قبلة قصيرة وهادئة..
ثم ابتعدت عنه، وحملت الإبريق واتجهت إلى الباب.
— اشرب قبل أن يبرد.
خرجت وأغلقت الباب خلفها.
ظل آدم مكانه لحظة، يحدق في الباب المغلق، وقد تجمدت ملامحه في صدمة لم يجد لها ردًا. رفع يده إلى شفتيه، ولمس موضع القبلة كأنه يتأكد أن ما حدث لم يكن امتدادًا للحلم. ثم هز رأسه، وظهرت ابتسامة صغيرة رغمًا عنه. ترك الكأس على الطاولة واندفع خلفها. فتح الباب وناداها في الممر:
— مااارتا!
جاءه صوت ضحكتها من بعيد. فأسرع خلفها.
لحق بها آدم في الممر، وكانت مارتا تمضي بخطوات سريعة، والإبريق بين يديها.
— إلى أين؟
التفتت إليه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة تعرف جيدًا أنها ستستفزه.
— إلى عملي.
أدركها بخطوتين.
— أتهربين مني؟ — ربما. — وأين ستذهبين؟ — بعيدًا عنك.
قالتها وهي تحاول تجاوزه، لكنه وقف أمامها من جديد. رفعت عينيها إليه.
— هل ستمنعني؟ — إن اضطررت.
ابتسمت.
— أنت لا تستطيع أن تغضب مني.
سكت آدم.
وكان يعرف أنها محقة؛ فما إن يشتد غضبه منها، حتى تجد طريقها إلى إخماده قبل أن يكتمل.
مد يده، وأمسك يدها قبل أن تبتعد. نظرت إلى يده، ثم إليه.
— وماذا الآن؟ — الآن... لن تهربي. — ومن قال إنني أريد الهرب؟
سكنت ملامحه. لم يجد ما يجيب به. كانت المسافة بينهما قد اختفت تقريبًا، ولم تعد ابتسامتها تحمل شيئًا من الشقاوة. بقيت تنظر إليه بهدوء، كأنها تنتظر منه شيئًا لم تحتج يومًا إلى طلبه. رفع يده، وأبعد خصلة من شعرها استقرت على جانب وجهها. لم تتحرك. مرّت أصابعه قرب أذنها المدببة، ثم استقرت يده عند خدها.
قال بصوت خافت: — أنتِ تعرفين ماذا تفعلين بي. مالت برأسها قليلًا. — وأنت تعرف أنني أحب ذلك.
ابتسم.
— مشاغبة.
ضحكت بخفوت، وقالت:
— ومن غيري يحتمل مشاغبتك؟ — ومن قال إنني أحتملها؟ — لكنك لا تتركني.
نظر إليها طويلًا.
— منذ متى أردتِ مني أن أتركك؟
اختفت ابتسامتها لحظة. ثم اقتربت منه حتى استقرت جبهتها على جبهته. لم يتحدث أيٌّ منهما.
كان الصمت بينهما مألوفًا؛ صمت شخصين اعتادا أن يفهما بعضهما دون حاجة إلى كثير من الكلمات.
أغمضت مارتا عينيها.
— ابقي قليلآ.
— لدي عمل. — دعيه ينتظر. — وأنت؟ — سأنتظر معك.
ضحكت بهدوء، ثم قبلت خده قبلة خاطفة. ابتعدت قبل أن يلحق بها، وحملت الإبريق من جديد.
— الآن يجب أن أذهب.
ظل آدم ينظر إليها.
— مارتا. — نعم ؟
ترددت عيناه لحظة، ثم ابتسم.
— لا شيء.
فهمت. ابتسمت له تلك الابتسامة الصغيرة التي لم تكن تمنحها لأحد سواه، ثم استدارت ومضت. بقي آدم واقفًا في مكانه، يتابعها حتى اختفت خلف المنعطف.
ظل آدم واقفًا في مكانه، يتابعها حتى اختفت خلف المنعطف. ابتسم لنفسه، ثم استدار عائدًا. لم يخطُ سوى بضع خطوات حتى اهتز القصر.
توقف. رفع رأسه ببطء. مرّت لحظة صامتة. ثم دوّى ارتطام هائل من الخارج، ارتجت له النوافذ، وتساقط الغبار من بين العوارض الخشبية.
اختفت ابتسامته.
جاء صوت الخيول من الباحة، صهيلًا مذعورًا، تبعه ارتطام حوافرها بالأرض. ثم جاء صوت آخر. أثقل. وأقرب. تحرك آدم نحو النافذة، وأزاح الستارة.
تجمد.
كان الغبار يملأ الباحة، وفي وسطه تحرك ظل هائل. خطوة واحدة. اهتزت الأرض. ثم خرج المخلوق من بين الغبار.
كان جسده ضخمًا، تتشابك عضلاته تحت جلد داكن، ويعلو رأسه قرنان طويلان، بينما استقرت في يده فأس عريضة بدا نصلها قادرًا على شطر رجل بضربة واحدة. رفع المينوتور رأسه. وزمجر. ارتج الزجاج أمام آدم. وفي طرف الباحة، تجمدت الذئاب الخمسة، تحدق في المخلوق دون أن تتحرك.
ظل آدم يحدق فيه.
كان يعرف الوحوش، ويعرف ما تستطيع القوة الغاشمة أن تفعله؛ لكن هذا المخلوق لم يكن مجرد وحش ضخم يمكن تجاهله. كان وجوده وحده كافيًا ليجعل الباحة تبدو أصغر مما كانت عليه.
ثم لمح فتاة تقف أمام المينوتور. اتسعت عيناه. عرفها. وعرف تلك الوقفة.
والأسوأ...
عرف تلك الابتسامة. فتح النافذة بعنف.
— رَرررررررَهَهَهَهَاف!
التفتت رهف إليه.
— نعم؟
ظل آدم يحدق بها لحظة، كأنه يتمنى أن تكون عيناه قد أخطأتا هذه المرة. ثم أشار إلى المينوتور.
— ماذا فعلتِي؟!
— كنت أريد أن أستدعي غوبلن.
نظرت رهف إلى الوحش خلفها، ثم إليه.
أغمض آدم عينيه. من خلفه، جاء صوت ضحكة مكتومة. التفت. كانت مارتا تقف عند نهاية الممر، والإبريق بين يديها، وقد عادت على ما يبدو بعد أن سمعت الارتطام. وضعت يدها على فمها محاولة عبثًا إخفاء ابتسامتها. حدق بها آدم.
— لا تضحكي. هزت رأسها بسرعة. — أنا لا أضحك.
وانفلتت منها ضحكة أخرى. نظر إليها في صمت. ثم عاد إلى رهف.
— غوبلن؟
هزت كتفيها.
— نعم. — وكيف انتهى بك الأمر بمينوتور؟!
فكرت قليلًا. ثم قالت:
— ربما بالغت في السحر قليلًا.
أطلق آدم نفسًا طويلًا.
— قليلًا؟
رفع المينوتور فأسه. تغير وجه رهف. ثم ابتسمت.
— حسنًا... لنجرّب مرة أخرى.
فتح آدم عينيه على اتساعهما.
— لا تجرّبي أي شيء!
ضحكت رهف، ثم اندفعت نحو المينوتور.
— ررررهههاااف!
اندفع آدم خلفها. أما مارتا... فلم تستطع منع نفسها من الضحك هذه المرة.
ضحكت رهف معها، ثم اندفعت نحو المينوتور وكأنها لم ترَ في حجمه ما يستحق التراجع.
— رهف!
سمعت صرخة آدم، لكنها لم تتوقف.
— ماذا؟ — تعالي إلى هنا. — بعد أن أنتهي. — رهف... — آدم، أنا مشغولة.
كادت مارتا تضحك من جديد، لكن آدم كان قد رفع يده بالفعل.
توقفت رهف في مكانها، وتوقفت الذئاب الخمسة معها، كأن قوة خفية أمسكت بهم دفعة واحدة.
التفتت إليه باستنكار.
— هل حبستني؟ — نعم. — ولماذا؟ — لأنك لا تسمعين الكلام. — بل أسمعه. — ومتى؟
فكرت لحظة ثم قالت:
— أحيانًا.
ضحكت مارتا. التفتت إليها رهف.
— لا تضحكي أنتِ أيضًا. — لم أقل شيئًا. — لكن وجهك يقول ذلك.
أخفت مارتا ابتسامتها، بينما توقف آدم أمام المينوتور.
رفع الوحش فأسه. اندفع. هوت الفأس. رفع آدم يده، فاصطدمت الضربة بحاجز سحري، واهتزت الحجارة تحت قدميه.
تراجع آدم نصف خطوة، ونظر إلى الحاجز الذي تشققت خطوطه تحت قوة الضربة. اندفع الوحش مرة أخرى. تحرك آدم جانبًا، وأمسك بمقبض الفأس قبل أن تكتمل الضربة. حاول المينوتور سحب سلاحه. لم يتحرك.
ثبت آدم يده، وظل ينظر إلى الوحش لحظة، كأنه يقيس قوته.
قال بهدوء:
— قوي.
ترك الفأس. تراجع المينوتور خطوتين. قالت رهف من خلفه:
— ألم أقل لك إنه ليس سهلًا؟
التفت إليها.
— أما زلتِ تتحدثين؟ — وماذا أفعل؟ — اصمتي. — حسنًا.
سكتت لحظة.
— لكنني كنت أريد مساعدتك.
ابتسم آدم رغمًا عنه.
— أعلم.
عاد بنظره إلى المينوتور. رفع الوحش فأسه من جديد.
هذه المرة لم ينتظر آدم الهجوم. رفع يده ببطء، وسكن الهواء من حوله.
توقفت رهف عن الابتسام. أما مارتا، فبقيت تراقبه في صمت. اندفع المينوتور. رفع آدم إصبعًا واحدًا. توقفت الفأس في الهواء. وسكن جسد المينوتور في اللحظة نفسها. ساد الصمت.
حدقت رهف في المشهد. أما مارتا، فلم تتحرك.
قال آدم بهدوء: — زلاتان.