القسم الخامس
أول الطريق____________________________________________
مرت ثلاثة أيام منذ فتح مكتب الملك السابق. ثلاثة أيام لم تشهد فيها "أستاريا" هدوءًا حقيقيًا، رغم أن الحياة داخل المملكة بدت، في ظاهرها، وكأنها استعادت إيقاعها المعتاد. عاد الجنود إلى تدريباتهم فوق الأسوار، واستأنف الكتبة أعمالهم داخل قاعات المجلس، بينما ازدحمت الساحات بالتجار والقوافل القادمة من القرى المجاورة. لكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت المملكة تتحرك بطريقة مختلفة. كانت ممرات القصر الملكي تشهد همساتٍ مكتومة بين الحراس والكتبة الذين أدركوا أن ثمة أمراً خطيراً يجري خلف الأبواب المغلقة. غطت مسحةٌ من الشحوب وجوه أفراد المجلس من أثر السهر المتواصل وقلة النوم، بينما كانت الشموع تذوب حتى نهايتها فوق الطاولات لتُستبدل بغيرها دون توقف. خيمت على الأجواء ثقلةٌ تشبه تلك التي تسبق العواصف الكبرى، حيث أصبحت كل نظرة يتبادلها القادة تحمل معاني حذرة، وكأن جدران "أستاريا" العتيقة نفسها باتت تصغي بفضول لما يدور في خفايا هذا البحث. فمنذ العثور على دفاتر "إيراث" ورسائله، لم يعد البحث عن الحقيقة مهمة تخص الملكة وحدها، بل أصبح أمرًا يشغل مجلس التاج بأكمله. لم تكن الأيام الثلاثة أيام انتظار، بل أيام عمل متواصل. تحولت غرفة "إيراث" إلى مكان لا يدخله إلا عدد محدود من الأشخاص، وأصبحت الخرائط والدفاتر والرسائل القديمة تنتقل منها وإليها باستمرار. بينما انشغل أمناء المكتبة الملكية بإحضار كل سجل يعود إلى سنوات حكم الملك السابق، مهما بدا عديم الأهمية. أما "فايرُن"، فقد اختفى معظم الوقت عن أنظار الجميع. لم يكن يجلس في المجلس إلا قليلًا، ولا يشارك في الاجتماعات الطويلة كما اعتاد الوزراء. كان يقضي ساعات بين أرشيف القصر، وغرف السجلات القديمة، ومقر الاستطلاع، يعود أحيانًا ومعه رقعة صغيرة، أو خريطة باهتة، أو اسم لم يسمع به أحد منذ عشرات السنين. ومع ذلك... لم يجد ما كان يبحث عنه. كان "فايرُن" يبدو كطيفٍ يتحرك بين أرقة الأرشيف المظلمة، تعلو ثيابه أتربة السجلات القديمة وتتسم عيناه بحمى البحث الدؤوب. ينقب بين المخطوطات الصفراء المنسية التي لم تمتد إليها يدٌ منذ عقود، يعيد قراءة هامشٍ مهمل هنا ورسمٍ باهت هناك عله يجد خيطاً رفيعاً يربط شتات الماضي. أرهقه السعي وراء ظلال ملكٍ رحل وترك خلفه ألغازاً معقدة، لكن هذا الإرهاق لم يزده إلا إصراراً؛ فالرجل الذي عرف "إيراث" عن قرب يعلم أن كل تفصيلٍ مهما صغر قد يكون المفتاح الذي ينجيهم من الهلاك. في صباح اليوم الثالث، اجتمع مجلس التاج مرة أخرى. كانت الطاولة المستديرة تتوسط القاعة، وقد انتشرت فوقها الخرائط نفسها التي رافقتهم طوال الأيام الماضية. وقفت "سيرافينا" عند رأس الطاولة، تتأمل الوجوه الصامتة. قالت بهدوء: "ثلاثة أيام..." ثم نظرت إلى فايرُن: "...ولم نجد سوى آثار رجل سبقنا إلى كل سؤال." أجاب المستشار: "وهذا بحد ذاته دليل." مرت لحظات من الصمت، بينما راح "فايرُن" يقلب إحدى الخرائط التي تركها إيراث فوق الطاولة. لم يكن يبحث عن موقع جديد، بل عن شيء أكثر بساطة؛ عادة تتكرر، أو رمز يظهر أكثر من مرة. قالت "دالميرا" وهي تراقبه: "كلما اقتربنا من نهاية أوراقه... وجدنا بداية جديدة." رفع "فايرُن" عينيه إليها: "لأن إيراث لم يكن يكتب أجوبة." ثم مرر إصبعه فوق خطوط الخريطة: "كان يترك لمن يأتي بعده أن يكمل الطريق." نظرت "سيرافينا" إلى الخرائط المبعثرة أمامها، وقالت بهدوء: "إذن لم يكن يورثنا أسراره..." سكتت لحظة: "...بل يورثنا بحثه." سألته راغنيرا: "على ماذا؟" قال: "على أن إيراث لم يترك الطريق لأنه فشل..." ثم سكت لحظة: "...بل لأنه وصل إلى مكان لم يعد يستطيع أن يكمل منه وحده." ساد الصمت داخل القاعة. كانت الكلمات ثقيلة، لكنها حملت معنى لم يكن أحد مستعدًا لإنكاره. وقبل أن يتكلم أحد، سُمع طرق خفيف على باب المجلس. التفتت الأنظار. دخلت الحارسة "ميرال"، وانحنت احترامًا: "جلالتك... لقد اخبرني أحد الحرس من جهة الشمالي الشرقي" رفعت لفافة مختومة: "...وصل رسول من جزيرة السادة." تبادل "فايرُن" و"سيرافينا" نظرة سريعة. لم يكن وصول رسائل من الجزيرة أمرًا نادرًا. لكن توقيتها... كان كافيًا ليبدد هدوء القاعة. حبس الجميع أنفاسهم داخل القاعة، وتعلقت العيون بالرق المنطوي بين يدي ميرال كأنه يتفجر بالشرار. انسحبت "ميرال" ببطء ونظام نحو الخلف لتترك القادة في مواجهة طارئ جديد لم يكن في الحسبان، بينما ساد صمتٌ مطبقٌ أتاح لسماع حفيف الرق وحمحمة الحراس في الخارج. بدت الشمعدانات النحاسية كأنها ترتعد تحت الضوء الخافت، واقتنع الحاضرون في تلك اللحظة بالذات أن الرسالة القادمة عبر أثير البحر لن تحمل بين طياتها أخباراً سارة أو وعوداً بالسلام. تقدمت "دالميرا"، وأخذت اللفافة. كان ختمها يحمل شعار مجلس السادة. لكن في أسفل الختم... ظهر توقيع شخصي. نظر إليه "فايرُن" طويلًا. ثم قال: "سلامار." فمنذ أن غادرت "سلامار" إلى جزيرة السادة قبل أشهر، لم تنقطع تقاريرها، لكنها لم تكن تكتب إلا ما تراه بنفسها، وتتعمد أن تترك الاستنتاجات للمجلس. قال فايرُن: "إن كانت هي من بعثت هذه الرسالة..." ثم نظر إلى الختم مرة أخرى: "...فهي لم ترسل إشاعة." عقدت راغنيرا ذراعيها: "بل شيئًا أيقنت منه." أومأ المستشار ببطء: "ولهذا وصلت الرسالة مختومة بختمها الشخصي، لا بختم الجزيرة." فتحت الملكة الرسالة بنفسها. لم تكن طويلة. قرأتها بصمت. ثم أعادتها إلى بدايتها. وقرأتها مرة ثانية. لاحظت "راغنيرا" تغيرًا طفيفًا في ملامحها. قالت: "ماذا حدث؟" ناولتها الرسالة. قرأت السطر الأول. ثم الثاني. ولم تقل شيئًا. مد فايرُن يده. أخذ الرق. قرأه بهدوء. لم يتغير وجهه. لكنه بقي ينظر إلى الكلمات طويلًا. سألته الملكة: "هل كنت تتوقع هذا؟" أجاب بعد لحظة: "كنت أتوقع أن يتحرك..." ثم طوى الرسالة: "...لكن ليس بهذه السرعة." اقتربت دالميرا: "ماذا تقول؟" رفع فايرُن عينيه. ثم قرأ السطر الأخير بصوت مسموع: "اللورد زاهير بدأ يبحث عن الشيء نفسه." ساد الصمت. لم يكن الاسم جديدًا على الحاضرين. لكن اقترانه بما تركه "إيراث"... جعل الجميع يدرك أن الأمر لم يعد يخص مملكة واحدة. كان اسم "اللورد زاهير" يبعث في نفوس الحاضرين برودةً لا تقل عن برودة شمال "السنديان"، لما يُعرف عنه من دهاءٍ حاد وقدرةٍ على مناورة الجميع. أدركت "سيرافينا" أن دخوله في خط السباق نحو أسرار "إيراث" يقلب الموازين بالكامل ويحول البحث الاستكشافي إلى صراعٍ محفوفٍ بالمخاطر. ضغطت الملكة بقبضتها على حافة الطاولة الحجرية، واسترجعت في ذهنها شبكة العلاقات المعقدة بين الممالك؛ فظهور هذا المنافس الشرس يعني أن الأسرار لم تعد حبيسة مكتبة القصر، بل أصبحت مطمعاً للقوى الكبرى. قالت راغنيرا: "إذن لسنا وحدنا." اتجهت أنظار الجميع نحو الخريطة المعلقة على الجدار. لم تعد "أستاريا" تبدو في أعينهم مركز العالم كما كانت قبل أيام. فهناك جزيرة تراقب. وممالك تتحرك. ورجل في "برافوس" يحسب خطواته بهدوء. وملك سابق ترك خلفه طريقًا لم يكتمل. كانت الخريطة المعلقة على الجدار تبدو في هذه اللحظة ككائنٍ حيّ يتنفس، تختزل المسافات الشاسعة والجبال الوعرة التي تفصلهم عن بقية العالم. تحولت الممالك المرسومة بحبرٍ داكن من مجرد أسماءٍ جغرافية إلى مسارح لمواجهة محتومة تشكل مستقبل القارة بأسرها. أحست "دالميرا" بثقل المسئولية يربض على صدورهم، بينما بدت "راغنيرا" متأهبة للقتال، وكأن حدود "أستاريا" الآمنة التي عاشوا في ظلها سنوات طويلة قد تلاشت فجأة لتلقي بهم في خضم مجهول واسع لا يرحم الضعفاء. قالت سيرافينا وهي تتأمل حدود المملكة: "طوال حياتنا..." ثم مررت يدها فوق حدود أستاريا: "...كنا ننتظر أن يأتي الخطر إلينا." التفتت إلى فايرُن: "لكن يبدو أن الوقت حان..." وساد الصمت. هز فايرُن رأسه: "لم نكن وحدنا منذ البداية." اقتربت "سيرافينا" من النافذة. امتدت أمامها أبراج أستاريا، شامخة كما عرفتها دائمًا. لكنها لم تعد تنظر إليها بالطريقة نفسها. لأول مرة، شعرت أن المملكة التي دافعت عنها طوال حياتها ليست سوى بداية طريق أطول بكثير مما تخيلته. استدارت نحو أفراد المجلس. توقفت لحظة، ثم قالت بصوت هادئ، لكنه لم يترك مجالًا للتردد: "لن ننتظر حتى تصل الحقيقة إلينا." نظرت إلى "فايرُن". ثم إلى "راغنيرا". وأخيرًا إلى "دالميرا". ثم قالت: "استعدوا للسفر."
ختام الفصل السابع.