مملكة السحرة « أستاريا »

الفصل 37: الفصل الثامن_ القسم الأول

الفصل الثامن_ عرش الظلال

القسم الأول_ بوابة الظلال___________________________________

لم يكن الفجر قد اكتمل حين غادر الأربعة موضع المخيم. لم يحمل أحد منهم متاعًا أكثر مما يحتاجه، ولم يلتفت أحد إلى الخلف. حتى النار التي أشعلوها ليلًا تُركت تخبو وحدها بين الصخور، وكأنها آخر أثر يربطهم بالعالم الذي غادروه. في المقدمة، كانت "سولو" تمشي بخطوات واثقة، بينما احتفظ كل واحد منهم بالقطعة المعدنية السوداء التي التقطها عند الفجر. لم تكن أي قطعة تختلف عن الأخرى، ولم يحاول أحد مقارنة العلامات المنقوشة عليها مرة أخرى. فمنذ أن غادروا المخيم، لم يعد السؤال: أي قطعة هي الصحيحة؟ بل: لماذا أراد ذلك الرجل أن يحمل كل واحد منهم قطعة؟ أما "نيريون"، فكان يسير بصمت، وعصاه تضرب الأرض بإيقاع ثابت. لم يعد يحاول استشعار النجوم كما اعتاد، فقد اختفى ضوء السماء خلف سحب كثيفة لا تتحرك، وكأنها معلقة فوق هذه الأرض منذ زمن لا يعرفه أحد. سارت "دافني" إلى جواره، بينما بقيت "إيليثرا" في المؤخرة، تراقب الصخور المحيطة بهم أكثر مما تراقب الطريق نفسه. كان المكان يزداد غرابة مع كل خطوة. في البداية اختفت الأعشاب. ثم تراجعت الأشجار. ثم لم يبقَ سوى صخور سوداء ضخمة، تخرج من الأرض كأنها بقايا مدينة دفنتها القرون. لم تكن هناك طيور. ولا أصوات حشرات. ولا حتى الريح. كان الصمت نفسه يبدو مختلفًا، أثقل... وأبطأ، حتى إن وقع الأقدام فوق الحجارة كان يتردد زمنًا أطول مما ينبغي. توقفت "دافني" فجأة. خفضت رأسها نحو الأرض. ثم قالت: "هل تشعرون بذلك؟" لم يجب أحد. انحنت ولمست الصخر بكفها. كان باردًا... لكن البرودة لم تكن طبيعية. سحبت يدها بسرعة: "كأن الحجر..." بحثت عن الكلمة المناسبة: "...يتنفس." نظر "نيريون" إلى الموضع نفسه، ثم أغلق عينيه لحظة: "ليس الحجر." قال بصوت هادئ: "...الأرض." ساد الصمت. أما "سولو"، فلم تتوقف عن السير. خفضت "سولو" سرعتها قليلًا، ثم انحنت والتقطت حفنة من التراب الأسود بين أصابعها. تركته ينساب ببطء حتى عاد إلى الأرض. قالت دون أن تنظر إليهم: "هذه ليست تربة عادية." عقدت "دافني" حاجبيها: "وماذا تكون؟" أجابت سولو: "يقول أهل الغرب إن هذه الأرض شربت من الدم أكثر مما شربت من المطر." نظرت "إيليثرا" إلى الامتداد الصخري حولها: "أساطير." ابتسمت "سولو" ابتسامة خافتة: "في غورموث..." ثم تركت التراب يتساقط من بين أصابعها: "...الأساطير أخطر من الحقائق."قالت دون أن تلتفت: "كل من يدخل حدود غورموث يقول الشيء نفسه." رفعت "إيليثرا" رأسها: "إذن وصلنا؟" رفعت "إيليثرا" نظرها نحو السماء، لكنها لم تجد سوى طبقات كثيفة من الغيوم الرمادية، لا تسمح بمرور شعاع واحد من الضوء. أغمضت عينيها لحظة، محاولة أن تستشعر السحر كما كانت تفعل في معبدها القديم. لكنها لم تشعر بشيء. لا حرارة. ولا تيار. ولا همس الأرواح الذي رافقها طوال حياتها. فتحت عينيها ببطء وقالت: "الأرض هنا..." توقفت لحظة: "...تبتلع السحر." نظر إليها "نيريون". ثم قال بصوت هادئ: "لا." وأشار بعصاه إلى الصخور السوداء: "...إنها تخفيه." هزت "سولو" رأسها: "لا." ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة: "ما زلنا خارجها." مرت ساعات. وأخذت الجبال ترتفع شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت تحيط بالطريق من الجانبين كأنها جدران قلعة عملاقة. لم يعد هناك سوى ممر واحد. ضيق. متعرج. لا يسمح إلا بمرور شخصين جنبًا إلى جنب. رفعت "دافني" نظرها إلى القمم. لم تر شيئًا. لكنها شعرت... أن أحدًا يراقبهم. استدارت فجأة. لم يكن خلفهم أحد. قالت بصوت منخفض: "لسنا وحدنا." ابتسمت سولو: "اكتشفتِ ذلك أخيرًا." التفتت إليها دافني: "تعلمين؟" أجابت وهي تواصل السير: "منذ أن غادرنا المخيم." ساد الصمت من جديد. قال نيريون: "ليس شخصًا واحدًا." توقفت إيليثرا: "كم؟" رفع رأسه ببطء: "لا أستطيع عدّهم." أغلق "نيريون" عينيه للحظة. لم يكن يصغي إلى الأصوات... بل إلى الفراغ بينها. كانت هناك أنفاس لا يسمعها غيره، تتحرك فوق القمم، ثم تختفي، لتعود في مكان آخر. قال بهدوء: "إنهم لا يريدون مهاجمتنا." سألت دافني: "كيف عرفت؟" أجاب: "لأنهم لو أرادوا ذلك..." ثم فتح عينيه ببطء: "...لما شعرنا بوجودهم أصلًا." تبادلت "إيليثرا" و"سولو" نظرة صامتة، ولم تعلق أي منهما. أما "نيريون"، فقد ظل ينظر نحو أعلى الجبال، وكأن إحساسًا غامضًا أخبره أن بين تلك العيون عينًا لا تنتمي إلى "غورموث"... لكنه لم يستطع تمييزها. على بعد مئات الخطوات منهم... فوق نتوء صخري مرتفع، كانت "ليورا" تتحرك بين الظلال بخفة اعتادتها منذ سنوات. لم تكن تقترب كثيرًا. ولا تبتعد. كانت تحافظ على المسافة نفسها منذ أن غادر الأربعة "أستاريا". لكن شيئًا تغير اليوم. توقفت. رفعت رأسها نحو القمم المحيطة. لم تر أحدًا. ومع ذلك... شعرت بنظرة تستقر عليها. ليست نظرة المنشقين. ولا نظرة حيوان بري. بل نظرة شخص يعرف مكانها تمامًا. انتظرت. دقيقة... ثم أخرى. لم يتحرك شيء. تقدمت خطوة واحدة فقط. عندها... تدحرج حجر صغير من أعلى الجبل. لم يكن سقوطه طبيعيًا. كان أشبه بإشارة. رفعت يدها ببطء إلى مقبض سلاحها. لكنها لم تستله. قالت بصوت خافت، لا يكاد يسمعه أحد: "أعرف أنك هناك." لم يجبها أحد. عاد الصمت. غير أن إحساسها لم يتغير. لأول مرة منذ بدأت مهمتها... أدركت أنها لم تعد تراقب وحدها. بقيت "ليورا" ثابتة في مكانها. لم تتحرك. كانت تعرف أن من يراقبها ينتظر منها الخطوة الأولى. مرت لحظات طويلة، قبل أن تبتعد ببطء عن حافة الجرف، ثم تغير موضعها بالكامل. لم يكن ذلك خوفًا. بل عادة قديمة تعلمتها في "أستاريا". _ "من يظن أنه عرف مكانك..." همست بها لنفسها: "...لا تمنحه فرصة ليتأكد." في أسفل الوادي... تباطأت خطوات الأربعة. توقفت "سولو" فجأة. رفعت يدها. فوقف الجميع. كان الطريق ينتهي أمام جدارين صخريين شاهقين، لا يفصل بينهما سوى ممر ضيق يغرق في الظل. قالت إيليثرا: "هل هذا هو المدخل؟" لم تجب. اكتفت "سولو" بالنظر إلى القطعة السوداء المعلقة في معصمها. بدأت القطعة... تنبض. نبضة واحدة. ثم ثانية. ثم خفت ضوؤها. في اللحظة نفسها... خرج شخص من الظلام. لم يُسمع له وقع قدم. ولم يُعرف من أين جاء. وقف في منتصف الممر. يرتدي العباءة السوداء نفسها... والقناع المعدني نفسه... كأنه لم يغادرهم منذ الليلة الماضية. لم يتحرك أحد. بقي الرجل واقفًا في مكانه، لا يتقدم خطوة ولا يتراجع. كان الصمت الذي أحاط به مختلفًا عن صمت الجبال. حتى الهواء بدا وكأنه يتوقف عند حدود عباءته، ثم يلتف حوله دون أن يمسها. لم يستطع أحد أن يحدد طوله بدقة، ولا عمره، ولا حتى لون عينيه خلف القناع المعدني. قالت "دافني" بصوت خافت، بالكاد سمعه رفاقها: "هل هو نفسه؟" همست إيليثرا: "أم شخص آخر يرتدي القناع ذاته؟" لم تجبهما "سولو". لكنها لم تُبعد عينيها عنه لحظة واحدة، وكأنها كانت تعرف أن السؤال الصحيح ليس: من يقف أمامنا؟ بل... ما الذي يقف أمامنا؟ أما هو... فنظر إليهم واحدًا بعد آخر. ثم قال بصوت هادئ: "أحسنتم." ساد الصمت. ثم أضاف: "انتهى الطريق الذي اخترتموه." رفع يده ببطء. وأشار إلى الممر الغارق في العتمة. لم ينظر الرجل إلى القطع المعدنية التي يحملها الأربعة. وكأنه يعرف مسبقًا أنها وصلت جميعها إلى المكان المطلوب. ثم رفع يده ببطء. عندها... بدأت الرموز المحفورة على القطع الأربع تومض معًا، للمرة الأولى منذ أن ألقاها أمامهم. لم يختلف ضوء واحدة عن الأخرى. ولم تتقدم قطعة على الثانية. عندها فقط أدرك "نيريون" أن الرجل لم يكن يكذب حين قال إن الطريق هو الاختبار. لم تكن القطع هي التي اختارت أصحابها... بل كان الطريق يختبر من يستحق أن يحملها حتى النهاية. وقال: "...والآن يبدأ الطريق الذي نختاره نحن."

يتبع...