القسم الثالث_ رسالة أستاريا
بدأت الشمس تميل نحو المغيب، واكتست سماء "السنديان" بألوانٍ امتزج فيها الذهب بالبرتقالي، حتى بدا الأفق وكأنه قطعة حريرٍ تشتعل بهدوء. خفَّت حركة السوق شيئًا فشيئًا، وأخذ التجار يجمعون بضائعهم قبل حلول الليل، بينما دوت أصداء أبواق الغروب النحاسية من أعلى أبراج المملكة، فتوقفت الأصوات للحظات، وكأن المدينة كلها تنصت إلى إشارة انقضاء النهار. كانت سوق "السنديان" في مثل هذا الوقت تنبض بالقصص التي يحملها الغرباء والرحالة الذين يعبرون الصحراء الكبرى. غير أن الأيام الأخيرة شهدت همساتٍ مريبة يتداولها التجار بصوتٍ خفيض؛ حكايات عن اضطراب خطوط التجارة الشمالية، وعن طقوس سحرية غريبة بدأت نيرانها تُرى من على بعد فرسخ فوق جبال "أستاريا" الفاصلة. لم يبالِ عامة الناس بهذه الشائعات، وظنوا أنها مجرد أساطير يُرددها البدو في أسفارهم ليلاً، لكن همس الرمال كان ينقل شيئاً أكبر وأخطر، شيئاً يتعدى حدود التجار وقوافلهم. في القصر الملكي، كان الهدوء يلف الأروقة. الخدم يضيئون القناديل النحاسية واحدةً تلو الأخرى، فينعكس وهجها على الجدران المزخرفة، بينما كان الحرس يبدلون نوباتهم مع اقتراب الليل. أما الملك "حارث"، فما زال واقفًا في قاعة الشرفة الغربية، يراقب الشمس وهي تختفي خلف كثبان الرمال البعيدة. قال الوزير "عرفان"، الذي وقف على مسافةٍ منه: "يبدو أن هذا اليوم سيمضي بسلام يا مولاي." ابتسم "حارث" ابتسامة خفيفة، لكنه لم يرفع عينيه عن الأفق: "أتمنى ذلك." كانت إجابته قصيرة... إلا أنها حملت شيئًا من القلق لم يخفَ على الوزير. منذ أيام، والملك يشعر بشيءٍ لا يستطيع تفسيره. ليس خوفًا... بل إحساسًا غريبًا بأن العالم من حوله بدأ يتغير. لم يكن التغيير في أرض "السنديان" نفسها، فالجذور التي غرسها أجداده كانت ممتدة وثابتة في عمق التاريخ والوفاء، ولكن التغيير كان يأتي من الرياح المحملة برائحة الرماد التي تهب من اتجاه "أستاريا". كان "حارث" يعلم أن التوازن السحري الذي حفظته "أستاريا" لقرونٍ طويلة لم يكن مجرد استقرارٍ لمملكةٍ واحدة، بل كان درعاً يقي الممالك السبع بأكملها من الظلال القادمة من المجهول. وأي اهتزاز في العهد القديم هناك، يعني أن الطوفان سيمتد حتماً ليطال الرمال العريقة هنا. في تلك الأثناء... دوّى صوت بوقٍ قصير عند البوابة الجنوبية للقصر. التفت الحراس في آنٍ واحد. لم يكن بوق إنذار... بل البوق الذي يُعلن وصول رسولٍ يحمل ختم إحدى الممالك. اقترب قائد الحرس "يمان" من أعلى السور، ثم ضيق عينيه وهو ينظر إلى الفارسة القادمة. كان حصان أسود طويل القامة مغطى بالغبار. تحمل سلاحًا معلّقًا عند خصرها أما رداؤها... فكان رداء سفر أزرق داكن يغطيها غبار الطرق الطويلة تحمل شعارًا يعرفه الجميع. نجمة زرقاء تتوسطها دائرة فضية. ثُبّت عند عنقها. همس أحد الجنود: "أستاريا..."كان مظهر الفارسة يقطع الأنفاس؛ لم يكن هذا موكباً رسمياً ولا سفارة ملكية احتفالية كعادة أستاريا حين ترسل وفودها المترفة إلى "السنديان". كانت تحركاتها تحمل لهفة خائفة وسرعة جنونية، وكأنها تفر من أشباحٍ تطاردها عبر الصحراء. رأى "يمان" في عينيها ذلك الذعر الذي لا يظهر إلا في عيون حراس الحصون حين تتساقط جدرانهم العتيدة. أمر "يمان" بفتح البوابة فورًا. دخلت الفارسة إلى ساحة القصر، وما إن ترجلت عن حصانها حتى كادت تتعثر من شدة الإرهاق. كان واضحًا أنها لم تتوقف في طريقها منذ أيام. تقدم أحد الخدم ليحمل عنها خوذتها، لكن الرسولة رفع يدها رافضًتا. قالت بصوت متعب: "أريد مقابلة جلالة الملك... حالًا." لم تمض دقائق... حتى كان الرسولة واقفًة داخل قاعة الاستقبال الملكية. ركعت على إحدى ركبتيها، ثم أخرجت لفافة جلدية مختومة بالشمع الأزرق. تقدمت بها بكلتا يديها. قالت: "رسالة عاجلة من مملكة السحرة... أستاريا." أخذ "حارث" الرسالة بنفسه. وقبل أن يكسر الختم... توقف. تأمل شعار "أستاريا" للحظة. كم من مرة وصلته رسائل من تلك المملكة؟ كانت في الغالب دعواتٍ لاجتماعات، في جزيرة السادة أو اتفاقيات تجارة، أو أخبارًا عن مواسم الحصاد والسفر. أما هذه الرسالة... فكان ثقلها مختلفًا. كسر الختم ببطء. فتح اللفافة. وبدأ يقرأ. كانت الكلمات المكتوبة بالحبر السحري المتلألئ تنبض باضطرابٍ واضح، وكأن يد الكاتب كانت ترتجف وهو يسطرها تحت جدار الليل. لم تكن الرسالة مجرد تقريرٍ دبلوماسي، بل كانت صرخة استغاثة مشفرة مكتوبة بلسان البلاط الملكي في "أستاريا". تحدثت الرسالة عن ليلةٍ استثنائية انشق فيها سكون "أستاريا"، حين كشف عرّاف النجوم عن نبوءةٍ مظلمة هزت عرش الملكة. نبوءة تؤكد أن البوابة العظمى التي حمت "أستاريا" لقرون لم تُقتحم بقوة السلاح من الخارج، بل فُتحت بخيانةٍ صامتة من الداخل. وازدادت المخطوطة خطورة بالحديث عن اختفاء مجلدات محرمة من الأرشيف السري، وظهور طيف "كتاب الرماد الأزرق" الذي يُعتقد أن السحر الأسود المُخزن بين صفحاته بدأ يستيقظ ليطالب بالتاج. ساد الصمت في القاعة. حتى صوت النار المتراقصة داخل المشاعل بدا وكأنه خفت احترامًا لتلك اللحظة. تغيرت ملامح الملك شيئًا فشيئًا. اختفت ابتسامته. ثم ضاقت عيناه. وأخيرًا... أطبق أصابعه على الرسالة حتى تجعد طرفها. رفع رأسه ببطء. مرت في ذهن "حارث" تفاصيل العلاقات المعقدة في "أستاريا"؛ تساءل في سره عن النفوذ المظلم الذي بدأ يتغلغل بين المستشار "فايرُن" والكاهنة حارسة الطقوس "إيليثرا"، وكيف استطاعت الظلال أن تتسلل إلى دبابيس الدروع الملكية لتصل إلى صيادة الظلال "ليورا." ومحاربة المملكة "أوريانا". إن "أستاريا" لا تسقط بالسحر الخارجي، فهي أقوى الممالك سحراً والتزاماً بالعهود، لكن الخيانة حين تنبت داخل القصر تُحيل أعظم حصون العالم إلى رماد هائل. قال الوزير "عرفان" بقلق: "مولاي... هل حدث شيء؟" ظل "حارث" صامتًا لثوانٍ. ثم قال بصوت منخفض: "بدأ ما كنا نخشاه." اقترب الوزير خطوة: "أستاريا؟" هز الملك رأسه: "الخيانة... جاءت من داخل المملكة." ساد صمت ثقيل. أما قائد الحرس "يمان"، فقد عقد حاجبيه وقال: "هل سقطت أستاريا؟" أجاب الملك: "ليس بعد." ثم طوى الرسالة بعناية: "...لكنها تقف على حافة السقوط." ثم واصل "حارث" كلامه بنبرة تحمل ثقلاً وثيقاً: "التقرير يذكر أن اسمًا نسيه التاريخ، كائناً خرج من أحشاء الظلال، يطالب بالعرش الملكي في "أستاريا" الآن. وإن لم تستطع الملكة "سيرافينا" حماية التوازن وتثبيت العهد القديم، فإن السحر المحظور سيتدفق كالموج عبر الحدود. وإذا انهارت "أستاريا" اليوم، فلن تلبث الممالك الأخرى أن تتساقط واحدة تلو الأخرى كأوراق الخريف، وصولاً إلى قلب صحرائنا." تراجع الوزير "عرفان" خطوة إلى الخلف، وازداد شحوب وجهه وهو يقول: "يا مولاي... إن كانت العقول التي تدير أستاريا وتصون عهودها السحرية قد استسلمت للشك والخيانة، فكيف سنضمن ألا تمد تلك الظلال أيديها الممتدة لتصل إلى مجالس حكمنا في السنديان؟" وفي الممر المؤدي إلى الشرفة... كانت الملكة "عَفراء" قد وصلت للتو. لم تكن تقصد التنصت. لكن الكلمات الأخيرة وصلت إلى مسامعها. توقفت مكانها. ورفعت يدها تلقائيًا إلى بطنها. لم تعرف لماذا... إلا أن قلبها انقبض فجأة. كان الانقباض في أعماق "عَفراء" شبيهاً بحدس الأمهات والملكات؛ إحساس مباغت بأن الأيام الهادئة التي عاشتها "السنديان" أوشكت على الانتهاء. فكرت في الجنين الذي تحمله، وفي مستقبل وريث العرش الذي يُفترض أن يولد في أرضٍ يسودها الأمان والسلام. كيف يمكن حماية هذا العرش إذا كانت الأرض تحت أقدام الممالك المجاورة تشهد زلازل من الخيانات الدموية؟ دخلت القاعة بهدوء. نظر إليها "حارث"، فحاول أن يخفي ما بدا على وجهه. لكنها عرفته أكثر من أي إنسان. قالت بصوت خافت: "وصلت أخبار من أستاريا... أليس كذلك؟" نظر إليها طويلًا. ثم أومأ برأسه. دون أن يقول شيئًا. فهمت الإجابة... قبل أن تسمعها. لم تكن بحاجةٍ لقراءة كلمات اللفافة؛ فقد كان حزن "حارث" وصمته الثقيل كافيين لإخبارها بالقصة كاملة. أدركت أن الشائعات التي كانت تسري في أروقة القصر عن خيانة القادة وكتاب الرماد الأزرق لم تعد مجرد حكايات بل واقعاً يهدد الجميع. تقدمت خطوة ونظرت إلى الفراغ القائم بين الشموع، متسائلة إن كانت "السنديان" بحكمتها وشجاعة قبائلها العريقة قادرة على الصمود أمام هذا البلاء القادم. في الخارج... كانت الشمس قد غابت تمامًا. واشتعلت قناديل "السنديان" في الشوارع والأسواق. بدت المملكة جميلة كما كانت دائمًا. هادئة... آمنة... مطمئنة. لكن... في مكانٍ بعيد، خلف حدود الصحراء... كان الليل يحمل معه أول خيطٍ من عاصفةٍ لن تتوقف عند أسوار "أستاريا" وحدها. لم تكن تلك العاصفة مجرد أوهامٍ تذروها الرياح، بل كانت بدايةً لعهدٍ مظلم ستنفتح فيه البوابات المحرمة، وتستيقظ الأشباح التي ظنت الممالك أنها دفنتها إلى الأبد. وقف "حارث" في صمت القاعة، يمسك بيده الرسولة "سلامار" التي أرهقها السفر، وأمر الحراس فوراً بنقلها إلى أجنحة الضيافة وتوفير كل سبل الراحة والعلاج لها، فهذه الرسالة لم تكن مجرد بلاغٍ عادي، بل كانت الشعلة الأولى التي تنبه "السنديان" للخطر القادم. التفت الملك إلى وزيره "عرفان" وقائد حرسه "يمان"، وكانت ملامحه قد اكتست بجديةٍ حاسمة لم يعهداها من قبل. قال بنبرةٍ قاطعة: "أريد حراسة مضاعفة على الحدود الشمالية والغربية ابتداءً من هذه الليلة. انسخوا هذه الرسالة وشفروا تفاصيلها، وأرسلوا طيور الزاجل إلى حكماء جزيرة "برافوس" وإلى حلفائنا في مملكة "إندورال". ومملكة "أسترال". يجب أن يعلم الجميع أن السحر الذي حاط بأستاريا لم يعد أمراً داخلياً يخص قصرهم وحدها، بل هو بداية انهيارٍ لتوازن العالم بأكمله." اقتربت "عَفراء" بخطواتٍ بطيئة نحو الملك، ووضعت يدها الدافئة على يده التي كانت ما تزال تقبض بقوة على اللفافة الجلدية. نظرت في عينيه المليئتين بالهموم وقالت بصوتٍ هادئ ينبض بالحكمة: "يا حارث... إن السنديان لم تُبنَ على الخوف، والجذور التي غرسها أجدادنا في هذه الرمال القاسية لن تهتز بأول هبة رياح. قد تكون "أستاريا" قد سقطت في فخ الخيانة من الداخل، لكن قوتنا تكمن في وحدة شعبنا والعهد الذي قطعناه على أنفسنا لحماية أرضنا ورعايانا حتى آخر رمق." نظر إليها "حارث"، وشعر بررقة كلامها تعيد شيئاً من الطمأنينة إلى قلبه الثقيل. أومأ برأسه موافقاً، لكنه كان يعلم في قرارة نفسه أن المعركة القادمة لن تكون معركة سيوف ورماح في ساحات القتال المفتوحة فقط، بل معركة ضد خياناتٍ خفية وضلالاتٍ سحرية قد تتسلل من بين الشقوق لتلتهم كل ما بناه السلام عبر السنين.