القسم الرابع_ قاعة المجلس
حين أُغلقت أبواب قاعة المجلس خلف آخر الخارجين، ظلّ الصمت واقفًا في مكانه، كأن الرجال الذين غادروا تركوا ظلالهم معلّقة بين الأعمدة. لم يتحرك "حارث" فورًا. بقي عند رأس المائدة الطويلة، يحدّق في الرقعة الجلدية الممدودة أمامه، حيث رُسمت الممالك بخطوط داكنة، وتلوّت الطرق بينها كعروق قديمة تحت جلد العالم. كانت "السنديان" في شرق الخريطة، واسعةً بلون الرمل والذهب، غربها الصحراء من جهة، والطرق التجارية من جهة أخرى، وتفتح موانئها البعيدة على بحار لم يرها معظم أهلها قط. وضع الملك كفّه على طرف المائدة. كانت رسالة "أستاريا" لا تزال أمامه، مختومة بالشمع الأزرق، وقد فُتح ختمها منذ قليل، لكن الكلمات التي خرجت منها بدت كأنها لم تخرج بعد من القاعة. خيانة في الداخل. خطر يتحرك خلف أبواب لا يراها أحد. واجتماع عاجل في جزيرة السادة. لم تكن تلك الكلمات وحدها ما أثقل صدره، بل الطريقة التي نطقتها بها "سلامار". لم تكن رسولة مذعورة، ولا فتاة تحمل إشاعة من مملكة بعيدة؛ كانت تتحدث كمن رأى أول حجر يسقط من جدار ضخم، وعرف أن بقية الجدار ستتبعه. وقف "عرفان" على مسافة منه، ينتظر أمرًا لم يصدر. أما "يمان"، فكان قرب الباب، وقد شبك يديه خلف ظهره، بينما بقي "منذر" جالسًا في مكانه، يمرر إصبعه على ذقنه في صمت. وحده "رشاد" كان ما يزال يحدق في الرسالة، كأن حروفها تخفي شيئًا آخر لم يفهمه بعد. قال "حارث" دون أن يرفع عينيه: "كم نحتاج من الوقت للوصول إلى "برافوس"؟" أجاب يمان: "إن انطلقنا من الميناء الشرقي مع الفجر، ووجدنا الريح مواتية، نصل خلال أيام قليلة. أما الطريق البرّي إلى الساحل، فيحتاج إلى يومين على الأقل. رفع حارث رأسه: "لا أريد موكبًا ملكيًا." تبادل الرجال نظرات قصيرة. قال عرفان بحذر: "جلالتك، حضورك إلى اجتماع بهذا الحجم لا يمكن أن يكون خفيًا." — "لم أقل خفيًا. قلت بلا استعراض." ابتعد "حارث" عن المائدة، وسار نحو النافذة العالية. كانت المدينة تمتد أسفل القصر، وقد بدأت مصابيحها تُضاء واحدًا بعد آخر. من ذلك العلو بدت الشوارع هادئة، والأسواق التي ضجّت نهارًا بالبائعين والعابرين تستعد للنوم تحت سماء صافية. قال: "خمسون فارسًا، لا أكثر. رجال يعرفون الطريق، ولا يبطئوننا بالأعلام والموسيقى." قال يمان: "سأختارهم بنفسي." التفت إليه حارث: "وستبقى هنا." ظهر الاعتراض في وجه القائد قبل أن ينطقه: "جلالتك..." — السنديان تحتاج قائدها داخل أسوارها أكثر مما أحتاجه إلى جانبي في مجلس. تقدم "يمان" خطوة: "لكن وجودك خارج المملكة..." قاطعه "حارث" بصوت هادئ: "هو السبب ذاته الذي يجعلك تبقى." ساد صمت قصير. كان "يمان" رجل حرب، اعتاد أن يفهم الأوامر قبل أن تُشرح، لكنه في تلك اللحظة لم يُخفِ عدم رضاه. ومع ذلك، انحنى برأسه: "كما تأمر." أما منذر فقال: "ومن سيرافقك في المجلس؟" نظر "حارث" إلى عرفان: "أنت." رفع الوزير حاجبيه قليلًا، لكنه لم يتفاجأ. — لأنك تعرف لغة السادة أكثر مني، وتعرف متى تكون الكلمة أقوى من السيف. قال منذر: "وأنا؟" أجابه حارث: "ستبقى إلى جوار الملكة." تحرك شيء في عينَي "منذر"، شيء يشبه الفهم، أو القلق: "هل تتوقع خطرًا هنا؟" عاد "حارث" بنظره إلى المدينة: "لا أعرف بعد أين يكون الخطر. وهذه أكثر الإجابات التي أكرهها." لم يرد أحد. اقترب "رشاد" من الرسالة، ثم قال: "هنالك أمر آخر." التفتوا إليه. أشار إلى الشمع الأزرق المكسور: "الختم ليس ملكيًا فقط. داخله أثر لمادة نادرة، تُستخدم في "أستاريا" لحفظ الرسائل من العبث. لم أره منذ سنوات." سأله عرفان: "وما معنى ذلك؟" — يعني أن من أرسل الرسالة لم يكن يخشى ضياعها وحده... بل خاف أن تُفتح في الطريق. اتجهت أنظار الجميع إلى "سلامار"، التي كانت واقفة قرب العمود الأخير في القاعة. ظلت صامتة طوال حديثهم، متماسكة رغم آثار السفر على وجهها وثيابها. قال لها حارث: "هل اعترضك أحد في الطريق؟" أجابت بعد لحظة: "لم يعترضني أحد مواجهةً." — "لكن؟" — كنت أرى أثر فرسان خلفي منذ خروجي من حدود "أستاريا". لم يقتربوا، ولم يظهروا أنفسهم. أحيانًا كنت أجد آثار حوافر عند الفجر، ثم تختفي قبل الظهر. سأل يمان: "كم عددهم؟" — "لم أرهم بوضوح." — "وهل تعتقدين أنهم من "أستاريا"؟" خفضت "سلامار" عينيها إلى الرسالة: "لم أعد أعرف من يكون من "أستاريا"... ومن يعمل ضدها." ثقلت الجملة في القاعة أكثر من كل ما سبقها. اقترب حارث منها: "ستبقين في القصر الليلة. لا تتحركين خارجه إلا برفقة الحرس." قالت: "مهمتي لم تنتهِ، يا جلالة الملك." — "بل انتهت حتى تستعيدي قوتك." — "بقيت ممالك أخرى." نظر إليها "حارث" طويلًا، ثم قال: "ستغادرين حين تكونين قادرة على بلوغها، لا حين تكونين قادرة على السقوط في منتصف الطريق." بدت كأنها ستجادله، لكنها تراجعت. أشار "حارث" إلى أحد الحراس: "خذوها إلى جناح الضيوف. طعام، ماء، وطبيب إن احتاجت." انحنت "سلامار". وقبل أن تستدير، قال حارث: "أخبري ملكتك، حين ترينها، أن "السنديان" سمعت النداء." رفعت عينيها إليه: "وهل أقول لها إنك ستأتي؟" نظر إلى الخريطة مرة أخيرة: "قولي لها إن "حارث" لن يرسل ظلّه إلى مجلس يقرر مصير الممالك." بعد خروج "سلامار"، أصدر الملك أوامره الأخيرة، ثم أنهى المجلس. غادر "رشاد" أولًا وهو يحمل ملاحظاته تحت ذراعه، وتبعه "منذر" بعد أن تلقى تعليمات بإبقاء أعين القصر مفتوحة على الطرق والأسواق. أما "يمان" فتوقف عند الباب، كأنه يريد أن يقول شيئًا، لكنه اكتفى بنظرة طويلة إلى الملك قبل أن يخرج. بقي "عرفان" وحده. قال الوزير: "كنت تعرف أنك ستذهب منذ أن سمعت اسم جزيرة السادة." — "نعم." — "فلماذا أبقيتنا نتحدث كل هذا الوقت؟" ابتسم "حارث" ابتسامة خافتة: "لأتأكد أنني لا أذهب لأنني غاضب." — "وهل أنت غاضب؟" — "أكثر مما ينبغي لملك أن يكون." اقترب "عرفان" من الخريطة: "الخيانة داخل أستاريا ليست مشكلتنا وحدها، لكنها قد تصبح مشكلتنا بسرعة." — "كل نار تبدأ في بيت شخص آخر." — "وبعض الملوك ينتظرون حتى تصل إلى ستائرهم." نظر "حارث" إليه: "وأنا لست واحدًا منهم." هز "عرفان" رأسه: "أعرف." سارا معًا نحو الباب، لكن الوزير توقف قبل الخروج: "هل أخبرت الملكة؟" صمت "حارث". ابتسم "عرفان" بحذر: إذن لم تخبرها بعد." — "علمنا بالرسالة منذ ساعة واحدة." — "والملكة "عفراء" تعرف وجهك منذ سنوات. قد تكون عرفت قبل أن تتخذ القرار." لم يجب الملك. انحنى الوزير وغادر. خرج الملك من القاعة إلى الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الملكي. كان القصر قد بدأ يتحول من صخب النهار إلى سكينة الليل. الخدم يطفئون بعض المشاعل ويشعلون أخرى، والحرس يبدّلون مواقعهم عند الأبواب. بينما تسللت من الحدائق رائحة التراب الرطب وأوراق السنديان. مشى "حارث" ببطء، من غير حرس هذه المرة. مرّ بساحة داخلية صغيرة تتوسطها شجرة سنديان ضخمة، أقدم من القصر نفسه. كانت فروعها تمتد فوق الجدران، وتلقي ظلالًا متشابكة على الحجارة البيضاء. تحتها كان ثلاثة أطفال يركضون في دوائر، يحمل أحدهم غصنًا كأنه سيف، بينما استخدم الآخر غطاء جرّة قديمًا كدرع. كانت امرأة تجلس قرب الباب تراقبهم، وقد بدا من ثيابها أنها زوجة أحد جنود الحرس. حين رأت الملك، نهضت مذعورة، ونادت الأطفال. توقفوا في أماكنهم. رفع الصغير الذي يحمل الغصن سيفه الخشبي، ثم أخفاه خلف ظهره. قال حارث: "من المنتصر؟" نظر الأطفال إلى بعضهم. قال أحدهم: "أنا." اعترض الثاني: "هو يغش." أما الثالث فقال: "لم تبدأ الحرب أصلًا." ضحك "حارث" رغم ما في صدره. اقترب من الطفل الثالث: "وهذه حكمة نادرة." ثم التفت إلى أمهم: "دعيهم يلعبون." انحنت المرأة، وبقي الأطفال يراقبونه حتى غادر الساحة. لكنه بعد أن تجاوزهم، خفتت ابتسامته. لم يكن يعرف أسماءهم، ولا يعرف أي جنود هم آباؤهم، لكنه عرف فجأة لماذا أثقلته الرسالة. لم تكن الممالك خطوطًا على الخرائط. كانت هذه الوجوه الصغيرة. وكانت الحرب، مهما بدأت بعيدًا، تجد دائمًا طريقها إلى الأطفال. عند باب جناح الملكة، وجد وصيفتها واقفة تنتظره. انحنت وقالت: "الملكة في الشرفة، يا مولاي." — "هل تناولت عشاءها؟" ترددت الوصيفة: "قليلًا." عرف من نبرتها أن "عفراء" كانت تنتظره. دخل وحده. كان الجناح مضاءً بمصابيح صغيرة موزعة قرب الجدران. تحركت الستائر البيضاء مع النسيم، وانعكس ضوء القمر على الأرض الرخامية. لم يرَ الملكة في الغرفة، لكنه سمع صوتها من الشرفة. كانت تقف عند الحاجز الحجري، ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلون الليل، وشعرها منسدل على كتفيها. وضعت يدًا على بطنها، بينما استندت بالأخرى إلى الحافة. لم تلتفت حين دخل. قال حارث: "كان عليك أن ترتاحي." أجابت: "وكان عليك أن تأتي منذ ساعة." اقترب منها، لكنه لم يحاول الدفاع عن نفسه: "المجلس طال." — "المجالس تطول حين تكون الأخبار سيئة." وقف إلى جوارها. من الشرفة بدت المدينة أوسع، ومصابيحها كنجوم صغيرة سقطت على الأرض. في البعيد، كانت أبراج الحراسة ترفع نيرانها فوق الأسوار.