القسم الخامس_ ليلة الوعد
قالت عفراء: "وصلتني أخبار الرسولة قبل أن تصل أنت." رد حارث: "القصر لا يعرف كيف يحتفظ بسر." قالت: "القصر يحتفظ بالأسرار. الناس هم الذين لا يفعلون." نظر إليها، لكنها استمرت في تأمل المدينة. سأل: "ماذا سمعتِ؟" — "أن امرأة من "أستاريا" وصلت منهكة. وأنها حملت رسالة مختومة. وأن "يمان" أمر بمضاعفة الحراسة عند البوابات." — "نصف القصر يبالغ، والنصف الآخر يتجسس." — "وأي نصف قال إنك سترحل؟" لم يجب. التفتت إليه أخيرًا. لم يكن في عينيها غضب، بل شيء أثقل: يقين كانت تتمنى أن يكون خاطئًا. قالت: "ستذهب إلى جزيرة السادة." —" نعم." خفضت نظرها: "متى؟" — "بعد يومين." — "بعد يومين فقط؟" — "كلما تأخرنا، سبقتنا الأخبار أو سبقتنا الأكاذيب." ابتعدت عن الحافة وسارت نحو الداخل. تبعها "حارث". جلست على المقعد القريب من النافذة، ثم وضعت كفيها فوق بطنها. جلس أمامها، ولم يمد يده إليها بعد. قالت: "كلما غادرتَ القصر، يخبرني الجميع أنك ملك قبل أن تكون زوجًا." — "لأنهم لا يعرفون كيف يواسونك." — "وهل تعرف أنت؟" صمت. نظرت إليه عفراء طويلًا: "كنت أعرف أنك ستذهب قبل أن تدخل. رأيت القرار في وجهك." قال حارث: "لو أرسلت "عرفان" وحده، فلن يسمع المجلس "السنديان" كما يجب." — "أو ربما يسمعها، لكنك لا تثق بأن أحدًا يستطيع الكلام بصوتك." — "ليس الأمر كذلك." — "بل هو كذلك قليلًا." لم يستطع إنكار ذلك، فمال إلى الخلف وتنفس ببطء. قالت عفراء: "أنا لا أطلب منك أن تبقى." رفع عينيه إليها: "أعرف." — "لكنني أريدك أن تعرف أن الخوف ليس ضعفًا." —"لم أقل إنه ضعف." — "لا، لكنك تنظر إليه كشيء يجب إخفاؤه." تحركت يدها فوق بطنها، كأن الطفل استجاب لصوتها. اقترب "حارث" قليلًا: "هل تحرك؟" نظرت إليه: "منذ أن دخلت." ركع أمامها، ووضع كفه برفق على موضع يدها. انتظر. مرّت لحظات، ثم شعر بحركة خفيفة تحت راحته. تغير وجهه كله. ابتسمت عفراء: يبدو أنه لا يحب الاجتماعات أيضًا." قال "حارث" بصوت خافت: "أو يريد الذهاب معي." — "لن يذهب إلى أي مكان." رفع رأسه إليها: "عنيد مثلك." — "سيحتاج العناد إن كان سيولد ابنًا لملك يطارد الأخطار في الجزر." عاد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا ثقيلًا هذه المرة. قال "حارث" وهو ما يزال واضعًا يده على بطنها: "لا أعرف إن كان ولدًا أم بنتًا." —"أنت تناديه ولدًا منذ أشهر." — "لأن "يمان" أقنعني أن الممالك تحتاج وريثًا." — "ويقول" منذر" إن البنات أكثر ذكاءً." — "منذر يقول ذلك لأنه يخاف النساء الحكيمات." ضحكت "عفراء"، ثم خفت ضحكها سريعًا. مدّت يدها ولمست وجهه: "هل الخطر قريب؟" لم يجب فورًا. قالت: "لا تجبني كملكة. أجبني كزوجتك." أمسك يدها: "لا أعرف." ظهر الألم في عينيها، لكنه تابع: "وهذا ما يدفعني إلى الذهاب. لو كنت أعرف أن الخطر بعيد، لبقيت. ولو عرفت أنه قريب، لاستعددنا له. لكننا نقف بين الاثنين، وهذه أسوأ أرض يمكن لملك أن يقف عليها. سألته: "وما الذي قالته الرسالة؟" —"إن هناك خيانة داخل "أستاريا". وإنهم يطلبون حضور الممالك إلى اجتماع عاجل." — "ومن سيحضر؟" — "ماوية" على الأرجح. وممثل عن مملكة الألف. وربما غيرهم." تأملت وجهه: "وهل تثق بأهل "برافوس"؟" — "لا أثق بجزيرة يعيش أهلها من معرفة أسرار الآخرين." — "ومع ذلك ستذهب." — "لأن من يخشى العيون لا يدخل مجلسًا سياسيًا." — "ومن لا يخشاها قد يفقد ظهره." ابتسم حارث: "لهذا تزوجتك." — "ظننت أنك تزوجتني لأنني جميلة." — "كان ذلك السبب الأول." رفعت حاجبها. — "والأخير أيضًا." ضحكا معًا، لكن الضحكة بدت قصيرة أمام ما ينتظرهما. نهض حارث وجلس إلى جوارها. قالت عفراء: "هل ستعود قبل الولادة؟" كانت الجملة بسيطة، لكن "حارث" شعر بثقلها. نظر إلى بطنها، ثم إلى وجهها: "سأعود." —"لم أسألك إن كنت ترغب في العودة." — "وأنا لم أجب برغبة." —" الرحلات لا تحترم وعود الملوك." — "إذن سأجبرها على احترام وعدي." هزت رأسها: "لا تقدم لي وعدًا لا تملكه." فكر قليلًا، ثم أمسك بيديها معًا: "أملك أن أبذل كل ما أستطيع للعودة. وأملك ألّا أتأخر يومًا واحدًا دون ضرورة. وأملك أن أتذكر، في كل مجلس وكل طريق، أن هنا امرأة تنتظرني وطفلًا لم أرَ وجهه بعد." سكنت ملامحها. قال: "وهذا وعد أملكه." ظلت تنظر إليه، ثم اقتربت وأسندت جبهتها إلى جبهته: "إذن أقبله." أغمض حارث عينيه. في تلك اللحظة لم يكن ملك السنديان، ولا الرجل الذي سيجلس بين حكام الممالك، ولا صاحب القرار الذي قد يغيّر مصير آلاف الناس. كان زوجًا يخاف أن يترك بيته. وأبًا لم يولد طفله بعد. قالت "عفراء" بصوت خافت: "حين كنت صغيرة، كانت أمي تقول إن الرجال يرحلون لأن العالم يناديهم، والنساء يبقين لأن البيوت تناديهن." فتح عينيه: "وهل كنت تصدقينها؟" — "كنت أظنها حكمة. ثم كبرت وعرفت أنها ذريعة اخترعها الرجال." ابتسم: "وماذا تقولين أنت؟" — "أقول إن البيت لا يقل خطرًا عن العالم. وإن من يبقى يحتاج شجاعة مختلفة." أومأ حارث: "لهذا سأترك المملكة بين يديك." ابتعدت عنه قليلًا: "بين يديّ؟" — "منذر سيهتم بالمجلس، ويمان بالجيش، وعرفان سيكون معي. لكن القصر والناس يحتاجون من يشعرون أنه حاضر بينهم." — "أنا حامل يا حارث، لا غائبة العقل." —" لم أقل غير ذلك." — "وستصدر أوامرك لي قبل أن تذهب، أليس كذلك؟" — "كنت سأطلب فقط..." قاطعته: "لا تخرجي إلى الحدائق وحدكِ. لا تستقبلي وفودًا كثيرة. لا تتعبي نفسكِ. لا تقفي طويلًا. لا تتنفسي دون إذن يمان." ضحك حارث: "كنت سأقول: لا تثقي بأحد يدخل القصر فجأة." اختفت ابتسامتها: "هل تخشى شيئًا؟" — "أخشى أن الرسالة لم تكن وحدها على الطريق." ثم أخبرها عن آثار الفرسان التي تبعت "سلامار." استمعت بصمت. قالت بعد أن انتهى: "وهل يمكن أن يكونوا خلفها الآن؟" — "يمان سيضاعف الحراسة." — "الحراسة تمنع السيوف. لا تمنع السم ولا الكلام." نظر إليها بإعجاب صامت. ثم قالت: "لا تنظر إليّ هكذا. أنا ابنة قصر أيضًا." — "لهذا سأطمئن عليك رغمًا عني." — "وهذا سبب خوفي عليك رغمًا عني." تأخر الليل. تناولا عشاءهما معًا، وإن لم يأكل أي منهما كثيرًا. تحدثا عن أشياء صغيرة عمدًا: غرفة الطفل، والاسم الذي لم يتفقا عليه، وشجرة السنديان الصغيرة التي أمرت "عَفراء" بزراعتها في الحديقة يوم علمت بحملها. قال "حارث" إن اسمًا قويًا يليق بوريث المملكة. وقالت "عفراء" إن الأسماء القوية غالبًا ما تثقل أصحابها. اقترح ثلاثة أسماء، رفضتها كلها. ثم اقترحت اسمًا، فضحك منه. أقسمت أنها ستطلقه على الطفل إن تأخر عن الولادة. وحين هدأ الحديث، عادت الحقيقة وجلست بينهما من جديد. عند منتصف الليل، خرجا إلى الشرفة. كانت السماء صافية، لكن الريح تغيرت. لم تعد دافئة كما كانت عند الغروب، بل حملت برودة غريبة من جهة الشرق. رفع "حارث" رأسه إلى النجوم. قالت عفراء: "ما الذي تنظر إليه؟" —" لا شيء." — "منذ متى ينظر الملوك إلى لا شيء بهذه الجدية؟" أشار إلى مجموعة من النجوم قرب الأفق: "كانت أوضح في طفولتي." نظرت حيث أشار: "ربما ذاكرتك هي التي كانت أوضح." — "ربما." هبّت الريح فجأة، فتحركت أغصان السنديان في الحدائق كلها دفعة واحدة. لم يكن الصوت مرتفعًا، لكنه بدا كهمس بعيد يمر من شجرة إلى أخرى. ضمّت "عفراء" ذراعيها حول جسدها. قال حارث: "ادخلي، الجو بارد." — "وأنت؟" — "سألحق بك." ترددت، ثم عادت إلى الداخل. بقي وحده. أسند يديه إلى الحاجز ونظر إلى المدينة. في مكان ما تحت تلك الأسطح، كان الناس ينامون دون أن يعرفوا أن ملكهم سيغادر بعد يومين. وفي الطرق المؤدية إلى الصحراء، كانت القوافل تتحرك كعادتها. في مملكة البدو، كانت القبائل تعيد رسم مصيرها دون أن تعلم "السنديان" بما يجري بينها. وفي غابات الألف، ربما كانت عيون أخرى تراقب اضطراب العالم. أما في "أستاريا"، فكانت الخيانة قد فتحت بابًا لا يعرف أحد إلى أين يؤدي. لم يكن "حارث" يرى تلك الأحداث، لكنه شعر بها. شعر أن العالم لم يعد ساكنًا كما بدا. وأن كل مملكة بدأت تتحرك في الوقت نفسه، وإن لم تدرك الممالك الأخرى ذلك بعد. عاد إلى الداخل. وجد "عفراء" قد تمددت، لكنها لم تنم. اقترب وجلس قربها. فتحت عينيها: "ظننت أنك ستظل على الشرفة حتى الصباح." —" فكرت في ذلك." — "ثم؟" استلقى إلى جوارها: "تذكرت أنني وعدت بالعودة، ولم أغادر بعد." ابتسمت، وأغلقت عينيها. وضع يده فوق يدها، وبقي يصغي إلى أنفاسها حتى انتظمت. أما هو، فلم ينم سريعًا. ظل ينظر إلى السقف، ويستعيد كلمات الرسالة، ووجه "سلامار"، والخريطة فوق مائدة المجلس، وآثار فرسان مجهولين على طريق "أستاريا". وقبيل أن يغلبه النعاس، سمع الريح تعود إلى أغصان "السنديان". هذه المرة لم تبدُ كهمس. بدت كتحذير. لكن "حارث" لم يفهمه بعد.