ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 17: العين و النار_ القسم الأول

العين و النار

القسم الأول____________________________________________

كانت السيارة تقود بنا في طريق طويل خارج العاصمة، طريق يكاد يخلو من الناس، ممتد تحت شمس حادة كأنها أقرب إلينا من المعتاد. كنت أراقب الطريق من النافذة بصمت. لم أعد أسأل كثيرًا إلى أين نذهب، فقد أصبحت الانتقالات جزءًا مألوفًا من حياتنا. كلما اعتدت على مكان جاء مكان آخر. وكلما حفظت شارعًا جديدًا وجدت نفسي أودعه بعد فترة. لذلك جلست هذه المرة أراقب فقط، وكأنني أترك الطريق يروي حكايته بنفسه. كلما ابتعدنا أكثر عن بغداد، بدأت المباني تتناقص شيئًا فشيئًا، وبدأت المساحات الفارغة تكبر. كنت أنظر من النافذة بصمت، أراقب الأرض الممتدة على الجانبين، وأشعر أن المدينة التي عشنا فيها السنوات الماضية تتراجع خلفنا ببطء كما تراجعت قبلها قضاء "الصواري" وناحية "الجوادين“. لم تكن هناك ظلال كافية، ولا أشجار تحجب الضوء، فقط أرض مفتوحة، وغبار يتصاعد مع حركة السيارة ويلتصق بوجوهنا وملابسنا. كان الغبار يدخل من النوافذ مهما حاولنا إغلاقها. يلتصق بالشعر والملابس والأيدي، حتى إننا كنا نمسح وجوهنا بين حين وآخر دون فائدة كبيرة. وكلما مرت السيارة فوق حفرة أو جزء غير معبد من الطريق ارتفعت خلفها سحابة جديدة كأنها تلاحقنا منذ مغادرتنا بغداد. كان الهواء ساخنًا وثقيلًا، حتى إن "وسام" قال وهو يضيق عينيه من الشمس: "أين نحن ذاهبون؟" ضحكت "سهام" وقالت مازحة: "يمكن راح نسكن بالشمس نفسها." لم نضحك طويلًا. كان الطريق أطول مما توقعت، والحرارة تزداد مع كل دقيقة، حتى شعرت أن الزمن نفسه يذوب ببطء. والتعب أقوى من المزاح. ساعات الطريق الطويلة جعلتنا أكثر هدوءًا من المعتاد. حتى وسام الذي لا يتوقف عادة عن الكلام جلس فترة طويلة ينظر من النافذة دون أن يقول شيئًا. أما أنا فكنت مشغولًا بالأرض الممتدة حولنا، أحاول أن أتخيل شكل الحياة في المكان الذي نسير نحوه. كانت السيارة تهتز فوق بعض المقاطع الترابية، ويصعد الغبار خلفها كسحابة طويلة تلاحقنا. أحيانًا كنت أغمض عيني للحظات من شدة الضوء، ثم أفتحهما من جديد لأراقب المشهد نفسه يتكرر؛ أرض، سماء، طريق، ثم أرض أخرى. لم أكن أفكر كثيرًا بالبيت الجديد. كنت أفكر أكثر بما تركناه خلفنا. المدرسة. المخبز. الشارع. بيت جدي. وحيدر. أسماء وأماكن بدأت تبتعد عنا مع دوران عجلات السيارة. بعد ما يقارب أربع ساعات، وصلنا إلى بيتٍ يقع على زاوية في حي سكني هادئ. كان النهار ما يزال مشتعلًا بحرارته. أول ما لفت انتباهي هو الهدوء. لم يكن هدوء القرى التي عرفتها سابقًا، ولا ضجيج العاصمة الذي اعتدناه في السنوات الأخيرة. كان شيئًا بين الاثنين. أصوات بعيدة ومتفرقة، وشوارع لا تتحرك فيها السيارات باستمرار، ومساحات فارغة ما تزال تنتظر من يسكنها. نزلنا من السيارة ونحن نحاول أن نمدد أجسادنا بعد ساعات طويلة من الجلوس. شعرت أن الغبار دخل في كل شيء؛ في الملابس، وفي الشعر، وحتى في الفم. لم يكن البيت كبيرًا، مساحته تقارب المئة متر، غرفة نوم وصالة ومطبخ وملحقات بسيطة، مع كراج لسيارة صغيرة، وعلى الجانب الأيمن ممر مكشوفة بحجم مترين كان يوجد باب، لغرفة داخلية، وشباك يفتح على الخارج. كانت هذه الغرفة محل أسواق صغير. وقفت أتأمل المكان. لم يكن جميلًا بصورة خاصة. ولم يكن سيئًا أيضًا. كان مجرد بيت جديد آخر. بيت إضافي في سلسلة البيوت التي عبرناها خلال سنوات قليلة. لكن شيئًا ما فيه جذب انتباهي منذ اللحظة الأولى. ربما بسبب ذلك المحل الصغير الملتصق بالبيت. أو بسبب الشباك المطل على الشارع. أو بسبب هدوء المنطقة الغريب. لا أعرف. أنزلنا الأثاث وبدأنا ترتيبه. وكما يحدث في كل انتقال، بدأ البيت يتغير تدريجيًا مع دخول أغراضنا إليه. الصناديق في البداية، ثم الفرش، ثم الملابس، ثم التفاصيل الصغيرة التي تجعل المكان يبدو مأهولًا. كنت أراقب ذلك التحول في كل مرة، وأشعر أن البيوت تشبه الأشخاص؛ تحتاج بعض الوقت قبل أن تكشف ملامحها الحقيقية. كنا نتحرك طوال اليوم، نغيّر أماكن الأشياء، نحاول أن نصنع من المكان الجديد شيئًا يشبه بيتًا. كانت أمي تفتح الصناديق واحدًا تلو الآخر. وأبي ينقل الأثاث. ونحن نركض بين الغرف نحمل الأشياء الصغيرة. بدأ المكان يتغير تدريجيًا مع دخول أغراضنا إليه. البيت الفارغ دائمًا يبدو غريبًا. لكن حين تدخل إليه أصوات العائلة وملابسها وأثاثها يبدأ باكتساب ملامحه الخاصة. بقينا على هذا الحال أقل من أسبوعين، حتى جاء يوم لم يكن يشبه ما قبله. في البداية بدت الأيام عادية. استيقاظ، ترتيب، تعرّف على الشوارع القريبة، ومحاولة حفظ ملامح المنطقة الجديدة. لم يكن هناك ما يوحي بأن شيئًا مختلفًا ينتظرنا. كانت الحياة تبدو وكأنها بدأت أخيرًا تهدأ بعد سنوات من التنقل المستمر. في سنة 2000، لم يكن الانتقال إلى "ضاحية النهروان" يشبه انتقالاتنا السابقة. لم يكن هروبًا مفاجئًا من ضيق، ولا بيعًا سريعًا تحت ضغط، بل كان أشبه بمحاولة أخيرة لترتيب الفوضى التي تراكمت في سنوات قليلة. كنت أرى ذلك في عيون أبي وأمي أكثر من أي شيء آخر. لم يعودا يبحثان عن بيت مؤقت أو حل سريع. كانا يبحثان عن نهاية لسلسلة طويلة من الانتقالات. عن مكان يمكن أن نقول عنه أخيرًا: هذا بيتنا. كنت أكبر الآن من الطفل الذي غادر الصواري. وأصغر من أن أفهم كل ما يحدث حولي بالكامل. لكنني كنت أشعر بالتعب الذي تحمله العائلة كلها. تعب التنقل. وتعب البداية من جديد. وتعب انتظار الاستقرار الذي يبدو قريبًا دائمًا، ثم يبتعد مرة أخرى. الطريق باتجاه شمال شرق العاصمة. بدا أطول مما توقعت، ليس لأن المسافة بعيدة، بل لأنني كنت أشعر أننا نحمل معنا كل البيوت التي تركناها، وكل الأبواب التي أُغلقت خلفنا دون أن نفهم تمامًا لماذا. كنت أحيانًا أتساءل كيف تستطيع الذكريات أن تنتقل معنا. البيت يبقى في مكانه. والشارع يبقى في مكانه. والناس يبقون في أماكنهم. لكن شيئًا منهم يعلق بنا ويواصل الرحلة. "ضاحية النهروان" لم تكن مدينة مكتملة، ولم تكن قرية خالصة. كانت منطقة معلّقة بين الاثنين، بساتين تمتدّ هنا وهناك، أراضٍ لم تُبْنَ بعد، طرق نصف معبّدة، وبيوت تظهر فجأة ثم تختفي خلف سور ترابي أو شجرة يابسة. كل شيء بدا وكأنه في منتصف الطريق نحو شيء آخر. لا هو قديم بالكامل. ولا جديد بالكامل. حتى الشوارع نفسها كانت تبدو وكأنها لم تقرر شكلها النهائي بعد. الهواء هناك مختلف؛ لا هو ضجيج العاصمة، ولا هو صمت "ناحية الجوادين“. شيء بينهما، كأن المكان نفسه لم يحسم هويته بعد. وأنا أيضًا… لم أكن قد حسمت هويتي بعد. وربما لهذا السبب شعرت نحوه بفضول غريب منذ الأيام الأولى. كان يشبه كثيرًا من الأشياء التي مررنا بها؛ لا هو مكتمل تمامًا ولا ناقص تمامًا، لا هو بداية خالصة ولا نهاية واضحة. مكان يقف في المنتصف، كما لو أنه ينتظر شيئًا سيحدث لاحقًا. وحين وقفت أمام البيت في مساء ذلك اليوم، والسماء بدأت تميل نحو لون الغروب، شعرت بإحساس غريب مرّ داخلي للحظة. إحساس لم يكن خوفًا. ولم يكن راحة. كأن المكان ينتظر شيئًا. أو كأننا نحن الذين كنا ننتظر شيئًا دون أن نعرفه بعد. في ذلك الوقت لم أكن أملك أي فكرة عمّا تخبئه لنا النهروان. لكنني كنت أشعر، للمرة الأولى منذ سنوات، أن هذه الرحلة لن تشبه ما سبقها. في هذا الحي، كانت تسكن عائلة من أقرباء أبي في نهاية الشارع. كانت المنطقة ما تزال جديدة علينا. لم نكن قد حفظنا أسماء جميع الجيران بعد، لكن وجود أقارب لأبي في الشارع نفسه منح أمي شيئًا من الراحة. ففي كل انتقال جديد كان أصعب ما نواجهه هو الإحساس بالغربة، أما هنا فكان هناك على الأقل وجه مألوف يمكن رؤيته بين الحين والآخر. كلما أرادت "أم مسعود" الذهاب إلى السوق. كانت تمر من أمام بيتنا، لأن بيتنا يقع في منتصف الطريق المؤدي إلى الشارع الرئيسي، حيث تقف سيارات الجيب التي تنقل الناس. كان الشارع الرئيسي يمثل شريان الحياة للمنطقة كلها تقريبًا. منذ الصباح الباكر تبدأ حركة الناس نحوه؛ موظفون، طلاب، نساء يحملن أكياس التسوق، ورجال ينتظرون وسيلة تنقلهم. أما شارعنا فكان أكثر هدوءًا، لذلك كنا نعرف معظم من يمر فيه مع مرور الأيام. في ذلك اليوم، وفي وقت الظهر، كانت أمي قد انتهت من إعداد الطعام، ولم يبقَ سوى الخبز. عجنت العجين وأشعلت التنور الحديدي في المساحة المكشوفة داخل البيت، وبدأت تخبز. كانت رائحة الخبز الساخن تملأ المكان كله. من أكثر الروائح التي أحببتها في طفولتي. كانت كافية لتجعل البيت يبدو أكثر دفئًا وحياة مهما كانت الظروف من حولنا. حتى ونحن ما زلنا نرتب أغراضنا ونحاول التأقلم مع المكان الجديد، كانت تلك الرائحة تمنح شعورًا بأن البيت بدأ يصبح بيتًا فعلًا. بينما كانت منشغلة، مرت "أم مسعود“. توقفت عند الباب لتحيي أمي، لكن كلماتها جاءت سريعة، دون تمهيد، وكأنها خرجت منها مباشرة: "ما شاء الله… أنتم أكملتم ترتيب البيت خلال أسبوع!“ أنا احتجت شهر كامل. أتذكر أن أمي ابتسمت ابتسامة قصيرة وهي تسمع الكلام. فقد كانت الأيام الماضية مرهقة جدًا. نقل الأثاث، وترتيب الأغراض، وتنظيف المكان، ومحاولة إعادة الحياة إلى بيت جديد للمرة التي فقدنا عدّها. لذلك بدا كلام أم مسعود وكأنه ملاحظة عادية بين جارتين تتبادلان الحديث في منتصف النهار. بقيت فترة ثم غادرت. لم يكن في المشهد كله ما يدعو للقلق. ظهر عادي من أيام الصيف، وأحاديث عادية، وخبز يُخبز في التنور كما يحدث في بيوت كثيرة. لو أخبرني أحد وقتها أن دقائق قليلة فقط ستفصل بين ذلك الهدوء وبين ما سيحدث بعده لما صدقته. لم تمضِ سوى لحظات قليلة. اشتعل التنور فجأة بشكل غير طبيعي. ارتفع اللهب بسرعة، كأنه وجد شيئًا يلتهمه. خلال ثوانٍ، امتدت النار إلى أسطوانة الغاز القريبة، فاشتعلت هي الأخرى، وبدأ اللهب يعلو بشكل مخيف. صرخ أحدهم. كان أول ما أرعبني هو سرعة النار. لم أكن أعرف أن النار تستطيع أن تكبر بهذه الطريقة خلال ثوانٍ معدودة. قبل لحظة كان هناك تنور وخبز، وبعد لحظة أصبح هناك جدار من اللهب يتحرك أمام أعيننا. لم يمنحنا الوقت لنفهم أو نفكر أو نستوعب ما يجري. بدأت النار تأكل كل ما في المساحة المكشوفة. كانت هناك أسطوانات غاز أخرى، وصناديق مليئة بالملابس وأغراض لم نفتحها بعد. كل شيء اشتعل بسرعة، وكأن المكان كان ينتظر شرارة واحدة فقط. كانت بعض الأغراض ما تزال داخل الصناديق منذ انتقالنا الأخير. ملابس، وأشياء منزلية، وذكريات صغيرة انتقلت معنا من بيت إلى آخر. رأيتها تختفي وسط الدخان والنار دون أن أستطيع فعل شيء. كنت صغيرًا أكثر من أن أساعد، وكل ما استطعت فعله هو الوقوف ومشاهدة المشهد بعجز كامل. لم أفهم ما حدث. كل شيء كان طبيعيًا قبل لحظات. ثم فجأة… صار كل شيء نارًا. ارتفعت النار بسرعة لم نكن مستعدين لها، وانتشرت في المساحة المكشوفة كأنها تعرف طريقها مسبقًا. إلى اليوم ما زلت أتذكر ذلك التحول المفاجئ. تلك اللحظة التي ينقسم فيها الوقت إلى قسمين؛ قبلها كان كل شيء طبيعيًا، وبعدها لم يعد شيء طبيعيًا. كأن النهار نفسه انقلب خلال ثوانٍ من هدوء عادي إلى مشهد لا يشبه إلا الكوابيس. خلال لحظات، تحوّل المكان إلى فوضى كاملة؛ أصوات صراخ، حركة غير مفهومة، وكل واحد يحاول أن يفعل شيئًا دون أن يعرف ما هو الصحيح. بعضهم كان يحمل الماء، وبعضهم يصرخ بالتعليمات، وبعضهم يحاول إبعاد ما يمكن إنقاذه من الأغراض. كانت الحركة سريعة وعشوائية في الوقت نفسه. الجميع يريد المساعدة، لكن النار كانت أسرع من الجميع. جاء الجيران بسرعة. كان ذلك أول موقف أشعر فيه بقوة الجيرة الحقيقية. لم ينتظر أحد أن يُطلب منه المساعدة. بمجرد أن رأوا الدخان والنار بدأوا بالركض نحو بيتنا. رجال ونساء خرجوا من بيوتهم بسرعة، وكل واحد منهم يحاول أن يقدم ما يستطيع. وسط الخوف والفوضى، بقي هذا المشهد عالقًا في ذاكرتي؛ مشهد الناس وهم يهرعون لمساعدة بعضهم دون تردد. فتحوا مضخات الماء من بيوتهم المجاورة، وامتدت الخراطيم عبر الأرض حتى وصلت إلى بيتنا. كانت المياه تتدفق بقوة فوق الأرض بينما الدخان يرتفع نحو السماء. اختلطت رائحة الاحتراق بالماء والتراب والحديد الساخن. ووقفت أراقب كل ذلك وأنا أشعر بأن البيت الذي وصلنا إليه قبل أيام قليلة فقط يخوض أول اختبار حقيقي له أمام أعيننا.