القسم الثاني
كان الماء يتدفق بقوة، يضرب النار ويعود بخارًا ساخنًا في الهواء. لم أكن قد رأيت حريقًا حقيقيًا من قبل بهذه القرب. كنت أسمع صوت الماء وهو يصطدم باللهب، وأرى البخار يتصاعد فجأة ثم يختفي وسط الدخان. كان المشهد كله أكبر من قدرتي على الفهم. جزء مني يريد الهرب إلى داخل البيت، وجزء آخر لا يستطيع أن يبعد عينيه عما يحدث. في تلك اللحظة، كان وجود الكهرباء نعمة حقيقية، لأن كل شيء كان يعتمد عليها. لم أكن أفكر وقتها بالتفاصيل التقنية أو أسباب الخطر، لكنني كنت أرى القلق في وجوه الكبار. ذلك النوع من القلق الذي يجعل الجميع يتحرك بسرعة ويتكلم بسرعة وينظر في أكثر من اتجاه في الوقت نفسه. كنت أشعر أن خطأً واحدًا فقط قد يجعل الأمور أسوأ بكثير. أمي كانت تصرخ، لا أعرف على من تحديدًا.على النار، أم علينا، أم على كل شيء. كانت تلك المرة من المرات النادرة التي أراها فيها بهذا القدر من الارتباك. اعتدت أن أراها قوية حتى في أصعب الظروف، لكن النار كانت شيئًا مختلفًا. كانت ترى البيت والأثاث والأشياء التي جمعتها العائلة كلها مهددة أمام عينيها، ولم يكن بوسعها أن تفعل الكثير سوى الصراخ والدعاء والتحذير. أخواتي يبكين، وأبي يحاول أن يتحدث مع الرجال بصوت مرتفع ليُسمع وسط الضجيج. إخوتي يركضون من مكان إلى آخر، دون اتجاه واضح. كنا جميعًا نفعل أشياء بلا تفكير حقيقي. مجرد ردود أفعال سريعة. ننظر إلى الكبار ثم نتحرك، ننظر إلى النار ثم نتراجع، ننظر إلى الدخان ثم نبحث عن مكان آخر نقف فيه. كانت الفوضى أكبر من أن يفهمها طفل في ذلك العمر. الأصوات كانت متداخلة: — اتصلوا بالإطفاء! — اسحبوا الأسطوانة! — ابتعدوا! كل شخص يقترح شيئًا، وكل اقتراح يبدو عاجلًا، لكن لا أحد يملك وقتًا للتفكير. حتى الدقائق بدت مختلفة في ذلك اليوم. مرت بسرعة شديدة، ومع ذلك أشعر وأنا أتذكرها الآن أنها كانت طويلة جدًا. بعض اللحظات الخائفة تفعل ذلك؛ تجعل الزمن يجري ويتباطأ في الوقت نفسه. تجمّع الناس في الشارع. رجال، نساء، أطفال. بعضهم يساعد، وبعضهم يراقب، وبعضهم يصرخ فقط. كنت أرى وجوهًا لم أكن أعرف أسماءها بعد. جيرانًا لم يمضِ على معرفتنا بهم سوى أيام قليلة. ومع ذلك كانوا يقفون معنا وكأنهم يعرفوننا منذ سنوات. بعضهم كان يحمل الماء، وبعضهم يركض بين البيوت، وبعضهم يطمئن أمي أو يبعد الأطفال عن مكان الخطر. في النهاية، اتفق اثنان أو ثلاثة من الرجال، ومعهم أخي عاصم، على محاولة سحب أسطوانة الغاز. أحضروا شيشًا حديديًا طويلًا، وبدأوا يدفعونها بحذر من داخل النار. كان المشهد خطيرًا، لكنهم استمروا. أتذكر أن الجميع كان يراقب تلك اللحظة بصمت مشوب بالخوف. لم يعد أحد يصرخ كما في البداية. كانت الأنظار كلها معلقة بالأسطوانة. وكأن الشارع بأكمله حبس أنفاسه منتظرًا ما سيحدث في الثواني التالية. وبعد محاولات، استطاعوا إخراجها من الفتحة إلى الشارع. وما إن ابتعدت عن مكان النار حتى شعرت أن شيئًا من التوتر انكسر داخل الناس. لم ينتهِ الخطر بعد، لكن الجميع شعر أن أسوأ احتمال بدأ يبتعد. لأول مرة منذ بداية الحريق رأيت بعض الوجوه تلتقط أنفاسها. وُضعت منشفة مبللة فوقها، ومع استمرار الماء، بدأت النار تخف تدريجيًا… حتى خمدت. لم يحدث ذلك فجأة. كانت النار تتراجع ببطء، كأنها ترفض الاستسلام. تضعف في زاوية ثم تعود في أخرى، قبل أن تبدأ بالاختفاء تدريجيًا تحت الماء والدخان. وحين انتهى كل شيء أخيرًا، بدا الصمت غريبًا أكثر من الضجيج الذي سبقه. بقي الدخان. وبقيت رائحة الاحتراق. وبقي شيء داخلي لم يهدأ. لم يكن خوفًا من النار فقط. كان إحساسًا أعمق من ذلك بقليل. إحساس بأن الاستقرار الذي كنا نبحث عنه منذ سنوات ما يزال بعيدًا. كلما ظننا أننا وصلنا إلى مكان هادئ، ظهر شيء جديد يذكرنا بأن الحياة لم تنتهِ من امتحاناتها بعد. وبين الدخان المتصاعد ورائحة الاحتراق التي بقيت عالقة في المكان، شعرت أن النهروان لم تبدأ معنا بداية عادية. كان الحزن والخسارة واضح على الجميع، واسئلة ليس لها جواب واضحة على وجوه: ماالذي حدث؟ وكيف حدث هذا؟ ولماذا حدث لنا هذا؟ كانت الايام التالية صعبة علينا ونحن نعيد طلاء الجدران التي وصلتها النيران, ورمي الاغراض والصناديق التي احترقت. بقيت رائحة الحريق في المكان فترة أطول مما توقعنا. حتى بعد إطفاء النار وتنظيف الأرض وغسل الجدران، كانت هناك رائحة خفيفة تظهر كلما اشتدت حرارة النهار. وكلما رأيتها أو شممتها تذكرت ذلك اليوم من جديد. كأن الحريق لم يغادر البيت تمامًا، بل ترك جزءًا صغيرًا منه مختبئًا في الزوايا. لم تكن هذه الحادثة الأولى لنا هنا. في ذلك الوقت بدأت أسمع الكبار يكررون كلمة "نحس" أحيانًا، ثم يتوقفون عن إكمال الحديث. لم أكن أفهم هذه الأمور جيدًا، لكنني كنت ألاحظ أن الجميع أصبح أكثر حذرًا من السابق. وكأن الحريق ترك وراءه قلقًا خفيًا لا يظهر في الكلام بقدر ما يظهر في النظرات. بعد أسبوعين تقريبًا، أتت "أم مسعود" لبيتنا مرة أخرى. لتلقي التحية. بدا الأمر عاديًا جدًا. وقفت تتحدث مع أمي كما يحدث في كل مرة. حديث قصير عن البيت والجيران والأخبار اليومية. لم يكن في المشهد شيء يستحق الانتباه، ولذلك بقي عالقًا في ذاكرتي لاحقًا بصورة غريبة، فقط لأنه سبق ما حدث بعده. في ذلك اليوم، كان "وسام" يركض خلف قطة مشردة في قطعة أرض بجانب البيت. كانت هناك أراضٍ فارغة كثيرة في الحي، تُرمى فيها النفايات، وتتجمع حولها الكلاب والقطط. كانت تلك الأراضي جزءًا من يومياتنا تقريبًا. نمر بجانبها، ونلعب قربها، ونشاهد الأطفال يركضون خلالها دون أن يفكر أحد كثيرًا بما قد تخفيه. كانت أماكن مهملة، تتراكم فيها بقايا البناء والحديد والأنقاض، لكنها بالنسبة للأطفال كانت مجرد مساحات إضافية للعب والمطاردة. كان يركض بسرعة، يضحك، لا ينتبه لما أمامه. وسام من النوع الذي يدخل في اللعب بكل طاقته. حين يركض لا ينظر كثيرًا إلى ما حوله، وحين يضحك ينسى الدنيا كلها. لذلك لم يخطر ببال أحد أن لحظة عادية كهذه يمكن أن تنقلب خلال ثانية واحدة فقط. وفجأة… توقف صوته. سقط. كان هناك سيخ حديدي بارز من أحد جدران البناء المجاور، لم نكن ننتبه له من قبل. اندفع نحوه دون أن يراه، فمزّق ساقه بعمق. أتذكر تلك اللحظة جيدًا. قبلها بثوانٍ كان صوته يملأ المكان، ثم اختفى دفعة واحدة. ذلك الصمت المفاجئ كان أكثر ما أخافني في البداية. لأن الأطفال حين يلعبون لا يصمتون بهذه الطريقة. حين اقتربنا، رأينا الجرح. كان أعمق مما توقعت. رأيت العظم. لم أستطع أن أُبعد نظري، ولم أستطع أن أتحمل المشهد. كانت أول مرة أرى فيها إصابة بهذا الشكل. شعرت بشيء بارد يمر في جسدي كله. لم أكن قادرًا على الاقتراب أكثر، ولم أكن قادرًا على الابتعاد. بقيت واقفًا في مكاني أحدق في الجرح وكأن عقلي لم يستوعب بعد ما يراه. صرخت أمي، وحملته بسرعة، وذهبت به إلى المستوصف القريب. في ذلك اليوم، لم يعد الشارع مكانًا للعب. صار مكانًا يمكن أن يؤذيك دون أن تنتبه. على الأقل بالنسبة لي. كلما نظرت إلى المكان تذكرت السقوط والدم والصراخ. حتى الأراضي الفارغة التي كنا نراها عادية بدت مختلفة بعدها. كأنها تخفي أشياء حادة ومؤذية تحت هدوئها الظاهر. لكن كل هذا… لم يكن شيئًا مقارنة بما حدث لي بعد أقل من شهر. لم أكن أعرف ذلك بالطبع. كنت أظن أن أسوأ ما يمكن أن يحدث قد حدث بالفعل. كنت أعيش أيامي بشكل طبيعي، أذهب وأعود وألعب وأساعد في البيت، دون أن أعرف أن حادثة أخرى كانت تقترب بهدوء، وأنها ستبقى في ذاكرتي سنوات أطول بكثير. في ذلك اليوم، قبل الحادث بساعات، مرّت أم مسعود من أمام بيتنا كعادتها، توقفت قليلًا عند الباب، تبادلت حديثًا سريعًا مع أمي، ثم مضت. كان ذلك بعد أقل من شهر على حادث "وسام“. في وقت الظهر، وفي حرارة الصيف، كان كل واحد منا مشغولًا بشيء. كانت حرارة النهروان في الظهيرة قاسية. الشوارع تفرغ تقريبًا من المارة، والهواء نفسه يبدو متعبًا. حتى الأصوات تصبح أقل. الناس يختبئون داخل البيوت، والظل يتحول إلى شيء ثمين يبحث عنه الجميع. البيت لم يكتمل بعد، وكانت فتحات النوافذ ما تزال مغطاة بألواح كارتونية مثبتة بأسلاك. كان البيت ما يزال في مرحلة بين الاكتمال والنقصان. صالحًا للسكن، لكنه لم يصبح بيتًا مكتملًا بعد. هنا قطعة تحتاج إلى إصلاح، وهناك نافذة تنتظر التركيب، وفي زاوية أخرى أدوات بناء لم تُستخدم بعد. وكأن البيت نفسه كان ما يزال ينمو معنا يومًا بعد يوم. طلب مني أبي أن أزيلها. لكي يأخذ القياسات ويتفق مع زَجَّاج (أو فنّي زجاج). ليقيس، ويقص، ويركيب الزجاج للشبابيك. كانت مهمة بسيطة. هكذا بدت. لم يكن في الأمر ما يدعو للقلق. مجرد عمل صغير من الأعمال التي اعتدنا القيام بها أثناء ترتيب البيت وإكمال نواقصه. منذ انتقالنا إلى "النهروان" كانت هناك دائمًا مهمة تنتظر التنفيذ؛ إصلاح شيء، نقل شيء، أو تجهيز شيء جديد. لذلك لم أفكر كثيرًا في الأمر حين طلبه مني أبي. بحثت عن قاطعة للأسلاك، فلم أجدها. كانت معظم الأغراض ما تزال داخل الصناديق، بلا أماكن ثابتة. لم أجد سوى مقص. في تلك الفترة كانت الفوضى ما تزال تملأ أجزاء من البيت. صناديق لم تُفتح بعد، وأغراض موضوعة مؤقتًا في أماكن ستتغير لاحقًا. كنا ما نزال نعيش بين حالة السكن وحالة البناء في الوقت نفسه. حاولت أن أقطع السلك به، لكنه لم يكن مناسبًا. شددت أكثر. اقتربت أكثر. وانحنيت لأرى بوضوح. كنت مركزًا على السلك فقط. كل انتباهي كان منصبًا على نقطة القطع الصغيرة. لم أفكر بالمقص، ولم أفكر بما قد يحدث إذا انفلت فجأة. أحيانًا تأتي الحوادث من لحظة عادية جدًا، لحظة لا تحمل أي إنذار مسبق. في لحظة واحدة… انقطع السلك. ولم أنتبه للمقص. تحرك بسرعة نحو وجهي. لم أشعر بالألم أولًا. فقط وضعت يدي على عيني اليسرى. ثم رأيت الدم. في البداية لم أستوعب ما حدث. شعرت بالمفاجأة أكثر من الألم. وكأن عقلي احتاج عدة ثوانٍ ليفهم أن الإصابة وقعت فعلًا. كان المشهد غريبًا وسريعًا في الوقت نفسه، حتى إنني بقيت أحدق بيدي للحظات قبل أن أرفع رأسي. جاء "فراس"، كان أبي قد أرسله ليتأكد إن كنت قد انتهيت. رآني… وتوقف. قلت له بسرعة: "لا تخبر أحدًا.“ لم أقلها لأنني كنت شجاعًا. بل لأنني كنت أظن حقًا أن الأمر بسيط. كنت أريد أن أنتهي منه بهدوء قبل أن تقلق أمي أو ينزعج أبي. لم أكن أعرف أن الدقائق القادمة ستغير كل شيء. كنت أظن أن الأمر بسيط. لكنه صرخ. جاء الجميع. خلال لحظات امتلأ المكان بالحركة. قبل دقيقة كنت وحدي أمام النافذة، وبعد دقيقة أصبحت الوجوه تحيط بي من كل جانب. كانت الأسئلة تتكرر بسرعة، بينما كنت أحاول أنا نفسي أن أفهم ما الذي حدث أصلًا. لم أعد أرى إلا الحركة. أصوات متداخلة. وجوه قريبة. ثم سيارة… وطريق… ومستشفى. ما زلت أتذكر الطريق بصورة متقطعة. أجزاء منه واضحة جدًا، وأجزاء أخرى ضاعت من ذاكرتي. ربما بسبب الخوف، أو بسبب الصدمة، أو بسبب انشغال الجميع بما هو أهم من حفظ التفاصيل. في المستشفى، كان كل شيء أسرع مني. فحوصات. أصوات أطباء. كلمات لم أفهمها بالكامل. كان الأطباء يتحدثون بلغة أكبر من عمري. مصطلحات لم أسمع بها من قبل، وأسئلة لا أعرف كيف أجيب عنها. كنت أنظر إلى وجوههم أكثر مما أستمع إلى كلامهم، محاولًا أن أفهم من تعابيرهم إن كان الأمر خطيرًا أم لا. ثم قال الطبيب لأبي: إن لم تُجرَ العملية بسرعة… قد تفقد عينه. لم أفهم معنى الجملة. لكنني فهمت من وجه أبي أنها ليست بسيطة. تلك كانت من المرات القليلة التي رأيت فيها القلق واضحًا بهذا الشكل على وجهه. لم يكن كثير الكلام أصلًا، لكن الصمت أحيانًا يكشف ما لا تكشفه الكلمات. وحين رأيته صامتًا بهذه الطريقة، بدأت أشعر أن الأمر أكبر مما أتصور. بقيت في المستشفى شهرًا كاملًا. بعد العملية، كان كل شيء ممنوعًا. لا ضوء. لا مصباح. لا شمس.