ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 19: القسم الثالث

القسم الثالث

كان ذلك غريبًا بالنسبة لطفل اعتاد أن يقضي أغلب وقته خارج البيت. فجأة أصبح الضوء نفسه شيئًا يجب تجنبه. صرت أميز أوقات النهار من حرارة الجو وصوت الناس أكثر مما أميزها من النوافذ. كنت أعيش في عتمة هادئة. لم يكن الخوف كما كان من قبل. لم يكن هناك ماء… ولا نار… ولا صراخ. كان هناك فقط… سكون. سكون المستشفيات له طبيعة مختلفة. ليس هدوء البيوت، ولا هدوء الليل. هدوء ممتلئ بالأجهزة، والخطوات البعيدة، والأبواب التي تفتح وتغلق، والمرضى الذين ينتظرون مثلما تنتظر. ومع الأيام بدأت أعتاد عليه شيئًا فشيئًا. في تلك الفترة، كان أهلي يزورونني. وكانوا يجلبون لي كتبًا. كانت تلك الكتب نافذتي الوحيدة تقريبًا إلى العالم الخارجي. بينما كان جسدي محصورًا بين الجدران البيضاء، كانت الصفحات تأخذني إلى أماكن أخرى. إلى شوارع ومدن وأشخاص لا أعرفهم. وربما للمرة الأولى بدأت أكتشف أن الكتاب يمكن أن يكون رفيقًا حقيقيًا للإنسان حين يضيق العالم من حوله. في البداية، لم أكن أقرأ كثيرًا. فقط أقلب الصفحات. لم أكن أقرأ بحثًا عن المعرفة في البداية. كنت أقرأ لأقتل الوقت. لأشغل الساعات الطويلة التي تمر ببطء داخل الغرفة. لكنني لم أكن أعرف أن تلك الصفحات التي أقلبها بلا اهتمام كبير ستفتح لاحقًا بابًا سيغير أشياء كثيرة في حياتي. ثم بدأت أقرأ. روايات. قصص. كتب دينية. لم أكن أبحث عن شيء محدد. لكنني كنت أقرأ كأنني أبحث عن شيء ضاع مني... ولا أعرف اسمه. لم أكن أستطيع تفسير ذلك الشعور وقتها. كلما أنهيت كتابًا بدأت آخر. لم يكن الأمر مجرد تسلية لقتل الوقت داخل المستشفى. كان هناك فضول جديد ينمو بهدوء في داخلي. أسئلة كثيرة لا أعرف كيف أصوغها، لكنني كنت أشعر أن الإجابات قد تكون مختبئة في مكان ما بين تلك الصفحات. أمضيت مايقارب شهر في المستشفى، كانت فترة صعبة ومملة بين استلقاء وفحوصات كثيرة. الأيام داخل المستشفى كانت متشابهة بصورة غريبة. الصباح يشبه المساء، والمسافات بين الأيام تضيع بسهولة. كنت أستيقظ على أصوات الممرضين والأطباء، ثم أنتظر موعد فحص جديد أو زيارة جديدة أو كتاب جديد يخفف شيئًا من الملل الطويل. بعد خروجي من المستشفى، بقيت في البيت. الضوء ما زال ممنوعًا. كنت أرتدي نظارة شمسية حتى داخل المنزل. لم أذهب إلى المدرسة. أخذت إجازة مرضية. وكان الوقت... طويلًا. حين يُمنع الإنسان من الخروج والحركة، يكتشف كم أن الساعات بطيئة. كنت أجلس قرب النافذة أحيانًا دون أن أنظر مباشرة إلى الضوء، وأستمع فقط إلى أصوات الحياة في الخارج. أصوات سيارات بعيدة، أو أطفال يلعبون في الشارع، فأشعر أن العالم يتحرك بينما أنا متوقف في مكاني. في ذلك الوقت، بدأت أقرأ أكثر. وزاد أهتمامي بالقراءة والمطالعة، أطلب من أبي أو أمي أن يجلبوا لي كتبًا. ومع الأيام، بدأت أميل إلى الكتب الدينية. قصص الأنبياء. الشريعة. الدعاء. وذات يوم أخذني فضولي إلى مكتبة صغيرة في مركز المدينة. كان صاحبها رجلاً مصريًا يُدعى خالد. وبينما كنت أقلب بعض الكتب على الرفوف، لفت انتباهي كتاب قديم يحمل عنوانًا غريبًا: "بوابة المجهول". تأملت الغلاف للحظات، ثم أعدته إلى مكانه ومضيت أبحث عن شيء آخر. وفي كل مرة أقرأ كتاب جديد كنت أشعر بشيء من الحماس. أقلب صفحاته قبل أن أبدأ القراءة، وأشم رائحة الورق الجديدة أحيانًا، ثم أختفي داخله لساعات. شيئًا فشيئًا أصبحت القراءة جزءًا ثابتًا من يومي، مثل الطعام أو النوم. لا أعرف لماذا. هل كنت أبحث عن تفسير؟ أم عن صبر؟ أم عن شيء يخفف ما حدث؟ لا أعرف. لكنني كنت أشعر أن شيئًا في داخلي... تغيّر. لم يكن تغييرًا واضحًا أستطيع وصفه. لم أستيقظ يومًا وأقول إنني أصبحت شخصًا آخر. لكنه كان أقرب إلى باب فُتح بهدوء في مكان داخلي لم أكن أعرف بوجوده من قبل. باب للأسئلة، والتأمل، والتفكير الطويل في أمور لم أكن أهتم بها سابقًا. بعد مضي شهر بدأت اجلس في محل الاسواق وابيع. كنا نتناوب انا وأبي، أبي ياخذ الفترة التي انا اكون فيها في المدرسة. وبعد رجوعي اجلس انا في المحل. ومع الوقت بدأت أحفظ الزبائن المعتادين. بعضهم يمر كل يوم تقريبًا، وبعضهم نتعرف على وجوههم دون أن نعرف أسماءهم. كانت ساعات الجلوس في المحل طويلة أحيانًا، لكنها علمتني مراقبة الناس والاستماع إلى أحاديثهم أكثر مما كنت أفعل من قبل. مرت الأيام، وكنت في آخر سنة من المرحلة المتوسطة، أعيش بين عالمين؛ عالم الخارج الذي بدا مستقرًا لأول مرة منذ سنوات، وعالم داخلي لم أكن أفهمه بعد، لكنه بدأ يفرض حضوره بهدوء. في الخارج كانت الحياة تسير بشكل طبيعي؛ دراسة، عمل، أصدقاء، وبيت جديد نحاول الاستقرار فيه. أما في الداخل فكانت هناك أفكار كثيرة تتحرك بصمت. لم تكن أفكارًا مخيفة، لكنها كانت مختلفة عن السابق. كأن عقلي بدأ ينظر إلى الأشياء بطريقة أعمق قليلًا مما اعتدت. في المدرسة، تعرّفت على أصدقاء جدد. كان جعفر وعبدالقادر أقربهم إليّ، نقضي معظم اليوم معًا، نضحك، نتحدث، ونعود من المدرسة في طرق ترابية تتخللها بيوت غير مكتملة وبساتين متفرقة. كانت تلك الطرق جزءًا من حياتنا اليومي. نمشي فيها لساعات أحيانًا دون أن نشعر بالوقت. نتحدث عن المدرسة، وعن الألعاب، وعن أشياء كثيرة لا أتذكر معظمها اليوم. لكنني أتذكر جيدًا شعور الحرية الذي كان يرافق تلك المسافات الطويلة. كنا نجتمع كل يوم ونذهب نتمشى لمسافات طويلة ونتحدث ونضحك، وفي بعض الأحيان نذهب إلى محل الالعاب الاجهزة الأكترونية ونلعب لساعات طويلة كسيارات السباق او اللعاب الحرب او النزالات. ولا نفترق حتى تغيب الشمس. كانت تلك من أجمل الفترات في تلك المرحلة من حياتي. ساعات طويلة من الضحك والمشي واللعب، دون أن نفكر كثيرًا في الغد أو في المسؤوليات القادمة. فقط أصدقاء يجتمعون كل يوم ويصنعون لأنفسهم عالمًا صغيرًا يكفيهم حتى حلول المساء. كانت الشمس في تلك المنطقة مختلفة، حادة، تسقط على الأرض مباشرة دون أن تعترضها أبنية عالية، فتترك كل شيء مكشوفًا وواضحًا. وفي تلك الساعات الأخيرة قبل الغروب، كانت البساتين والبيوت الترابية تكتسب لونًا ذهبيًا هادئًا. كنا نسير بين الطرقات ونحن نتحدث بلا توقف، غير مدركين أن تلك الأيام العادية التي تبدو بسيطة جدًا في وقتها، ستتحول لاحقًا إلى بعض أكثر الذكريات وضوحًا في الذاكرة. بعد فترة اشترى جعفر جهاز الالعاب وكنا نقضي فترة طويلة في بيته وتعرفت على اخوته واهله. كان بيت جعفر من البيوت التي أشعر فيها بالراحة بسرعة. مع كثرة الزيارات بدأت أحفظ ملامح المكان، وأتعرف على أفراد عائلته واحدًا واحدًا. ومع مرور الوقت لم تعد الزيارة مرتبطة باللعب فقط، بل أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية تقريبًا. نذهب، نجلس، نلعب، نتحدث، ثم نكتشف أن ساعات طويلة قد مرت دون أن نشعر. وبعد فترة اشترينا أنا وعبدالقادرأيضا. كنت سعيدا جدا حينما اعود من المدرسة ويجتمع أخوتي ونلعب. كانت تلك من اللحظات التي أنتظرها طوال اليوم. أعود من المدرسة، أرمي الحقيبة جانبًا، وأبدأ بالتفكير باللعبة التي سنشغلها. أحيانًا نختلف على نوع اللعبة، وأحيانًا نتبادل الأدوار بصعوبة، لكن المتعة كانت في الاجتماع نفسه أكثر من اللعبة. كان البيت يمتلئ بالضحك والصراخ والاعتراضات الصغيرة التي لا تدوم أكثر من دقائق. لكن أبي كان له رأيي أخر. كان يغضب لاننا نستعمل التلفاز لتشغيل الجهاز واللعب لساعات. كان يرى الأمر بطريقة مختلفة. بالنسبة له كان التلفاز شيئًا مهمًا في البيت، وليس جهازًا مخصصًا للألعاب فقط. أما نحن فكنا نرى العالم كله داخل تلك الشاشة الصغيرة. لذلك كانت المواجهة تتكرر من وقت لآخر بين حماس الأطفال ومنطق الكبار. في البيت، كانت الحياة تميل إلى شكل من الاستقرار. بعد رجوعه من المدرسة أصبح وسام يقضي وقته مع ابن الجار المقابل، وسهام كذلك صارت قريبة من أخواته الثلاث. لأول مرة منذ سنوات شعرت أن الأيام بدأت تشبه بعضها بصورة مريحة. لم يكن هناك حديث يومي عن الانتقال أو البحث عن بيت جديد أو ترتيب صناديق. أصبح لكل واحد منا روتينه الخاص، وأصبحت المنطقة مألوفة أكثر مما كانت في الأيام الأولى. في كل مساء تقريبًا، ومع انقطاع الكهرباء المعتاد، كانت العائلات تخرج إلى أمام البيوت. كراسٍ بلاستيكية، ضحكات متفرقة، وأحاديث تتكرر كل يوم، كأنها طقوس غير مكتوبة. حتى نحن الأطفال كنا نعرف موعدها دون أن يخبرنا أحد. ما إن تنقطع الكهرباء ويبدأ الهواء بالاعتدال قليلًا حتى تخرج الكراسي إلى الشارع. تتوزع الأحاديث بين الجيران، وتبدأ القصص اليومية نفسها بالظهور من جديد. كان مشهدًا يتكرر كثيرًا حتى أصبح جزءًا من هوية المكان. أمي، كعادتها، لم تكتفِ بما هو موجود. قررت أن تخيط الاقمشة والفساتين للجيران. لم أعرف أمي يومًا تجلس طويلًا دون عمل. كانت دائمًا تبحث عن شيء تفعله، أو مشروع صغير تبدأه، أو طريقة تساعد بها العائلة. حتى في أصعب الفترات كانت تتحرك وكأن التوقف نفسه أمر غير مسموح لها به. كنت أراقبها وهي ترسم وتفكر، وكأنها تحاول أن تثبّت شيئًا في حياة لا تثبت. وربما لهذا كنت أراها تستمر رغم التعب. كل بيت انتقلنا إليه كانت تحاول أن تزرع فيه شيئًا من الاستقرار، وكأنها تعاند الظروف نفسها. كنت أفهم ذلك أكثر كلما كبرت. أما أخي عاصم فكان كل فترة ينتقل لعمل جديد. لا يستقرفي مكان واحد. لا أعلم السبب كل مرة يجد عذرأ لا يعجبه ويترك العمل. كان يقول جملته المشهورة: "سبع صنايع والبخت ضايع.“ كانت تلك الجملة تتكرر كثيرًا حتى أصبحت مرتبطة بعاصم في ذاكرتي. وكلما قالها كان الجميع يضحك، حتى أبي أحيانًا رغم انزعاجه من كثرة تبديل الأعمال. لكنها كانت طريقته الخاصة في التعامل مع الأمور؛ يترك مكانًا ويبدأ في آخر دون خوف كبير من المجهول. لكن خلف هذا الهدوء، كانت هناك طبقة أخرى تتشكل. لم تكن ظاهرة للجميع. كانت مجرد مشاعر صغيرة تتراكم بهدوء داخل الإنسان دون أن ينتبه لها. أشياء تبدو بسيطة في يومها، لكنها تترك أثرًا أكبر مما نتوقع لاحقًا. في أحد الأيام، لم يكن والداي في المنزل. أخذ أخي الأكبر جهاز الألعاب دون أن يستأذن، وذهب به إلى بيت الجيران. قد يبدو الأمر بسيطًا الآن، لكنه بالنسبة لي في ذلك العمر لم يكن كذلك. كان الجهاز من الأشياء القليلة التي كنت أشعر أنها تخصني فعلًا. ربما لذلك جاء شعوري أقوى مما يستحقه الموقف نفسه. حين عدت من المدرسة وعلمت بذلك، شعرت بضيق لم أفهم سببه بالكامل. لم يكن الجهاز مهمًا بقدر ما كان الإحساس بأن شيئًا يخصني أُخذ دون أن يسألني. لم يكن غضبي كبيرًا بقدر ما كان عنادًا. كنت في تلك المرحلة أحتفظ بالكثير من الأشياء داخلي. لا أتكلم عنها، ولا أشرحها لأحد. لذلك كانت بعض المواقف الصغيرة تتحول داخلي إلى شيء أكبر من حجمها الحقيقي، ليس بسبب الموقف نفسه، بل بسبب أشياء أخرى متراكمة منذ سنوات. اعترضت. لكنه لم يناقش. الضربة جاءت أسرع مما توقعت. لم أكن مستعدًا لها. كنت ما أزال أعتقد أن النقاش سيستمر أو أن الأمر سينتهي بكلمات غاضبة فقط. لكن بعض اللحظات تأتي أسرع من التفكير نفسه، وتترك خلفها صمتًا أطول مما تتركه الكلمات. شعرت بها في رأسي… وفي أذني. كان الألم حادًا، مفاجئًا، وممتدًا. لم أفهم في تلك اللحظة ستترك أثرًا دائمًا وأن أثرها لن يكون مؤقتًا، وأن شيئًا في سمعي لن يعود كما كان. في ذلك العمر لم أكن أفكر بالمستقبل أو بالآثار الدائمة للأشياء. كنت أظن أن الألم ينتهي حين يهدأ الوجع، وأن الجروح تختفي بمجرد أن تتوقف عن النزف. لم أكن أعرف أن بعض الأحداث تواصل العيش داخلنا حتى بعد أن ينساها الجميع. مرّ الحدث كما تمر أشياء كثيرة في تلك المرحلة؛ دون تفسير، دون اعتذار، فقط يُضاف إلى الداخل ويستقر هناك. كانت تلك طبيعة تلك المرحلة من حياتي. أشياء كثيرة تحدث ثم تمضي دون أن يناقشها أحد طويلًا. تبقى في الذاكرة، وتختبئ في مكان ما داخل النفس، ثم نكمل السير وكأن شيئًا لم يحدث. لكن ما يختبئ لا يختفي دائمًا. مرت الأيام وتزوجت هيام وغادرت البيت. كانت تاتي لزيارتنا كل فترة. كان خروج فرد من العائلة يغير إيقاع البيت كله. حتى لو بقيت الغرف كما هي، فإن شيئًا من الأصوات والعادات اليومية يختفي معها. كنت ألاحظ ذلك أكثر في الأيام الأولى، ثم يبدأ الجميع بالتعود تدريجيًا على الفراغ الجديد. وفي تلك الفترة… دخل شخص جديد إلى حياتنا. لم يكن غريبًا تمامًا… بل قادم من الماضي. صديق قديم لأبي، من أيام الطفولة… من زمن لم أكن أنا جزءًا منه. كان اسمه: الشيخ حميد… أبو مرتضى. من أصل كردي اهله عاشوا في بغداد، وهو ولد هنا. كان من النوع الذي يدخل المكان فيشعر الجميع بوجوده مباشرة. ليس لأنه يتكلم كثيرًا، بل لأن حضوره نفسه كان قويًا. بدا مختلفًا عن أغلب الأشخاص الذين اعتدت رؤيتهم في تلك الفترة. ومنذ لحظة دخوله… لم يعد شيء كما كان. بالطبع لم أكن أعرف ذلك في تلك الليلة. بالنسبة لي كان مجرد ضيف جديد وصديق قديم لأبي. لكن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا بهدوء، ثم نكتشف لاحقًا أنهم كانوا بداية فصل كامل لم نكن نتوقعه. استمرّ في زيارتنا بشكلٍ متواصل، حيث كان يقضي وقتًا طويلًا معنا، فتعرفنا عليه وتعرّف علينا. ومع تكرار الزيارات أصبح وجوده مألوفًا داخل البيت. يجلس مع أبي لساعات طويلة، ويتحدثان عن أشخاص وأماكن من زمن سابق لا أعرف عنه شيئًا. كنت أستمع أحيانًا دون أن أفهم معظم التفاصيل، لكنني كنت أحب سماع تلك الحكايات القديمة. علمتُ بأنه كان في الجيش برتبة عميد، وكان ذا شخصيةٍ مهيبة، والجميع يحترمه ويضع له وزنًا.