القسم الخامس
مع مرور السنوات، بدأت ألاحظ شيئًا لا أستطيع تفسيره. لم يكن حدثًا محددًا، ولا موقفًا واحدًا يمكن الإشارة إليه والقول: هنا بدأت الحكاية. كان مجرد شعور يتكرر بين الحين والآخر. ليس كل ما يغير الإنسان يأتي على شكل حدث كبير. أحيانًا يبدأ التغيير من إحساس عابر، أو فكرة قصيرة، أو ملاحظة لا يلتفت إليها أحد. ثم تعود وتتكرر مرة بعد أخرى حتى تصبح جزءًا من طريقة رؤيتك للعالم. كنت أجلس مع أصدقائي، نتحدث ونضحك، الجو كان هادئًا، والحرارة تجعل كل شيء أبطأ. نتظاهر أننا نقضي وقت ممتعأ، لكنني كنت أراقب أكثر مما أشارك. كنت أضحك معهم وأشاركهم الحديث، لكن جزءًا من عقلي كان منشغلًا دائمًا بالمراقبة. أراقب الناس أكثر مما أراقب الكلام نفسه. أراقب ردود الأفعال، وتغير النبرات، والتفاصيل الصغيرة التي تمر على الآخرين دون أن يتوقفوا عندها. لم يكن ما يحدث حولي هو ما شدّ انتباهي، بل كيف كنت أنا أراه. وهذا ما حيّرني أكثر من أي شيء آخر. لم يكن العالم يتغير، بل كانت طريقة استقبالي له هي التي تتغير. كأن شيئًا داخلي بدأ يلتقط إشارات لم أكن ألاحظها سابقًا. تفاصيل صغيرة بدأت تتضخم. طريقة جلوسهم. حديثهم، نظراتهم العابرة. حركة اليد… أو التفاتة. أحيانًا كنت أشعر أنني أستطيع معرفة مزاج الشخص قبل أن يتكلم. أو أنني ألتقط توترًا خفيًا في صوته لا يلاحظه غيري. لم أكن متأكدًا إن كان ذلك حقيقيًا أم مجرد مبالغة من عقلي، لكن الإحساس كان يتكرر بصورة جعلتني أتوقف عنده. وفي تلك اللحظة، شعرت بشيء لم أشعر به من قبل. لم يكن واضحًا. ولا مريحًا. لكنّه كان حقيقيًا. لم يكن حلمًا، ولا فكرة قرأتها في كتاب، ولا شيئًا قاله الشيخ حميد. كان شعورًا شخصيًا تمامًا. ولهذا السبب كان تأثيره أقوى. لأنني لم أستعره من أحد، بل وجدته داخل نفسي. شعرت بأن تركيزي مختلف عن البقية. بينما كان الآخرون يرون شيئًا واحدًا، كنت أرى شيئًا آخر. لم أفهم نفسي. لم أفهم لماذا كنت أرى الأشياء بشكل مختلف. حاولت مرات كثيرة أن أتجاهل الأمر. أن أقول لنفسي إن الجميع يشعرون بما أشعر به، وإنني أبالغ فقط. لكن كلما مر الوقت عاد ذلك الإحساس مرة أخرى، بنفس الغموض ونفس الإلحاح. لماذا كان انتباهي يذهب إلى اتجاه لا يذهب إليه الآخرون. في تلك اللحظة، لم أشعر بالخوف. شعرت بالارتباك. فالاختلاف ليس دائمًا شعورًا مريحًا. خصوصًا عندما لا تعرف سببه. كنت أريد تفسيرًا منطقيًا وواضحًا، لكنني لم أجده. وكلما حاولت فهم ما يحدث ازداد الأمر تعقيدًا في نظري. سؤال واحد بدأ يتكرر داخلي: لماذا أنا مختلف؟ لم تكن هناك إجابة جاهزة. ولا أحد يمكن أن أسأله. لكن كان هناك إحساس يتسلل بهدوء، كأنه لم يُولد في تلك اللحظة… بل كان موجودًا منذ البداية، ينتظر فقط أن ألاحظه. وكأن حياتي كلها كانت تسير بهدوء نحو تلك الملاحظة الصغيرة. لا شيء خارقًا حدث في تلك اللحظة، ولا باب فُتح أمامي، ولا صوت غامض سمعته. كان مجرد إدراك خافت بأنني لا أنظر إلى العالم بالطريقة نفسها التي ينظر بها الآخرون. إدراك بسيط في ظاهره، لكنه كان بداية أسئلة طويلة لم تنتهِ بعد. شعور… قديم، كأنه كان نائمًا منذ البداية، ثم قرر أن يظهر. لم يأتِ دفعة واحدة. لم يكن كشفًا مفاجئًا أو لحظة تحول واضحة. كان أقرب إلى شيء يتحرك تحت السطح منذ زمن طويل، ثم بدأ يرسل إشارات صغيرة من حين إلى آخر. إشارات لا تكفي لفهمه، لكنها تكفي لجذب الانتباه إليه. لم أتحدث مع أحد. لم أشرح. لم أحاول حتى أن أضع اسمًا لما أشعر به. بدأت أعيش هذا الجزء من حياتي بصمت. فقط بدأت أعيش حياتين: واحدة يراها الجميع، وأخرى لا يراها أحد. الحياة الأولى كانت سهلة الفهم. طالب يذهب إلى المدرسة، يعود إلى البيت، يجلس مع أصدقائه، ويلعب في الشارع مثل بقية الأولاد. أما الثانية فكانت مليئة بالأسئلة الصامتة التي لا يعرف أحد بوجودها. أسئلة لم أكن أشاركها حتى مع أقرب الناس إليّ. في الخارج، استمرت الحياة كما هي. مدرسة. أصدقاء. صوت الكرة في الشارع. كهرباء تنقطع… وتجمعنا وأحاديث المساء تحت ضوء ضعيف أو بلا ضوء. لكن في الداخل، كنت أتعرف على نفسي… ببطء. كان الأمر يشبه الوقوف أمام مرآة لا تعكس الملامح الخارجية، بل شيئًا أعمق. شيئًا لا يمكن رؤيته بالعين. وكلما حاولت فهمه اكتشفت أنني ما زلت في بداية الطريق فقط. ليس عن طريق الكلمات، بل عن طريق الشعور. بطريقة لا أستطيع شرحها. وربما لهذا السبب لم أتحدث عنها كثيرًا. كيف يمكن للإنسان أن يشرح شيئًا لا يفهمه بالكامل؟ كنت أشعر به بوضوح، لكنني كلما حاولت تحويله إلى كلمات وجدته يهرب مني. مع مرورالأيام، بدأت ألاحظ أن انتباهي يذهب إلى تفاصيل لا ينتبه إليها الآخرون. أحيانًا كانت التفاصيل تافهة جدًا؛ نبرة صوت، أو نظرة سريعة، أو شعورغامض يمر أثناء الحديث. ومع ذلك كانت تستقر في ذهني لساعات طويلة بينما ينساها الجميع بعد دقائق. لم أفهم السبب، ولم أحاول أن أبحث له عن اسم. كنت أكتفي بالمراقبة، وكأنني أخشى أن أطرح السؤال بصوت مرتفع. المراقبة كانت أسهل من السؤال. فالسؤال قد يجلب إجابة لا تريد سماعها، أو يكشف شيئًا لا تعرف كيف تتعامل معه. أما المراقبة فكانت تمنحني مساحة آمنة أبقى فيها بين الشك واليقين. شيئًا فشيئًا، بدأت أكتشف أن ما أشعر به ليس عابرًا كما كنت أظن. لم يكن فضولًا مؤقتًا، ولم يكن مرحلة ستختفي وحدها مع الوقت. كان شيئًا أعمق. كلما حاولت أن أعتبره مجرد مرحلة مؤقتة عاد من جديد بصورة أقوى. وكلما انشغلت بالدراسة أو الأصدقاء أو الحياة اليومية، وجد طريقة للعودة إلى الواجهة. وكأنه يرفض أن يُنسى. شيئًا لا أستطيع تفسيره، لكنه كان يقترب مني أكثر كلما حاولت تجاهله. وهذه كانت أغرب نقطة فيه. فالأشياء التي نتجاهلها عادة تضعف مع الوقت، أما هذا الشعور فكان يفعل العكس تمامًا. كان يكبر في الصمت، وينمو بعيدًا عن الانتباه، حتى أصبح وجوده واضحًا أكثر من أي وقت مضى. ثم جاءت لحظة جعلت كل الأسئلة التي كنت أهرب منها تقف أمامي دفعة واحدة. لم تكن لحظة صاخبة. ولم يحدث فيها شيء استثنائي. لم تحدث أمام الناس. لم يرافقها حدث كبير أو مشهد درامي. لو رآها شخص آخر ربما لما لاحظ شيئًا مختلفًا أصلًا. لكنها بالنسبة لي كانت كافية لتغيير طريقة نظرتي إلى نفسي. لكنني خرجت منها وأنا أعرف أن شيئًا في داخلي قد انكشف. شيء كنت أشعر بوجوده منذ سنوات. وحين عدت بذاكرتي إلى الوراء، بدأت أربط أشياء كثيرة ببعضها. الحوادث القديمة، والأسئلة التي رافقتني، والكتب التي جذبتني، وحتى ذلك الإحساس المتكرر بأنني أنظر إلى العالم من زاوية مختلفة قليلًا عن الآخرين. دون أن أملك الشجاعة للنظر إليه مباشرة. بعد ذلك اليوم، لم أعد كما كنت. ليس لأن العالم تغير من حولي، بل لأنني بدأت أراه بطريقة مختلفة. أحيانًا يكون التغيير الحقيقي داخليًا إلى درجة أن أحدًا لا يلاحظه سواك، ومع ذلك يكون أثره أكبر من أي حدث ظاهر. كنت أتعرف على نفسي… ببطء. ليس عن طريق الكلمات، بل عن طريق الشعور. بطريقة لا أستطيع شرحها. وربما لهذا بقيت تلك المرحلة محفورة في ذاكرتي. لم تكن نهاية قصة، بل بداية شيء آخر. بداية طريق طويل من الأسئلة والبحث والمواجهة مع أشياء لم أكن أعرف يومها إلى أين ستقودني، لكنها كانت قد بدأت بالفعل، بهدوء، ومن دون رجعة. مرت سنة تقريبًا، وتخرجت من المرحلة المتوسطة. وقفت أمام اختيار جديد، مرحلة أخرى، طريق آخر يجب أن أقرره. كنت أشعر أن السنوات تمر أسرع مما كانت في طفولتي. بالأمس كنت أتعلم الحروف الأولى وأمشي إلى المدرسة عبر الحقول، والآن أصبحت أمام قرار يتعلق بالمستقبل والعمل وما سأفعله في السنوات القادمة. لم أكن كبيرًا بما يكفي لأعرف ما أريد تمامًا، لكنني لم أعد صغيرًا أيضًا. اقترحت على جعفر وعبدالقادر أن نلتحق بالمدرسة الصناعية في منطقة "حي الحشود"، مدرسة مهنية بثلاث مراحل، تفتح باب العمل بعد التخرج، خاصة في المصانع. لكن جعفر وعبدالقادر كان لديهم رأيي واتجاه أخر، لذا ذهبت انا بدونهم إلى هذه المدرسة. شعرت بشيء من الغرابة في البداية. فقد اعتدت وجودهم معي في كثير من المراحل السابقة. لكن الحياة بدأت تفرض علينا طرقًا مختلفة شيئًا فشيئًا. كل واحد صار يفكر بمستقبله بطريقته الخاصة. كنت أتمنى أن أدخل قسم الحاسوب. كنت أشعر أنني أميل إليه، إلى شيء له علاقة بالفهم، بالتفكير، بشيء مختلف عن الضجيج اليومي. ربما لأن الحاسوب كان يبدو لي شيئًا جديدًا ومختلفًا عن كل ما عرفناه سابقًا. كان عالمًا قائمًا على الفهم والتحليل والتعلم المستمر، وهذا النوع من الأشياء كان يجذبني دائمًا أكثر من الأعمال التي تعتمد على القوة الجسدية أو التكرار. لكن حين ذهبنا أنا وصديق اخر لي قد أيدني للتقديم، كان القسم قد امتلأ. قيل لنا إن الأماكن تُحجز مبكرًا، قبل أن نصل حتى. أتذكر لحظة سماع الخبر جيدًا. لم تكن صدمة كبيرة، لكنها كانت خيبة صغيرة. كنت قد رسمت صورة معينة في رأسي، ثم اكتشفت أنها لم تعد ممكنة. ومع ذلك لم أجادل كثيرًا، فقد اعتدت منذ سنوات أن الأمور لا تسير دائمًا كما أتخيل. لم يكن لدي خيار. التحقت بقسم الكهرباء. قبلت الأمر كما قبلت أشياء كثيرة قبلها… دون نقاش طويل. كان هذا جزءًا من شخصيتي في تلك المرحلة. أتضايق داخليًا، وربما أبقى أفكر بالأمر أيامًا، لكنني في النهاية أتكيف. كنت أفعل ذلك مع البيوت الجديدة، والمدارس الجديدة، وحتى مع القرارات التي لم أخترها بنفسي. مرت الأيام، ثم الأشهر. بدأت أتعرف على طبيعة الدراسة الجديدة، وعلى زملاء جدد، وعلى عالم مختلف قليلًا عن المدرسة المتوسطة. كانت الحياة تسير بشكلها المعتاد، أو هكذا بدا لنا على الأقل. لم يكن أحد يتوقع حجم التغيير الذي كان يقترب من البلاد كلها. لم يتبقَّ سوى سنة واحدة على التخرج، حين بدأت الأخبار تتغير. لم تعد الأحاديث في الشارع عن العمل أو الدراسة، بل عن الحرب. في البداية كانت مجرد أحاديث متفرقة. إشاعات، وتحليلات، وأخبار يسمعها الناس من هنا وهناك. لكن مع مرور الوقت بدأت تلك الأحاديث تزداد، حتى أصبحت تطغى على كل شيء آخر. أسماء جديدة تُذكر كل يوم. تحذيرات. توقعات. كلام كثير… وخوف غير معلن. كان الخوف موجودًا في الوجوه أكثر مما هو موجود في الكلمات. الناس تحاول أن تبدو طبيعية، لكن الجميع كان ينتظر شيئًا مجهولًا. شعور ثقيل يسبق الأحداث الكبيرة أحيانًا، حين يعرف الجميع أن شيئًا ما يقترب دون أن يعرفوا شكله الكامل. ثم بدأت. عام 2003 دخلت القوات الأمريكية من الجنوب، وبدأت الأخبار تتسارع. الناس لم تعد تعمل كما قبل. المحلات تُغلق مبكرًا، والأحاديث تدور حول شيء واحد فقط. فجأة أصبحت الأيام مختلفة. كل ساعة تحمل خبرًا جديدًا، وكل شخص يروي رواية مختلفة عما يحدث. أجهزة الراديو والتلفاز بقيت تعمل معظم الوقت، والناس تتابع الأخبار أكثر مما تتابع حياتها اليومية... الحرب. كانت الكلمة وحدها كافية لتعيد إلى داخلي ذكريات قديمة. أصوات القصف التي سمعتها طفلًا، والخوف الذي رأيته في عيون الكبار، والليالي التي نمنا فيها متجمعين في أماكن نعتقد أنها أكثر أمانًا. كأن الماضي عاد فجأة ليطرق الباب من جديد. في البيت، لم يكن الأمر مختلفًا. لم تكن أمي تنظر إلى الأخبار فقط، بل إلى الجدران. بدأت تظهر شقوق. لم تكن تنظر إليها كشقوق في الجدران فقط. كانت تنظر إليها كما تنظر الأم إلى أي شيء قد يهدد البيت الذي تعبت من أجله سنوات طويلة. كنت أراها تمرر يدها على الجدار أحيانًا وتحدق فيه بصمت، وكأنها تحاول أن تعرف إن كان ما بنيناه أخيرًا سيصمد أمام ما هو قادم أم لا. كنت أراقبها وهي تفعل ذلك. لم تكن تتكلم كثيرًا عن مخاوفها، لكنني كنت أرى القلق في عينيها. لم يكن أحد يملك دليلًا قاطعًا على ذلك، لكن أمي كانت تثق كثيرًا بإحساسها. وفي أغلب الأحيان كانت تتمسك به حتى لو لم يقتنع الآخرون. ومع مرور الأيام بدأت الشقوق تزداد وضوحًا، وكأن البيت نفسه يشاركها مخاوفها. بعد كل ما مررنا به من انتقالات ومشاكل وحوادث، أصبحت تنظر إلى البيت بطريقة مختلفة. لم تعد ترى الجدران فقط، بل ترى ما قد يحدث لها أيضًا. لم تطمئن للأمر. فقررت البيع. لم يكن القرار بسبب الحرب فقط، ولا بسبب ما حدث لنا سابقًا، بل بسبب إحساسها أن هذا البيت… لن يصمد. وهكذا بيع البيت.
ختام الفصل الرابع