ميسوپوتاميا_سيرة خوف

الفصل 22: الحلم المكسور_ القسم الأول

الحلم المكسور

القسم الأول

بعد بيع البيت وجدنا أنفسنا أمام مرحلة جديدة لم نخطط لتفاصيلها كاملة. كان علينا أن نبحث عن مكان آخر نبدأ منه من جديد. لكن أمي لم تكن ترغب في الانتقال إلى بيت جاهز، بل كانت تحلم ببيت نبنيه نحن، حجراً فوق حجر، ليكون لنا أخيراً مكان دائم نستقر فيه. كان هذا الحلم يرافقها منذ سنوات طويلة. منذ أول بيت تركناه، وربما قبل ذلك أيضًا. لم تكن تبحث عن جدران جديدة فقط، بل عن شعور بالأمان. عن مكان لا نفكر كل ليلة إن كنا سنغادره يومًا ما، ولا نخشى أن يأتي صاحبه ويطلبه منا فجأة. كانت تريد بيتًا يحمل أسماءنا وذكرياتنا ويبقى معنا. لذا بحث والداي عن قطعة أرض، غير مدركين أن الطريق إلى ذلك الحلم سيكون أطول وأصعب مما توقعنا. كانت الأحلام تبدو بسيطة حين نتحدث عنها. قطعة أرض، ثم بناء، ثم بيت. لكن الحياة كانت تضع بين كل خطوة وخطوة عشرات العقبات التي لم تكن في الحسبان. وكلما اقتربنا من الهدف، ظهر طريق أطول يقود إليه. وجدنا واشترينا قطعة أرض قريبة، تبعد شارعين أو ثلاثة فقط. لكن الأرض كانت مجرد بداية. لم يكن هناك سور ولا جدران ولا أبواب. مجرد قطعة تراب تنتظر من يمنحها شكلًا ومعنى. ومع ذلك كنت أرى في عيني أبي وأمي شيئًا مختلفًا كلما وقفا أمامها. كانا ينظران إلى ما ستكون عليه، لا إلى ما هي عليه الآن. كنا ننظر إليها أحيانًا ونحن نمر بالقرب منها. قطعة أرض صامتة وفارغة، لكنها تحمل داخلها صورة بيت لم يُبنَ بعد. بالنسبة لأبي وأمي كانت مشروع المستقبل، أما بالنسبة لي فكانت مجرد مساحة ترابية أنتظر أن أرى ماذا سيخرج منها. فالبداية كانت تحتاج وقتًا… ومالًا… واستقرارًا. وهذه الأشياء الثلاثة كانت بالذات أكثر ما نفتقده في تلك المرحلة. الوقت كان تسرقه الظروف، والمال كان يضيع بين الحاجات اليومية، أما الاستقرار فكان يبدو كضيف يقترب منا ثم يغير طريقه في اللحظة الأخيرة. وكل ذلك لم يكن موجودًا. كنت أسمع الكبار يتحدثون ليلًا عن الأسعار والأعمال والحرب وما سيحدث غدًا. لم أشارك في تلك الأحاديث، لكنني كنت أفهم من نبرات أصواتهم أن الأمور ليست سهلة كما يحاولون أن يظهروا لنا. كانت الظروف كلها تسير في الاتجاه المعاكس. الحرب، والخوف، وتعطل الأعمال، والقلق الذي يملأ الناس. حتى الخطط البسيطة أصبحت تحتاج إلى انتظار طويل قبل أن تتحقق. ثم توقفت الحياة. لم يعد الناس يتحدثون عن مشاريعهم كما كانوا يفعلون سابقًا. الجميع أصبح منشغلًا بالسؤال نفسه: ماذا سيحدث بعد ذلك؟ وكأن المستقبل كله توقف عند نقطة واحدة لا يستطيع أحد تجاوزها. هكذا بدت لنا على الأقل. الشوارع التي كانت مليئة بالحركة أصبحت أكثر هدوءًا، والناس صارت تتحدث بحذر، وكأن الجميع ينتظر شيئًا مجهولًا. الأيام لم تتوقف فعلًا، لكنها فقدت إيقاعها المعتاد. حتى الوقت بدا مختلفًا. الصباحات تمر ببطء، والليالي أطول من المعتاد، والأخبار تتغير أسرع من قدرة الناس على استيعابها. كان هناك شعور عام بأن البلد كله يقف على عتبة شيء كبير لم يتضح شكله بعد. توقف سوق العقارات. توقف البيع والشراء. أُغلقت المحلات. الناس لم تعد تعمل. بقيت الأرض… بلا بناء. وبقينا نحن… بلا بيت. كلما مررنا بالقرب منها كنت أتساءل متى ستتحول إلى بيت حقيقي. متى ستظهر أول جدار، وأول نافذة، وأول باب. لكنها بقيت كما هي، صامتة، تنتظر مثلنا تمامًا. كان الليل يهبط ببطء فوق كل شيء. وكانت الأفكار تصبح أعلى صوتًا من النهار. حين يهدأ كل شيء حولي، أجد نفسي أفكر في السنوات التي مضت، وفي البيوت التي تركناها، وفي الطرق التي مشيناها، وكأن حياتي كلها أصبحت سلسلة طويلة من البدايات غير المكتملة. جلست أتأمل الوجوه من حولي، وأشعر أن التعب لم يعد مجرد تعب يوم أو أسبوع، بل تعب سنوات كاملة نحملها معنا أينما ذهبنا. لم يكن ذلك التعب ظاهرًا دائمًا. أحيانًا كنا نضحك ونتحدث ونعيش أيامنا بصورة طبيعية، لكنه كان موجودًا في مكان عميق داخلنا. يظهر كلما واجهتنا مشكلة جديدة، أو كلما اضطررنا للبدء من الصفر مرة أخرى. لم أكن أعرف ما الذي ينتظرنا بعد ذلك، لكنني كنت أعرف شيئًا واحدًا فقط: أننا سنضطر إلى البدء من جديد، مرة أخرى. والغريب أنني لم أعد أقاوم هذه الفكرة كما كنت سابقًا. أصبحت جزءًا من حياتنا. لكن شيئًا بداخلي كان يتساءل بصمت: كم مرة يستطيع الإنسان أن يبدأ من جديد؟ وكم بيتًا عليه أن يترك خلفه قبل أن يجد المكان الذي يشعر فيه أخيرًا أنه وصل؟ كان هذا الإحساس مؤلمًا أكثر مما كنت أعترف به. للمرة الأولى شعرت أن فكرة الاستقرار التي كنا نلاحقها منذ سنوات طويلة ما تزال تبتعد كلما اقتربنا منها. مرت الأيام التالية ثقيلة ومليئة بالانتظار. كانت الأحاديث في البيت تدور حول سؤال واحد يتكرر كل يوم: إلى أين سنذهب؟ وكيف سنرتب حياتنا من جديد؟ وبين القلق والأمل استمر الجميع في البحث عن أي فرصة يمكن أن تمنحنا مكانًا نبدأ منه مرحلة أخرى. بحث والداي عن بيت للإيجار. وجدوا بيتًا صغيرًا، لا يتجاوز المئة متر. لا كراج. لا حديقة. فقط غرفة نوم، صالة، مطبخ، وملحقات. كان يبدو كحل مؤقت. لكن المؤقت في حياتنا… كان دائمًا يطول. أصبحت هذه الجملة تشبه قانونًا غير مكتوب في حياتنا. كل شيء يبدأ كحل مؤقت، ثم يتحول إلى أشهر أو سنوات. لذلك لم أعد أثق كثيرًا بكلمة "مؤقت" كما كنت سابقًا. وفي خضم كل هذا…وصلوا. عائلة خالي الأوسط. عائلة خالي الأصغر. جدي وجدتي. هربوا من منطقتهم. جاؤوا إلينا. كان وصولهم مفاجئًا وسريعًا. خلال أيام قليلة تغير شكل البيت بالكامل. أغراض إضافية، وفرش إضافية، ووجوه إضافية، وأصوات جديدة تملأ المكان من الصباح حتى الليل. فجأة… لم نعد عائلة واحدة في بيت صغير. صرنا ثلاث عائلات. وأكثر. ورغم الضيق، كان هناك شعور خفي بالأمان أيضًا. ففي أوقات الخوف والحروب يبحث الناس عن بعضهم. وجود العائلة الكبيرة في مكان واحد كان مرهقًا أحيانًا، لكنه كان يمنح شعورًا بأن أحدًا لن يواجه تلك الأيام وحده. كان المكان يضيق بنا. ليس فقط بالجدران، بل بالأصوات. لم يعد هناك وقت حقيقي للهدوء. دائمًا يوجد شخص يتحدث، أو طفل يتحرك، أو نقاش يدور في مكان ما. حتى الصمت نفسه أصبح نادرًا داخل ذلك البيت الصغير. كان البيت يستيقظ قبل أن يكتمل نومه أصلًا. شخص يتحرك، وآخر يبحث عن شيء، وأصوات الأبواب والأواني والحديث المتداخل. حتى في اللحظات التي يهدأ فيها الجميع، يبقى هناك صوت ما يذكرك بأنك لست وحدك أبدًا. حديث في زاوية، نقاش في زاوية أخرى، أطفال، كبار، ناس تتحرك، ناس تبحث عن مكان تجلس فيه. لم يعد هناك “مكان خاص”. لا سرير لك وحدك. لا زاوية لك وحدك. حتى أفكارك… لم تعد وحدها. كنت أشعر أحيانًا أن رأسي أكثر ازدحامًا من البيت نفسه. فبينما يتشارك الجميع الغرف والمساحات الضيقة، كنت أتشارك مع أفكاري كل لحظة من يومي، دون أن أجد مكانًا أرتبها فيه بهدوء. كنت أفتقد أحيانًا لحظة أجلس فيها بمفردي. ليس لأنني لا أحب وجود العائلة، بل لأن عقلي كان يمتلئ بأشياء كثيرة في تلك الفترة. أسئلة، وأفكار، وفضول يكبر يومًا بعد يوم، وكلها كانت تحتاج إلى مساحة لا أجدها بسهولة. ربما لهذا السبب أصبحت أحب البقاء وحدي كلما سنحت الفرصة. ليس هربًا من الناس، بل بحثًا عن دقائق قليلة أستطيع أن أسمع فيها أفكاري بوضوح دون أن تقاطعها الأصوات من كل اتجاه. في الليل، كان النوم متقطعًا. أجساد متقاربة. أنفاس متداخلة. حرارة لا تختفي. كنت أستلقي وأفتح عيني في الظلام. أسمع كل شيء. وأفكر في كل شيء. كانت تلك الساعات المتأخرة من الليل مختلفة. حين ينام أغلب من في البيت، ويبدأ الضجيج بالتراجع قليلًا، كانت الأسئلة التي أخفيها طوال النهار تخرج من أماكنها وتجلس بجانبي في الظلام. أفكر بالحرب، وبالأرض التي لم يُبنَ عليها شيء بعد، وبالدراسة، وبالكتب التي بدأت أقرأها، وبالأحاديث الغريبة التي كان الشيخ حميد يفتحها كل مرة. لم تعد تلك الأحاديث مجرد قصص أسمعها ثم أنساها. أصبحت جزءًا من طريقة تفكيري نفسها. أحيانًا أجدني أتذكر جملة قالها أو فكرة طرحها قبل أسابيع، وأظل أفكر فيها ساعات طويلة وكأنها لغز لم أجد له حلًا. وأحيانًا كنت أفكر في المستقبل كله دفعة واحدة، ثم أضحك من نفسي لأنني لا أعرف حتى ماذا سيحدث في اليوم التالي. لكن رغم كل الفوضى التي كانت حولي، كنت أشعر أن شيئًا ما يقترب ببطء من حياتي، شيئًا لم أكن أستطيع رؤيته بعد، لكنني بدأت أشعر بظله. لم يكن شعورًا بالخوف، ولا شعورًا بالراحة. بل إحساس غريب بأن هناك شيئًا يتشكل ببطء في حياتي. شيء لم تتضح ملامحه بعد، لكنه لم يعد بعيدًا كما كان في السابق. في الخارج… حرب. وفي الداخل… ازدحام. وفي داخلي… شيء آخر. ذلك الشيء لم يكن مرتبطًا بالحرب ولا بالبيت ولا حتى بالظروف التي نعيشها. كان يخصني أنا وحدي. ولهذا السبب كان أصعب في الفهم من أي مشكلة أخرى حولي. كان ذلك الشيء يزداد وضوحًا مع مرور الوقت، لكنه لا يصبح أسهل فهمًا. كلما كبرت سنة إضافية، شعرت أن الأسئلة تكبر معي أيضًا. لم تعد الحياة بالنسبة لي مجرد أحداث أعيشها، بل أشياء أحاول فهم معناها ومكانها داخل قصتي الخاصة. بدأت أنظر إلى الأحداث بطريقة مختلفة. لم أعد أراها مجرد ذكريات متفرقة، بل أجزاء من صورة أكبر لم أكن أستطيع رؤيتها كاملة بعد. وكأن كل ما مررت به منذ الطفولة كان يقود إلى نقطة ما ما تزال مختبئة في المستقبل. كنت أعيش ثلاث طبقات في وقت واحد: طبقة أراها في الشارع، وطبقة أعيشها في البيت، وطبقة لا يراها أحد… بداخلي. كانت تلك الطبقة هي الأكثر ازدحامًا رغم أنها لا تُرى. أفكار كثيرة، ومخاوف لا أتكلم عنها، وفضول لا أجد له جوابًا. أحيانًا كنت أجلس بين الناس وأبدو طبيعيًا تمامًا، بينما يدور داخلي حديث طويل لا يسمعه أحد غيري. كلما حاولت أن أهدأ… يحدث شيء. كلما شعرت أنني بدأت أفهم نفسي… تتغير الظروف. كأن الحياة لا تريد أن تعطيني وقتًا كافيًا لأفهم. وما إن أبدأ بالتأقلم مع مرحلة حتى تبدأ مرحلة أخرى. وما إن أرتب أفكاري حول أمر معين حتى تظهر مشكلة جديدة أو انتقال جديد أو حدث جديد يعيد كل شيء إلى نقطة البداية. وفي تلك الفترة… لم أعد أخاف من الأشياء كما في السابق. لم أعد أخاف من الماء، ولا من النار. كنت أخاف من شيء آخر… أن لا أجد مكانًا لي… لا في البيت، ولا في العالم، ولا حتى في نفسي. كان هذا هو الخوف الحقيقي الذي لم أكن أستطيع الاعتراف به لأحد. ليس الخوف من الحرب أو الفقر أو الانتقال، بل الخوف من أن أبقى غريبًا عن نفسي. أن أعيش سنوات طويلة دون أن أفهم لماذا أفكر بهذه الطريقة أو لماذا أشعر بما أشعر به. مرّت أيام الحرب ببطء ثقيل. كنت أتنقّل بين الجامع والبيت، بين الخوف من الخارج، والضغط داخل الجدران المزدحمة. حتى حين كان كل شيء هادئًا ظاهريًا، كنت أشعر أن التوتر موجود في الهواء نفسه. الجميع ينتظر انتهاء الحرب، والجميع ينتظر تحسن الأحوال، والجميع ينتظر شيئًا لا يعرف متى سيأتي. كل يوم، كنت أصعد إلى السطح. ليس لأن هناك شيئًا مميزًا فيه… بل لأنه المكان الوحيد الذي يشبهني. فوق السطح كنت أشعر أن المسافة بيني وبين العالم تصبح أوضح. البيوت تحت، والأصوات بعيدة، والسماء فوقي مباشرة. لم يكن أحد يطلب مني شيئًا هناك، ولم يكن عليّ أن أشرح ما أفكر به أو ما أشعر به. هدوء. هواء مفتوح. ومساحة تكفي لأفكاري. كنت أحيانًا أبقى دقائق طويلة دون أن أقرأ سطرًا واحدًا من الكتاب. فقط أحدق في الأفق أو في السماء وأترك أفكاري تتحرك بحرية. وربما كانت تلك أولى اللحظات التي تعلمت فيها معنى العزلة الاختيارية. لم أكن أعتبرها وحدة أو حزنًا. بل كانت استراحة صغيرة من العالم. دقائق أو ساعات أجلس فيها بعيدًا عن الجميع، لا يطلب مني أحد شيئًا، ولا أنتظر من أحد شيئًا. فقط أنا وكتابي وأفكاري والسماء الممتدة فوقي. كنت أجلس هناك، أفتح كتابًا، وأحاول أن أهرب… لا من الحرب فقط، بل من كل شيء. من الضجيج، ومن الأخبار، ومن ازدحام البيت، ومن الأسئلة التي لا تنتهي. كنت أبحث عن لحظات قصيرة أستطيع أن أسمع فيها نفسي بوضوح وسط كل ما كان يدور حولي. ومع الوقت أصبحت تلك اللحظات ضرورة أكثر من كونها رغبة. فكلما ازدادت الفوضى حولي، ازداد احتياجي إلى مكان هادئ أرتب فيه ما يدور داخلي. مكان لا أسمع فيه إلا صوت الريح أو صوت الصفحات وهي تتقلب بين يدي. إلى أن انتهت الحرب. وسقط النظام… وتغيّر كل شيء بسرعة لم أفهمها.