عقب عودته إلى غرفته المظلمة، أغلق الباب بعنف وجلس متقوقعاً كعادته، وعقله يغلي كمرجل من الأفكار. استند بجسده إلى الحائط البارد، وبدأ يسترجع الخرائط والمعلومات السياسية التي التهمها من الكتب خلال الأيام الماضية، محاولاً رسم خطة هروب مستحيلة. وفقاً للدراسة، كانت الخريطة الجغرافية لهذا العالم موزعة بتوازن هش: • الجنوب: الإمبراطورية الجشعة التي يحتجز فيها، وهي قوة عسكرية مسيطرة على مساحات شاسعة ومدن مزدهرة غنية. • الغرب: غابة سحيقة تعيش فيها قبائل "ألف" (الآلف)، مخلوقات طبيعية قديمة يكرهون البشر كراهية الموت بسبب حروب الإبادة السابقة، وينعزلون هناك. • بالقرب من الغرب: تقع جبال الأقزام، وهم قوم صانعون بالفطرة، يقدسون الحديد والهندسة. • الشرق: صحراء قاحلة شاسعة تحتضن مملكة بشرية منعزلة. • المناطق الوسطى: سهول مفتوحة ذات تضاريس غريبة، تعج بممالك بشرية وجماعات متفرقة. • الشمال المحظور: غابة ضخمة ومظلمة، وفي أعماقها يربض "ختم الملعون الأول"، وهو كيان مرعب من عالم آخر، استدعى البشر لأجله قبل قرون خمسة أبطال بالكاد استطاعوا ختمه. كان من المفترض أن يستنزف الختم قوته ويموت الملعون بعد 500 عام، ليأتي مخلوق آخر ويستدعى له أبطال جدد. لكن الإمبراطور الحالي، بطمعه الأعمى الذي لا تكفيه ثروات الأرض، استعجل الطقوس واستدعى أبطالاً قبل الموعد بقرون ليتخذهم سلاحاً لغزواته! حدّث الفتى الأسمر نفسه بسخرية لاذعة: «لقد حكم هذا الإمبراطور على عالمه بالموت المبكر.. لكن لا يهم، فلتذهب الـ 500 عام إلى الجحيم، أنا لن أعيش حتى 100 عام لأرى مخلوقات ملعونة! المشكلة أنني قد لا أعيش حتى لسنة واحدة بسبب هؤلاء الملاعين حولي. وحتى لو هربت، هذا العالم مصمم لقتل البشر؛ الغابات تعج بالوحوش، فما بالك بشخص مثلي بلا ذرة طاقة؟ للعنة.. أنا محاصر تماماً!» بعد مرور أيام، شعر ليون وكايل بالذنب تجاه رفيقهما المنعزل، وقررا تعويضه وإخراجه لرؤية العالم الخارجي والمدن المجاورة. ولأن الإمبراطور وحاشيته يرفضون خروجه، اضطر البطلان للكذب؛ فادّعيا أن هناك طقساً مقدساً وثقافياً في عالمهم القديم يحتم على الأبطال الثلاثة التجول معاً في أرجاء المدينة لتقوية الروابط. أمام ضغطهما، وافق الإمبراطور الجشع بشرط واحد: أن يصنع له كايل المزيد من تلك السيوف الميكانيكية الفتاكة عند عودتهم. وافق كايل، وتوجه البطلان فوراً إلى زنزانة الثالث لإبلاغه بالخبر. دخلوا الغرفة يرافقهم حارسان مدججان بالسلاح. كان الثالث جالساً يقرأ كتاباً تحت الضوء الخافت. تقدم ليون بابتسامة دافئة: — مرحباً يا رفيقي، لم نرك منذ مدة.. ما رأيك في الخروج معنا لرؤية المدينة؟ نظر الثالث إليهما، واشتعل عقله بالبارانويا فوراً: «لماذا لا يتركونني وشأني؟ ما فائدة هذه الرحلة؟ هل يريدون تصفيتي خارج أسوار القصر؟» لكن فكرة مجاراة الخروج بدت له فرصة لا تعوض؛ فقد يجد ثغرة للهروب. انشق وجهه عن ابتسامته الهادئة المزيفة وقال: — بالطبع.. الخروج يبدو أمراً جيداً للتغيير. تجهز الثلاثة، وحمل ليون وكايل أسلحتهم، بل وقدموا سيفاً للثالث أيضاً، فأخذه ووضعه على خصره متظاهراً بالامتنان. انطلقت العربة الإمبراطورية تحرسها ثلة من الفرسان. كانت القوانين العسكرية تقتضي إخفاء الأبطال حتى تكتمل قواهم، لكن طمع الإمبراطور جعله يستعجل إظهارهم، وهو خطأ سيكلفه الكثير مستقبلاً. كانت أقرب مدينة تبعد مسيرة يومين مشياً، أو يوماً واحداً بالعربة البدوية. وطوال الطريق، أدرك الثالث أن مواصلات هذا العالم بدائية، لكن من يملك طاقة حيوية تتعدى 500 نقطة يمكنه الركض أسرع من العربة نفسها! أثناء السير، أراد ليون كسر الصمت الثقيل، فالتفت إلى كايل قائلًا: — إذن يا كايل.. كم عمرك بالمناسبة؟ لم نسأل بعضنا قط. صمت كايل للحظة يراجع ذاكرته، ثم أجاب: — أظن أنني أتممت التاسعة عشرة (19) منذ مدة قصيرة.. ماذا عنك؟ رد ليون بابتسامة: — أنا أتممت العشرين (20) قبل فترة. ثم التفت الاثنان نحو الفتى الأسمر الصامت في الزاوية، وسأله كايل بفضول: — بالمناسبة.. ما هو الاسم الذي اخترته لنفسك هنا؟ ساد الصمت للحظات، تلاقت فيها عيونهم، قبل أن يجيب الثالث بصوت منخفض، جاف، وخالٍ من المشاعر: — اسم؟ ممم.. ليس لدي اسم. نادوني بما شئتم.. نادني فقط بـ "أنت"، هذا الأمر لا يهم في شيء. استغرب ليون وكايل من رده الجاف، وقال ليون بجدية: — هذا لا يجوز يا صاح، اختيار الاسم ضروري جداً لتبدأ حياتك هنا، أليس كذلك يا كايل؟ أومأ كايل برأسه، ثم سأل الثالث بتمعن: — كم عمرك إذن؟ أجاب الثالث باقتضاب: — تسعة عشر عاماً (19). ابتسم كايل: — إذن أنت في نفس عمري! ومن أي منطقة أنت في عالمنا القديم؟ ليون من الشمال، وأنا من الشرق.. دعني أخمن من لون بشرتك الأسمر.. أنت من الغرب، صحيح؟ أومأ الثالث برأسه دون تعليق: — صحيح.. وفجأة، اهتزت الشجيرات على جانب الطريق الترابي، وانشق الشجر عن قطيع من الخنازير البرية المتوحشة الضخمة، يتكون من خمسة أفراد ذوي أنياب عظمية حادة. قرر ليون وكايل التعامل مع الموقف كنوع من التدريب العملي. سحب كل منهما سيفه، وفجأة، انفجرت من أجسادهم الهالات الحية؛ تغطى جسد كايل بلهب أزرق حاد متقد ($1000 نقطة تعززها التكنولوجيا)، بينما اندفعت من ليون هالة ذهبية مقدسة، نقية، وطاغية لدرجة أنها هزت أوراق الشجر. بسرعة غير منطقية تتجاوز رصد العين البشرية، اندفع ليون ووجه قطعاً نظيفاً وحاسماً لرقبة أول خنزير، ليفصل رأسه عن جسده في لمحة. أما كايل، فقد ظهرت على محياه ابتسامة مجنونة، وأخرج من جيبه جسماً معدنياً غريباً ورماه ببرود نحو بقية القطيع.. وبعد ثوانٍ معدودة.. بُوووووم! دوى انفجار هائل ومروع هز أركان الغابة! لقد صنع كايل قنبلة ميكانيكية مدمرة باستخدام معرفته السابقة وطاقته! في لحظة، تحولت الخنازير الأربعة المتبقية إلى عجينة من اللحم المحترق والدماء المتناثرة. اندهش الحراس من قوة الأبطال، بينما وقف الثالث يحدق في الأشلاء المتفحمة، واعتصر الرعب قلبه مجدداً: «تباً.. هذا الفتى مجنون ويحب تفجير الأشياء! لا تخبرني أنني سأكون ضحية انفجار أحد اختراعاته يوماً ما.. اللعنة على هذه الرفقة!». عندما خيم الليل، نصب الفرسان الخيام وأعدوا الطعام. قال ليون للثالث بلطف: — يمكنك النوم والراحة الآن يا رفيقي، سأتبادل أنا وكايل والفرسان نوبات الحراسة طوال الليل لحمايتك لو هاجمنا وحش آخر. رد الثالث بقناعه الهادئ: — حسناً.. شكراً لكم. التف بعباءته وتمدد داخل الخيمة، لكن عقله كان مستيقظاً يغلي بسخرية سوداء: «أنام وأترك حياتي بين أيديكم؟ في أحلامكم! على الأقل لو مت الليلة مقتولاً، أريد أن أكون مستيقظاً لأعرف كيف حدث هذا ومن طعنني!». وهكذا، قضى الليل بطوله متظاهراً بالنوم رغماً عن تعب الرحلة القاتل. مع إشراقة الصباح التالي، وصلت العربة أخيراً إلى المدينة المجاورة. بدت المدينة وكأنها من العصور الوسطى؛ جدران حجرية رمادية، شوارع ضيقة، لكنها كانت شديدة الاكتظاظ والحيوية. تجاوزوا حراس البوابة الإمبراطورية الضخمة، ودلفوا إلى الداخل حيث تصطف المنازل الخشبية المتراصة، وتنتشر الأسواق الصاخبة التي تعج بالبشر والمقايضات. بعد جولة طويلة ومرهقة في أزقة المدينة، قرر الأبطال الاستراحة في إحدى الحانات الشعبية. دخلوا حانة واسعة، مكتظة بالزبائن، تضج بأصوات الضحك العالي ورائحة الخمر النتن واللحم المشوي. جلسوا في زاوية وطلبوا شراباً ليريحوا أجسادهم. ولم تكد تمضي دقائق حتى انقطع ضجيج الحانة فجأة، ليحل محله صوت شجار عنيف وصراخ امرأة مستغيثة. في وسط الحانة، كان هناك رجل أصلع، ضخم البنية، ذو عضلات مفتولة ووجه تشوهه القسوة، يمسك بفتاة شابة من شعرها بقوة ويجرها على الأرض الخشبية كالدابة، وهو يصرخ بملء فيه بغضب أعمى: — أيتها العاهرة الساقطة! كيف تجرئين على خداعي وسرقتي بهذه الطريقة؟! ثم رماها بقسوة على الأرض، فارتطم جسدها الهزيل بالخشب، وبدأت ترتجف من الرعب والدموع تملأ عينيها، وتنظر حولها بقلب مكسور يستغيث. لكن الصادم والسينمائي في المشهد، أن جميع زبائن الحانة -بلا استثناء- قاموا بطأطأة رؤوسهم نحو الأرض والتحديق في كؤوسهم ببرود وخوف، كأن شيئاً لم يحدث! فالرجل يبدو نافذاً أو ذا سلطة وطاقة مرتفعة لا يريد أحد الاصطدام بها. كانت الفتاة تلتقط أنفاسها المذعورة وتلتفت يمنة ويسرة، باحثة في العيون عن منقذ.. عن أي شخص ينتشلها من هذا المسلخ البشري. استشاط الرجل الأصلع غضباً من صمتها، وبملامح سادية خالية من الرحمة، استل سيفه الطويل من غمده، ورفعه عالياً في الهواء وهو يزأر بقسوة: — جزاؤك المحتوم هو قطع رأسك القذر هنا أمام الجميع أيتها العاهرة! ليتربى بك غيرك! لمع النصل تحت ضوء الفوانيس الخافتة، متجهاً نحو رقبة الفتاة المنهارة.. وفي تلك اللحظة بالذات، في زاوية الحانة، تحركت تروس الأبطال الثلاثة