في مكان آخر بعيد، وسط القفار القاحلة للصحراء الشرقية، كان هناك معبد شاهق ومحصن ينتصب بشموخ في قلب واحة خضراء معزولة. دلف رجل من الكشافة مسرعاً والأنفاس تكاد تنقطع من صدره نحو القاعة الرئيسية للمعبد، ثم نزل عبر درج حجري لولبي يمتد عميقاً تحت الأرض، حتى وصل إلى قاعة مهيبة صامتة مخصصة لإدارة العمليات. تقدم نحو أحد المكاتب الضخمة حيث كان يجلس رجل في الأربعين من عمره، ذو شعر فضي مسترسل وعينين حادتين كالصقر. وقف الكشّاف، وضغط بقبضته على صدره قائلاً بنبرة مشدودة: — سيدي القائد.. لقد كنتَ على حق! الإشاعات القادمة من الجنوب صحيحة تماماً.. إمبراطور الجنوب قد فعلها بحق.. لقد كسر الختم واستدعى الأبطال المقدسين! لم يظهر على الرجل ذو الشعر الفضي الكثير من المفاجأة، وبدا كأنه متوقع لهذا منذ زمن. وقف من مقعده وقال بصوت جهوري صارم: — إذن، لقد حُسم الأمر.. أخبر القائد الأعلى للجيوش أن يبدأ في تجهيز الفيالق فوراً. علينا الاستعداد التام لما هو قادم . وأرسل كشافتنا إلى عمق الجنوب لنبقى مطلعين على كل مايحدت في قصر الإمبراطوري! وفي ذات الوقت، في غابات الغرب السحيقة والمظلمة.. كانت مجموعة من الأقزام الأشداء يتقدمون بحذر بين الجذوع العملاقة، حتى وصلوا إلى بوابة شجرية ضخمة منسوجة من السحر والنباتات الكثيفة. وفجأة، انشق الشجر وخرج حارس من عرق الآلف (الإلف)، ممسكاً بقوسه الطويل، وقال بنبرة حادة ومتغطرسة: — ماذا تريدون أيها الأقزام؟ أنتم تعلمون جيداً أنه محظور عليكم دخول أراضينا المقدسة! سعل القزم الذي في مقدمة المجموعة، وكان يرتدي عباءة ملكية ثقيلة، وقبل أن يتحدث، صرخ أحد مرافقيه من الأقزام بغضب: — كيف تتجرأ على مخاطبته هكذا أيها الحارس الصغير؟! إنه ملك الأقزام بنفسه! توقف حارس الآلف في مكانه وتملكه الذهول التام، وكاد ينحني اعتذاراً.. لكن فجأة، انشق الضباب عن شخص طويل القامة، ذو ملامح فائقة الجمال وشعر أبيض حريري وتاج من أغصان الشجر الروحية، وخرج من خلف البوابة قائلاً بنبرة هادئة وعميقة: — مرحباً "رالف".. لم أرك منذ مدة . التفت القزم الذي في الوسط، وتحدث بنبرة جادة: — مرحباً "سيزر".. اندهش حارس الآلف فوراً وانحنى بجسده كاملاً حتى كاد يلمس الأرض صاحاً: — جلالة الملك سيزر! المعذرة! لم يهتم ملك الآلف "سيزر" بالحارس، بل وجه نظراته الحكيمة نحو ملك الأقزام رالف، وقال باهتمام: — إذن.. ما الذي أتى بملك الأقزام إلى غابتي المعزولة؟ نحن لم نلتقِ منذ مئة عام تقريبا . عبس الملك رالف، وقبض على فأس الملكي قائلًا بنبرة ثقيلة ومظلمة: — إمبراطور الجنوب.. ذلك الوغد يوليوس قد فعلها أخيراً. لقد استعجل الطقوس الملعونة واستدعى الأبطال! لعن ملك الآلف "سيزر" في سره، واحتدت عيناه بغضب مكتوم: «تباً.. ذلك البشري الجشع، لقد فعلها حقاً وحكم على التوازن بالانهيار !». ثم التفت إلى رالف وقال بصرامة: — حسناً إذن.. فلنستعد ونوحد قوانا مجدداً؛ فالقادم سيكون كابوس طويل يمر على هذا العالم! بعد مرور عدة أشهر من تلك الأحداث.. وداخل غرفة الحدادة والورشة الملكية التابعة لكايل في القصر الإمبراطوري، كان هناك خمسة أشخاص يجلسون في حلقة دافئة، يتشاركون البراميل من مشروب الحانة اللذيذ وسط ضحكات صاخبة. كان الجمع يتكون من: الأبطال الثلاثة (ليون، كايل، والثالث)، والمسؤولة والمرافقة أكي، والقزم العجوز درون. ضرب القزم درون كأسه بالطاولة وصاح ببهجة: — آه! أنا أحب هذه الأجواء حقاً! حفلات الشرب مع الأصدقاء في الورشة هي الأفضل على الإطلاق! رفع ليون كأسه بابتسامة واثقة وعينين تلمعان بالحمية: — حسناً يا رفاق.. بعد أشهر طويلة وقاسية من التدريب المتواصل، أظن أن أجسادنا وطاقتنا باتت مستعدة تماماً للخروج من أسوار هذا القصر الإمبراطوري الكئيب ورؤية العالم الخارجي! خلال الفترة السابقة، لم يتوقف البطلان عن العمل؛ ليون كان يتدرب كالمجنون لترويض طاقته اللانهائية، وكايل كان يخترع ويطور الأسلحة والمخططات الميكانيكية. وكان دافعهم الحقيقي خلف كل هذا التدريب الشاق هو التخطيط سراً لمغادرة الإمبراطورية بشكل دائم والتجوال في العالم لإيجاد حل لختم الملعون الأول، برفقة أكي ودرون، وبالطبع رفيقهم الثالث. وعلى الرغم من أن البطل الثالث كان لا يبالي بالظاهر ويغرق في يشك في كل لفتة، وكل اختراع لكايل، ويتوقع أن تكون هذه الرحلة فخاً إمبراطورياً لتصفيته، إلا أنه مع الوقت انسجم معهم في نسيج غريب؛ تبادلوا الأفكار، والخبرات من عالمهم القديم، وتعمقت الروابط بينهم بشكل غير واعي. واليوم، تجمعوا للاحتفال لأنهم سيغادرون أخيراً في رحلة استكشاف خارج حدود العاصمة! وفي نفس تلك الساعات، في قاعة العرش الإمبراطورية الفخمة.. كان الإمبراطور يوليوس يجلس على عرشه الذهبي بملامح متعجرفة، ويحيط به كبار الجنرالات وقادة حاشيته المخلصين. تقدم رئيس الاستخبارات وانحنى قائلًا بوجل: — سيدي الإمبراطور.. إن المملكة في الشرق قد بدأت بالفعل في التحرك .. يبدو أنهم ينوون على شيء تقدم جنرال آخر وأردف بريبة: صمت الإمبراطور يوليوس لبرهة، ثم انفجر ضاحكاً بقهقهة طاغية ومجنونة ملأت جدران القاعة، ولوّح بيده بلامبالاة غارقة في الغرور: — هههههه! لا تقلقوا.. دعوهم يحشدون، ودعوهم يتحالفون كما يشاؤون! مهما اتحدت ممالك العالم ضدنا، لن يقدروا على زحزحة حجر واحد من إمبراطوريتنا! فبعد كل شيء.. نحن نمتلك الورقة المطلقة؛ لدينا البطل ليون بطاقته المقدسة، والأهم من ذلك، لدينا تلك الأسلحة الفتاكة والسيوف الميكانيكية التي يصنعها العبقري كايل في ورشته! نهض الإمبراطور من عرشه، ونظر عبر النافذة الكبرى نحو الأفق وعيناه تشعان بجشع مرعب: — هذه الأسلحة والأبطال هم أوراقنا الرابحة التي ستغير موازين قوى الحرب القادمة قريباً جداً.. ستكون كل هذه الأراضي ملكاً لنا ، وقريباً.. سيخدم كل البشر، والإلف، والأقزام، كل الأعراق ستخدم تحتنا