أكاديمية الدم الملعون ج2

الفصل 6: Part 5

Part 6

لم يكن جناح العرافين يُشبه أي مكان آخر داخل أكاديمية فالينور العليا ، الطريق إليه وحده كان كافيا ليجعل أي طالب يُعيد التفكير في خطواته ، ممرات ضيقة تلتف كأنها لا تُريد أن تُكشف و جدران حجرية قديمة مغطاة بنقوش دائرية غير مفهومة تتوهج أحيانا باللون البنفسجي الخافت ثم تختفِ ، و كأنها تتنفس أو تراقب. كانت خطوات مارغريت ثابتة و لكنها أبطأ من المعتاد ليس ترددا بل ثقلا ، العباءة السوداء التي ترتديها كانت تنسدل خلفها بصمت و شعرها مربوط بإحكام ، لكن رغم كل ذلك كان هناك شيء مختلف ، شيء غير مرئي لكنه واضح في طريقتها ، يدها اليسرى كانت مشدودة قليلا و على معصمها تحت القماش كان هناك الرمز ، ينبض تارة خفيف و تارة أخرى أقوى ، توقفت لجزء من ثانية أمام الباب ، أنفاسها لم تختل لكنها شدت فكها و همست لنفسها بخفوت_ " لا ... ليس الآن ، أنا بحاجة إلى بعض الوقت " أخذا نفسا عميقا ثم تابعت سيرها و عند نهاية الممر ظهر باب نصف دائري ، مصنوع من خشب داكن قديم و محفور عليه رموز متداخلة تشبه العيون ، كان ذلك باب جناح العرافين ... وقفت أمامه للحظة ليس لأنها تحتاج الإذن للدخول بل لأن المكان نفسه يفرض التوقف ، رفعت يدها ثم دفعت الباب ببطء فصدر صرير خافت و طويل و كأنه اعتراض لكنها لم تُبالي بذلك. داخل الجناح ، كان الهواء مختلف أثقل لكنه ناعم في نفس الوقت ، رائحة البخور و أعشاب محترقة و شيء آخر ، شيء أقرب إلى المطر على حجر قديم ، الضوء هنا لم يكن ثابتا ، كرات زجاجية صغيرة تطفو في الهواء و بداخلها دوامات من ضوء فضي و أزرق ، تتحرك ببطء و كأنها عيون ترى المستقبل ، الستائر الثقيلة تغطي النوافذ بالكامل و تجعل المكان منفصلا عن الزمان ، و في منتصف الغرفة جلست نيكيتا. كان ظهر نيكيتا مستقيم ، شعرها الطويل منسدل خلفها و عيناها مثبتتان على وعاء زجاجي كبير أمامها ، بداخله سائل داكن يتحرك ببطء ، لم تلتفت عندما دخلت مارغريت لكنها تحدثت بهدوء و كأنها كانت تعرف منذ البداية_ " ما كان عليك فعل ذلك ... مارغريت " توقفت مارغريت على بعد خطوات و عيناها ضاقتا قليلا ... " لا داعي لكل هذا القلق يا نيكيتا ... أنا بخير " إبتسمت نيكيتا إبتسامة خفيفة لكنها خالية من الطمأنينة ، ثم أخيرا إلتفتت و عيناها لم تكونا تنظران فقط بل تقرآن ، زفرت بضيق ثم قالت بهدوء_ " لا ... لست كذلك " ساد صمت قصير لكن الهواء نفسه أصبح أثقل ، وقفت نيكيتا ببطء و خطواتها هادئة لكنها تحمل ثقل معرفة لا يريد أحد سماعها ، إقتربت من مارغريت ثم توقفت أمامها مباشرة ، نظرت إلى معصمها حتى دون أن تراه ، ثم قالت ببطء و كأنها تُنزِل حكما_ " جسدك سيضعف تدريجيًا ... و ستكونين بحاجة إلى الغذاء ، و غذاءك سيكون دم لوسيان " لم تتحرك مارغريت و لم تنظر حتى إلى معصمها فقط رفعت ذقنها قليلا ... " لن أسمح لذلك بأن يحدث " صمت ثم ضحكة خفيفة و قصيرة ، ليست سخرية بل شيء أقرب للشفقة ، أمالت نيكيتا رأسها قليلا و هي تقول ... " الامر ليس خيارا " إقتربت نصف خطوة حتى أصبحت المسافة بينهما شبه معدومة ... " الرمز الذي أخذته ليس طاقة عادية " رفعت يدها ببطء دون أن تلمسها لكن الهواء بينهما إرتجف ... " هذا باب " تجمدت عينا مارغريت لجزء من ثانية لكنها لم تتراجع بل أجابت ببساطة و كأن الأمر لا يعنيها ... " أعلم " لم تتوقف نيكيتا ... " لا ... أنت لا تعلمين " انخفض صوتها و اصبح أعمق ... " الابواب لا تُفتح من طرف واحد " صمتت لحظة ثم همست ... " و لا تُغلق بسهولة " الرمز تحت عباءة مارغريت نبض و هذه المرة أقوى ، توقفت أنفاسها لجزء من الثانية لكنها لم تُظهر شيء بل قالت ببرود قاتل_ " سأُغلقه " نظرت نيكيتا إليها طويلا ثم قالت أخيرا ... " إن حاولت كسره ... " توقفت و عيناها أصبحتا أعمق ... " سيُكسرك أنت " سكن المكان و الكرات الزجاجية من حولهما بدأت تدور ببطء أسرع ، ساد صمت قصير بينهما قبل أن تأخذ مارغريت نفسا عميقا و ترفع يدها لتضعها على معصمها ، شدت عليه بقوة ثم قالت_ " كم تبقى لي " رفعت نيكيتا عيونها نحوها و نظرت إليها ، تفحصتها من رأسها حتى أخمص قدميها ثم تقدمت نحوها أكثر و سحبت إحدى يديها و وضعتها بين خاصتها . أغمضت نيكيتا عينيها و عم الصمت المكان من جديد لم يكن يُسمع فيه سوى صوت نبضات قلب مارغريت المتواترة و دقات قلب نيكيتا التي بدأت ترتعش داخل صدرها ، فجأة سحبت نيكيتا يديها بعنف و تراجعت إلى الوراء ببضع خطوات حتى اصطدمت بإحدى البلورات المعلقة في الصف ، فتحت عينيها على مصراعيهما ثم قالت بصوت مرتعش حاولت إبقاءه ثابتا_ " مارغريت ... لماذا فعلت ذلك " مالت زاوية فم مارغريت بإبتسامة خفيفة ثم خفضت بصرها ... " هل ترغبين حقا في معرفة السبب الذي دفعني لفعل ذلك " أعادت مارغريت رفع رأسها نحو نيكيتا من جديد ، صمتت الأخرى ثم هزت برأسها بالإيحاب و هي تُحدِق بمارغريت التي إستدارت و أولت ظهرها لها ثم سارت بخطوات ثابتة نحو الباب ، وضعت يدها عليه و دون أن تلتفت نحو نيكيتا نبست قائلة_ " آلثاك بإنتظاري " ثم غادرت دون أن تمنح لنيكيتا فرصة الحديث و فرصة فهم ما كانت ترمي إليه ، ضغطت نيكيتا على أصابع يديها بقوة حتى إبيضت مفاصلها ثم تمتمت قائلة بخفوت_ " ستقتل'ين نفسك بلا أدنى شك يا مارغريت ... و لا اعرف أين سيكون وعدي لآلثاك من كل هذا " إلتفتت من جديد و نظرت إلى البلورة الزجاجية و عادت إليها ، انحنت قليلا و جلست و هي تُراقبها.

~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~

كانت مارغريت تسير بخطوات ثابتة في ممرات الأكاديمية ، الجميع ينظر إليها بعضهم بإعجاب و بعضهم الآخر بشفقة ظانين منها بأننا لازلت حزينة على فقدان شقيقها آلثاك ، بينما آخرون كان يحدقون بها بترقب و توجس ، توقفت أمام الأستاذ الياس الذي كان يقف في آخر الممر ، ذراعاه متشابكتان عند صدره و نظراته الحادة و الثاقبة تخترِق مارغريت ، قال بصوت هادئ و حاد في آن واحد و هو يُحملق بها_ " مارغريت ... سمعت بأنك ستذهبين إلى الميتم برفقة لوسيان ، إيلارا و جاسون ... أليس كذلك " أومأت برأسها إيجابا ... " نعم ... سيدي " _ " مارغريت ... أنت لديك غريزة مصاصين الدماء و لوسيان أيضا ... و المكان الذي ستذهبين اليه فيه البشر و ... " قاطعته مارغريت ... " فهمت سيدي ... لا تقلق ، إيلارا ستقوم بتعويذة لتثبيط القوة فلا تقلق سيدي " حرك رأسه يمينا و يسارا ثم رفع يده و مسح بها على خصلات شعرها ... " هذا جيد مارغريت ... إن إحتجت لأي شيء ، أخبريني " _ " حسنا ... سيدي " إستأنفت مارغريت طريقها و تركت خلفها الهمسات و الأستاذ الياس ، توجهت إلى غرفة الفحص و دخلت إلى هناك دون أن تجرب الباب ، وقفت في مكانها و هي تُحدث بلوسيان الذي كان عاري الصدر و جاسون يقف معه و يحاول مساعدته في ارتداء ثيابه ، الوشم القديم نبض تحت جلد لوسيان ، عاد جاسون إلى الوراء بخطوتين و إرتسمت إبتسامة مرحة على شفتيه و هو يقول_ " لقد أخبرت إيلارا عن رحلة الميتم ... مارغريت " أشاحت مارغريت بوجهها عن لوسيان و نظرت إلى جاسون ثم قالت ببرود ... " جيد " ثم أضافت و هي تتقدم نحوهما ... " دعني أساعده جاسون ... و أنت اذهب و ساعد إيلارا في تحضير تعويذة تثبيط القوى " عقد لوسيان حاجبيه ثم رفع عينيه نحو مارغريت و سأل ... " ما هذه " تأملت مارغريت ملامح وجهه ثم تقدمت نحوه أكثر ، لم تكن المسافة التي تفصل بينهما سوى بضع سنتيمترات ، مدت يدها و وضعتها على خصر لوسيان بينما يدها الثانية وضعتها برفق على ساعده ، إبتلع جاسون ريقه ثم سار نحو الباب و إبتسم بخفة و هو يُلوح بيديه_ " لوسيان ... سأعود اليك لاحقا " خرج بسرعة من الغرفة و ترك لوسيان و مارغريت فقط هناك ، حاول لوسيان تثبيت جسده لكن الألم تسلل إليه فمال جسده قليلا لكن مارغريت ساندته ، ساعدته على الجلوس ثم سحبت القميص من على الطاولة و قالت_ " ما الذي حدث معك ... غادرت و تركت بخير ، ماذا حدث بعدها " وضع لوسيان يده على خصره ثم أجاب ... " لا شيء مهم ... مارغريت " مدت مارغريت القميص نحوه فأدخل يده بصعوبة بالغة ثم إنحنت قليلا لتساعده على ارتداء الجهة الأخرى ، شعر لوسيان بأنفاس مارغريت تلامس عنقه إلا أنه أعاد رأسه إلى الوراء قليلا ، ارتدى الذراع الآخر ثم وجه نظره نحو معصم مارغريت حين رُسم الرمز و حيث إرتفع قماش العباءة قليلا حين أنزلت مارغريت القميص ليغطي بطن لوسيان. الصمت كان ثقيلا و خانقا لدرجة أن لوسيان ضغط على لحاف السرير بقوة ، انتبهت مارغريت ليده فكسرت ذلك الصمت ببرود_ " هل أنت أحمق " اتسعت حدقتا عيون لوسيان من الدهشة و سأل بعدم فهم .... " لماذا " رفعت عينيها إليه فالتقت عيونهما ثم إعتدلت في جلستها ... " أي نوع من الهجناء أنت ... لم يسبق لي و أن رأيت هجين من قبل يحاول الإنتحار " سكت لوسيان و أحنى رأسه بينما مارغريت لم تستطع كبح الابتسامة الخفيفة التي تسللت إلى شفتيها ، أطلقت ضحكة قصيرة و ساخرة فرفع لوسيان رأسه إليها و حدق فيها بعدم فهم لكنها لم تكترث له فقط قالت بهدوء._ " هل تظن أن كونك هجين سيجعل انتحارك سهل و أيضا ... يا لسذاجتك و حماقتك يا لوسيان أريندل ... تنتحر بقوتك " تجهم وجه لوسيان من سخرية مارغريت منه ، فأطلق تنهيدة غاضبة ثم مال بجسده قليلا نحو مارغريت التي عقدت حاجبيها بإستنكار ، أخذت كفايتها من الضحك الساخر ثم وقفت و حين حاولت الذهاب مد لوسيان يده و أمسك معصمها إلا أنها سحبت يدها بسرعة و كأن صاعقة كهربائية أصابتها ، وقف لوسيان بسرعة و إقترب منها و هو يضع يده على خصره_ " مارغريت ... هل أنت بخير " _ " لا تلمسني " _ " ما الأمر " _ " هل أنت أحمق ... أنظر إلى كفك ، هو لا يزال يحتوي على الدم و هذا الرمز يتفاعل معه " رفع لوسيان يده و وضعها خلف مؤخرة رأسه ثم أردف ... " أنا آسف ... لم أقصد " _ " لا يهم " قالتها مارغريت ببرود و هي تتوجه نحو الباب لكنها تصنمت في مكانها حين استفسر لوسيان ... " مارغريت ... هل الرمز يقتلك " الابتسامة التي إختفت قبل وهلة عادت و إرتسمت على شفتيها من جديد ، طأطأت مارغريت رأسها و بهدوء مررت أناملها على الرمز و دون أن تُزيح نظرها عن الرمز ردت_ " لا " _ " رابطة الدم تقول العكس ... تقول بأن حياتك في خطر " تنفست مارغريت بعمق شديد ... " منذ ولادتي و حياتي في خطر يا لوسيان أريندل لذلك لا داعي لأن تقلق عليها الآن " _ " أريد أن أعرف هل ستموتين " _ " لوسيان ... إن شعرت و نحن في طريق عودتنا إلى فالينور من الميتم بأنني لست مارغريت السابقة اقتلني و لا داعي لتردد " جحظت عينا لوسيان و الدم تجمد في عروقه من كلام مارغريت ، قبل أن ينبس ببنت شفة كانت مارغريت قد غادرت الغرفة من جديد و تركت مئات الاسئلة تدور في رأس لوسيان و من بينها : هل مارغريت بالفعل ستموت ؟.