أكاديمية الدم الملعون

الفصل 22: Part 22

Part 22

في مكان لا تصل إليه الخرائط و لا تعترِف به الأكاديميات ، كانت الأرض نفسها تبدو و كأنها إنحنت خضوعا لسلطة غير مرئية ، سماء رمادية بلا نجوم و قمر مشروخ يبعث ضوءا شاحبا لا يُدفِئ و لا يُطمئِن و رياح باردة تمر بين الصخور السوداء و كأنها تهمس بأسماء منسية ... هناك ، في عمق وادٍ محاط بجدران حجرية شاهقة محفورة بتعاويذ قديمة ، إرتفع بناء دائري ضخم لا يُشبه القصور و لا المعابد بل أقرب إلى جرح مفتوح في جسد العالم ، بوابته لم تكن بابا بالمعنى المعروف بل شقا مظلما في الهواء ، يتنفس ببطء و كل من يقترب منه يشعر بأن دمه يُقاس قبل أن يُسمح له بالعبور. في الداخل ، امتدت قاعة مجلس الظلال و هي قاعة شاسعة ذات سقف عال يضيع في العتمة ، تتدلى منه سلاسل سوداء غير متصلة بشيء مرئي ، تتحرك ببطء و كأنها تتبِع نبضا حقيقيا ، الأرضية كانت من حجر داكن لامع . تتوسطها دائرة ضخمة محفورة برموز الدم و اللعنات الأولى ، و في مركزها تنبض علامة قديمة و كأنها ختم لم يُفتح منذ قرون ... حول الدائرة جلس مجلس الظلال ، سبعة مقاعد حجرية مرتفعة و كل مقعد يبتلع الظل من حوله . و على كل منها جلس كيان لا يُشبه الآخر لكنهم جميعا يشتركون في شيئا واحدا : القدرة على إتخاذ قرار قد يُغير مصير العالم. - مالريك نيرث : قاضي الدم ... جلس في المقعد الأعلى ، جسده نحيل و بشرته شاحبة كالعظام المصقولة ، و عيناه حمراوان داكنتان كدم قديم جف منذ زمن ، كان هو من يحكم و من يُصدِر القرار النهائي و من يحمل سجل اللعنات الكبرى ، قالوا إن مالريك لا يرى الحاضر بل يرى النتيجة فقط. - سيرافين الظلية : العرافة السوداء ... إمرأة مغطاة برداء طويل يُخفي ملامحها ، لا يُرى من وجهها سوى عين واحدة تتوهج بلون بنفسجي غريب ، لم تكن تتحدث كثيرا لكنها حين تفعل يصمت الجميع ، رأت الدم الملعون قبل أن يُولد ، و رأت نهايات لم يُرِد أحد سماعها. - كورفاكس درال : الحارس الأول ... كائن ضخم الجسد ، نصفه يبدو بشريا و نصفه الآخر مغطى بقشور داكنة كقشور التنين ، سيفه العملاق مغروس في الأرض أمامه ، لم يُسحب منذ آخر مجزرة بل كان يؤمن أن الدم الملعون لا يجب أن يعيش طويلا. - نيمورا فايل : سيدة الطقوس ... ملامحها هادئة بشكل مخيف ، أصابعها رفيعة و مغطاة بنقوش دموية دائمة ، هي من تعرف كيف تُفعل الأختام و كيف تُكسر ، و كانت تعلم جيدا أن بعض الأختام لا يجب المساس بها. - أزراكيث الصامت : حارس الأسرار ... جلس بلا حركة و بلا صوت ، وجهه مغطى بقناع أسود أملس ، لم يتكلم أبدا لكن الظلال خلفه كانت تتحرك كلما إشتد النقاش ، حين يتحرك أزراكيث يموت أحدهم لاحقا. - فيلارين كرو : سيد العهود ... رجل أنيق المظهر ، إبتسامة باردة لا تُفارِق شفتيه ، يعقد الاتفاقات مع الدم و مع الأرواح و حتى مع اللعنات نفسها ، كان يرى في صاحب الدم الملعون فرصة لا تهديد. - إلثيرا مور : صوت الماضي ... أقدمهم جميعا ، جسدها هش لكن حضورها ثقيل ، قالوا إنها عاشت سقوط أول حامل للدم الملعون و نجب لتروي القصة ، ذاكرتها كانت أخطر سلاح في القاعة. ساد الصمت للحظات ، ثم بدأت الدائرة في مركز القاعة تتوهج : خيوط سوداء و حمراء ارتفعت من الرمز القديم ، تشكلت صورة غير مكتملة بها عين سوداء و وشم تنين و نبض غير مستقر ... رفعت سيرافين رأسها ببطء و صوتها خرج مبحوحا كأنه قادم من قبر بعيد _ " الختم تحرك ". شد كورفاكس قبضته على سيفه و زمجر ... " هذا مستحيل ... الختم كُسِر مرة واحدة فقط ، و دفع العالم ثمنه ". قال مالريك بنبرة باردة و حاسمة ... " الدم أجاب النداء ... و هذا يعني شيئا واحدا ". مال فيلارين للأمام مبتسما ... " أن صاحب الدم الملعون ... وُلِد ". ارتفعت الهمسات و الظلال اهتزت و السلاسل في السقف بدأت ترتجف ، قالت نيمورا بصوت منخفض و خطير ... " إن كان الختم قد بدأ بالظهور ... فهذا يعني أن الأكاديمية لن تستطيع إخفاءه طويلا ". تحدثت إلثيرا أخيرا ، صوتها ضعيف لكنه حمل ثقل القرون ... " في المرة السابقة ... لم نتحرك بسرعة ". ساد صمت ثقيل قبل أن ينهض مالريك ببطء ، عينيه تلمعان بقرار لا رجعة فيه ... " إذن ... لن نُكرِر الخطأ " ضرب عصاه الحجرية أرض القاعة فإنبثق نور مظلم من الدائرة ... " إبدأوا بالبحث ... أريد صاحب الدم الملعون حيا ". تبادل السبعة النظرات فيما بينهم ثم إنفجروا ضاحكين ، ضحكاتهم لن تكن تُبشر بالخير أبدا بل كانت أشبه بلعنات مرسومة على الواقع و على أفواه مجلس الظلال. ~~~~~~~~~~~~~~

- أكاديمية فالينور العليا -

كان جناح الفتيان غارقا في هدوء ثقيل لا يُشبه الهدوء المعتاد بعد صبيحة دراسية طويلة ، الممرات الحجرية بدت أكثر برودة من المعتاد و المشاعل السحرية المعلقة على الجدران تُصدِر ضوءا خافتا متقطعا و كأنها تشعر بالتوتر الذي لم يغادر الأكاديمية منذ حادثة الساحة ... دخل لوسيان الغرفة دون أن يتبادل كلمة واحدة مع جوناس أو إيفن أو حتى جاسون الذي إتخذ من سريره مجلسا له ، خلع سترته بسرعة و ألقاها على السرير ثم اتجه مباشرة نحو الحمام الملحق بالغرفة ، و أغلق الباب خلفه بإحكام بل أكثر من اللازم. إستند بظهره الى الباب و ترك رأسه يسقط للخلف حتى إرتطم بخشبه الخشن ، كانت أنفاسه ثقيلة و غير منتظمة ، صدره يعلو و يهبط و كأن قلبه يحاول الخروج من بين اضلاعه ، همس لنفسه بصوت مبحوح_ " اهدأ ... فقط إهدأ ". لكن جسده لم يُطِع ، تقدم بخطوات مُتردِدة نحو المغسلة و رفع يديه المرتجفتين إلى حافة الحوض الحجري ، المياه كانت باردة لكنها لم تُطفِء الحرارة الغريبة التي تسري في عروقه ، رفع رأسه ببطء و نظر إلى إنعكاسه في المرآة ، للحظة بدا كل شيء طبيعي ، وجهه الشاحب قليل ، شعر الداكن المبعثر و عيناه لم تكن بلونهما الطبيعي. توقف و إقترب أكثر من المرآة و عيناه تضيقان ، عينه اليسرى لم تكن سوداء بالكامل كما كانت في الممر لكنها لم تعد طبيعية أيضا ، كان هناك ظل داكن يُحيط بالقزحية كأن السواد إنسحب جزئيا لكنه لم يختف بل ينتظر. إبتلع لوسيان ريقه و مد يده ببطء نحو عنقه ليسحب ياقة قميصه إلى الأسفل قليلا و هناك تجمد ، تحت الجلد مباشرة كان وشم التنين لم يكن واضحا بالكامل لكنه كان موجود دون شك ، خطوط سوداء داكنة ملتوية تنبض بخفة مع كل خفقة من قلبه ، رأس التنين كان ملتفا نحو جهة القلب و عيناه حتى كوشم بدتا يقظِتين كأنهما تُراقبان. لم يكن حبرا و لم يكن علامة سطحية كان شيئا حيا ، تراجع لوسيان خطوة إلى الخلف و إصطدم بالحوض و دون أن يشعر شهق ، مد أصابعه المرتعشة و لمس المكان ، فجأة ... ألم حارق بارد شق صدره كأن الوشم إستجاب للمس ، سحب يده بسرعة و هو يلهث _ " لا ... لا يمكن ". رفع رأسه إلى المرآة مجددا و صوته خرج أخيرا منخفض ، صادق و مرعب ... " هذه ليست دماء بشري ... و ساحر فقط ". سكتت الغرفة للحظة لكن جسده لم يسكت ، بدأ يسمع نبضه ... لا أكثر من نبض واحد ، إيقاعات مختلفة و متداخلة و غير منسجمة ، نبض هادئ ، نبض أسرع و نبض ثالث أعمق و أقدم كأنه لا ينتمي لهذا الجسد أصلا ، ضغط كفه على صدره بقوة و رأى ومضات خاطفة في عقله : نار سوداء ، ظل تنين ضخم يلتف حول قلب نابض ، دم يسيل على أرض حجرية قديمة ، عين واحدة سوداء تنظر إليه من الداخل. صرخ فجأة صرخة مكتومة خرجت بين أسنانه ، و إنحنى للأمام و هو يتشبث بالحوض ، المياه في المغسلة بدأت ترتجف و المرآة تشققت بخط رفيع ، تمتم بها و كأنه يُخاطب شيئا بداخله_ " توقف ... أرجوك ". خارج الحمام كان جوناس جالسا على سريره و قد شد انتباهه الصوت المكتوم ، رفع رأسه بسرعة و تبادل نظرة سريعة مع جاسون الذي وقف قرب النافذة ، قال جاسون بصوت منخفض ، جاد على غير عادته_ " هو ليس بخير ". إقترب جاسون من باب الحمام ، وضع يده عليه دون أن يطرقه ... " لوسيان ؟ ". لم يأت الرد فورا ففي الداخل كان لوسيان قد إستقام ببطء ، عينيه مثبتتين على الوشم في المرآة ، الألم خف قليلا لكن الإحساس لم يختفِ ، همس و كأنه يعترف لنفسه لأول مرة_ " هناك شيء آخر ... شيء لم يُخبِرني به أحد ". رفع رأسه و نظر إلى إنعكاسه نظرة مختلفة ، لم تعد نظرة طالب جديد مرتبك بل نظرة شخص بدأ يُدرِك أن دمه ليس خطأ عشوائيا ، فتح صنبور الماء و غسل وجهه بقوة ثم أغلقه فجأة ، إستقام و شد ياقة قميصه ليُخفي الوشم و تنفس بعمق_ " ليس الآن " قالها بحزم شديد و هو يُضيف ... " لن أسمح له بالسيطرة علي ". فتح باب الحمام أخيرا ، تراجعت همسات الغرفة لكن عيون جاسون و جوناس إلتقطت شيئا مختلفا في ملامحه ، لم يسألاه لأنهما كان يُدركان بأن لوسيان سيُخفي عنهما ما حدث معه داخل الحمام ربما أمام جوناس فقط و ليس جاسون . كان يعلم لوسيان في أعماقه أن ما رآه ليس سوى البداية ، و أن الدم الملعون لم يعد مجرد همس في الظل بل حقيقة تنبض داخل جلده.

يتبع...